St-Takla.org  >   Full-Free-Coptic-Books  >   His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online  >   20-Makalat  >   2-Ahram
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات البابا شنودة الثالث المنشورة في جريدة الأهرام الأحد 3 يوليو 2011

طاقات الإنسان

 

تحدثنا من قبل عن العقل والضمير والحواس والمعرفة كطاقات للإنسان ونود اليوم أن نتحدث عن الجسد والإرادة كطاقتين للإنسان أيضًا‏.‏ فالجسد باعتباره طاقة وهبها الله للإنسان‏,‏ هو الجهاز التنفيذي لكل القرارات التي تصدر عن الروح‏,‏ وعن العقل وعن الضمير، وعن الإرادة والجسد القوي يستطيع أن ينفذ بينما الجسد الضعيف يعتذر عن ذلك. وما أسهل أن تؤثر أمراض الجسد علي النفس, فتجلب لها ألوانًا من الألم أو الحزن أو الضيق أو التذمر, وكثير من الناس قد يصلون إلي درجات من الانهيار النفسي بسبب حالة أجسادهم, أو يصلون إلي مرض الكآبة, أو إلي الحيرة والقلق.. أو تنشغل عقولهم بكيفية التصرف مع حالة الجسد.

وبعض أمراض الجسد تؤثر علي كثير من طاقاته, فمثلًا ارتجاج أو نزيف في المخ, قد يؤثر علي بعض مراكز المخ كالذاكرة أو الحركة أو الصوت, وتصلب الشرايين قد يؤدي إلي فقدان الذاكرة, وأعصاب الجسد إذا التهبت تؤثر علي نفسية الإنسان وسلوكه, وأمراض تؤثر علي طاقاته.

كذلك شهوات الجسد تؤثر علي العقل وعلي الضمير, وتحاول أن تستخدم العقل لتحقيق رغباتها, كما تسكت الضمير, أو تحاول أن توجد أعذارًا أو تبريرات لهذه الشهوات!! وشهوة الجسد قد تستأثر الفكر تمامًا, فلا يدور إلا في فلكها, كما تضعف الروح وتبطل صلتها بالله. لكل هذا يلزمنا الاهتمام بأجسادنا, لا نضعفها بحيث تتعطل طاقاتنا, ولا نثير غرائزنا بحيث تضعف أرواحنا.

يلزمنا أيضًا حفظ التوازن بين طاقات الإنسان, والتعاون والتكامل بينها, بحيث لا يوجد تناقض أو تصارع بين الطاقات, ونتفادى أن يوجد انقسام في شخصيتها أو صراع داخلي, كما قال احد الأدباء الكبار مرة, كنت أصارع نفسي وأجاهد حتى كأنني اثنان في واحد, هذا يدفعني, وذلك يمنعني, وهذا التصارع الداخلي قد عبر عنه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته لست ادري فقال:

أنني المح في نفسي صراعًا وعراكًا        واري نفسي شيطانًا وأحيانًا ملاكًا

St-Takla.org Image: Strength, holding on to one's roots, fundamentals صورة في موقع الأنبا تكلا: القوة، التمسك بالجذور، الأساس

St-Takla.org Image: Strength, holding on to one's roots, fundamentals

صورة في موقع الأنبا تكلا: القوة، التمسك بالجذور، الأساس

هل أنا شخصان يأبي هذا مع ذلك اشتراك.. أم تراني واهما فيما أراه لست ادري. إن الإنسان السليم السوي لا يوجد فيه هذا الصراع, فمن الجائز أن يوجد صراع بينه وبين عوامل أو حروب خارجية, ولكنه في داخل نفسه مستقر تمامًا, غير منقسم علي ذاته في فكره ولا في مشاعره ولا في إرادته, وهو إنسان واحد يحارب بكل طاقاته في حرب خارجة عنه, أما الحرب الداخلية فتحدث لأسباب منها: إن طاقة من طاقات الإنسان تحب أن تسيطر علي طاقاته الأخرى أو بعضها, مثال ذلك إنسان يحكم عقله, فتسير أموره سيرًا حسنًا, ثم تشتهي نفسه شهوة, أو تنفعل انفعالا, فيخرج العقل من سيره الطبيعي ليخضع له, ولهذا فإنه ما أسهل أن يكون العقل أحيانًا خادمًا مطيعًا لرغبات النفس! فقد ترغب النفس رغبة خاطئة, وهي مصرة عليها ومنقادة لها, وتخضع العقل لها, فإذا به يقدم لها براهين وأدلة تؤيد سلوكه, أما الإنسان صاحب العقل الحر, فيقول عن الحق انه حق, ولو كان صادرا من عدوه, ويقول عن الباطل انه باطل ولو كان صادرًا من أبيه أو أخيه.

طاقة أخرى من طاقات الإنسان هي الإرادة, وهي أيضًا تحتاج إلي تنمية وتقوية فكثيرون يعرفون الخير, ولكن إرادتهم لا تقوي علي عمله, ويعرفون ما هو الشر ومضاره, ومع ذلك فإرادتهم اضعف من أن تبعد عنهم, وهكذا تعجز إرادتهم عن مقاومة الخطيئة, مع معرفتهم بكل نتائجها الرديئة! وذلك بان الرغبة أو الشهوة تسيطر علي الإرادة وتقودها في طريقها.

الإرادة إذن سلاح ذو حدين, يستخدم للخير أو للشر, وكل إنسان يحتاج إلي تقديس الإرادة وإلي تقويتها, وبهذا تكون طاقة نافعة له في حياته الروحية, وهناك تداريب كثيرة لتقوية الإرادة وتنميتها, وبتنمية الإرادة تميز بين الحرية والتسيب, فكلنا نحن الحرية, ولكن يجب أن ندرب أنفسنا علي أن نسلك في الحرية بإرادة صالحة, وبضمير سليم, وفي حياة روحية وصلة بالله, وإلا تحولت الحرية إلي لون من التسيب, وقد يفقد الإنسان سيطرته علي إرادته, وعلي توجيه حياته توجيها سليمًا.

إن الميل إلي الخير هو الأصل في الإنسان, إذا قد خلقه الله سليمًا من كل شر, أما الميل إلي الشر فهو دخيل علي طبيعة الإنسان, فلابد أن نبحث عن أسبابه ونتفاداها أو نقاومها, فما هي أسباب ضعف الإرادة إذن؟

إن أول شيء يضعف الإرادة هو الشهوة, أية شهوة سواء شهوة الجسد أو شهوة المال وحب الاقتناء, أو شهوة المناصب وتعظم المعيشة, أو شهوة الانتقام, أو شهوة اللهو والعبث.

وغير ذلك من الشهوات, التي حينما تدخل إلي القلب, تضعف الإرادة عن مقاومتها, وكلما زادت الشهوة, فإنها تضغط علي الإرادة بشدة حتى تنهار الإرادة تمامًا, وحينئذ يقول الإنسان المنهارة إرادته: "لشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ." (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 7: 19)! وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. لذلك من عوامل تقوية الإرادة معالجة شهوات الإنسان وطردها من القلب. ومما يضعف الإرادة ويقوي الشهوة, القرب من مادة الخطية أي من مسبباتها, وقد قال أحد الآباء: وأنت بعيدة عن مادة الخطية, قد تأتيك المحاربة من الداخل فقط, أما إن صرت قريبًا من مادة الخطيئة, فحينئذ تقود عليك حربين إحداهما من الداخل والأخرى من الخارج, ويتعاونان علي إسقاطك إذا تضعف. والبعد عن مادة الخطية يشمل البعد عن كل المعاشرات الرديئة التي تدخل فكر الخطيئة إلي عقلك وإلي قلبك, وحينئذ يضغط الفكر عليك فتضعف إرادتك أمامه.

ومما يضعف الإرادة بالأكثر, طول المدة في جو الخطية, كذلك السرعة أمر مهم, فان أتاك فكر خاطئ وطردته بسرعة, حينئذ تقوي إرادتك أما إن فتحت لهذا الفكر أبواب ذهنك, وتباطأت في رده واستمر معك فترة فحينئذ تضعف إرادتك إمامه, فإما أن تخضع له, أو أن طردته بعد حين يكون ذلك بصعوبة بالغة, وما أسهل أن يعود إليك مرة أخري.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/20-Makalat/2-Ahram/CopticPope-Articles-255-Capabilitiesof-Man-2.html

تقصير الرابط:
tak.la/5qhdt6d