St-Takla.org  >   Full-Free-Coptic-Books  >   His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online  >   20-Makalat  >   2-Ahram
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

مقالات البابا شنودة الثالث المنشورة في جريدة الأهرام يوم الأحد 6 مارس 2011

مخافة الله.. وروحانية الخوف

 

يقول بعض الناس: مادمنا نتعامل مع إله محب حنون غفور, لذلك لا نخاف شيئًا, فمهما أخطأنا هو يغفر لنا, وهكذا ينقادون إلى الاستهتار والاستباحة واللامبالاة! ولا شك أنهم يحتاجون كل الاحتياج إلى مخافة الله وقد قال داود النبي: بدء الحكمة مخافة الله (سفر المزامير 111: 10).

يلزم في هذا الجيل أن نتحدث عن المخافة لأنه قد انتزع الخوف من قلوب الكثيرين, حتى من الصغار الذين لا يخافون من أب ولا من أم, ولا من معلم, ولا من شيخ, ولا من رئيس, ولا من أي سلطة في المدرسة أو في الشارع أو في العمل.

إن الملائكة -وهم يتكللون بالبر- لا يخافون. أما البشر وهم يتعرضون للسقوط في الخطايا كل يوم, فإن الخوف يلاحقهم, لأنه لاصق بالخطية فيما يسبقها وفي نتائجها.

وأول نوع من الخوف, هو خوف السقوط في الخطيئة وهو نافع إن دفع صاحبه إلى الحرص فالإنسان الذي يحب أن يحيا حياة طاهرة يخاف من الوقوع في الخطأ لأنه قيل عن الخطيئة إنها طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء (سفر الأمثال 7: 26), لذلك فالإنسان الروحي لا يستكبر بل يخاف وبخاصة من عنف الحروب الروحية ومن قوة الشياطين ومكرهم.

فإن أخطأ الإنسان يقع في خوف آخر, هو خوف الانكشاف فيخاف أن يعرف الناس خطيئته, فيقع في العار أو الفضيحة, ويتعرض لألسنة الناس التي لا ترحم, وتصبح سمعته مضغة في الأفواه!

ومن أجل خوف الانكشاف هذا نري أن الخطية كثيرًا ما ترتكب في الظلام وفي الخفاء.


St-Takla.org Image: Fresco Christus Pantocrator at Der Dom Von Monreale Cathedral, Palermo, Sicily, Italy - Jesus Christ Pantocrator moasic, twelfth century

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة أيقونة موزاييك (موزايو، فسيفساء) تصور السيد المسيح ضابط الكل، كاتدرائبة مونريال، باليرموس، صقلية، إيطاليا - القرن الثاني عشر

الخطاة يخافون أيضًا من اليوم الأخير الذي تنكشف فيه الأعمال, وتفتح الأسفار, وتفحص الأفكار والنيات, أين يخرجون في ذلك اليوم؟ وأين يختفون؟! فإن كانت خطاياهم قد لا تنكشف علي الأرض بأسباب وطرق شتي, فلابد أنها ستنكشف أمام الديان العادل وأمام الكل في يوم الحساب, حيث لا مكتوم إلا ويعلن, ولا خفي إلا ويعرف... وحيث لا تكون هناك أسرار بل الكل معروف.

هناك أمر آخر يخاف منه الإنسان الروحي حتى وهو علي الأرض وذلك إن خطاياه قد تكون مكشوفة أمام أرواح الذين انتقلوا من هذا العالم, سواء أمام أحبائه الذين كانوا يثقون به فيندهشون! أو أمام الذين كانوا ينتقدونه فيرون أنهم كانوا علي حق.

ولعل إنسانا يسأل: وماذا تراني أفعل إذن؟ أقول لك إن التوبة تمحو خطاياك, وكأنك لم تفعلها, فلا تعود إلى الخوف من انكشاف تلك الخطايا التي يمحوها الله بالتوبة.

نوع آخر من الخوف يرتبط بالخطيئة, وهو خوف العقوبة, أو الخوف من نتائج الخطية والخاطئ يخاف من عقوبتين: إحداهما أرضية والأخرى سماوية، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. أما العقوبة الأرضية فهي علي أنواع: إما عقوبة من المجتمع كالفضيحة أو الاحتقار, أو نبذ ذلك الخاطئ أو عدم الثقة به في المستقبل أو عقوبة من القانون مثل السجن أو ما هو أشد.. أما العقوبة السماوية فهي رهيبة ومخيفة.

هناك خوف روحي أيضا يتابع الخاطئ وهو أن يخاف من غضب الله عليه, أو رفض الله له أو أن يخاف من أن يأخذ الشيطان سلطانا عليه ويأتي وقت يفقد فيه حرية إرادته, كما يخاف أيضا أن تتطور حالته إلى أسوأ, ويخاف أن يأتيه الموت فجأة, وهو في حالة غفلة, أي وهو غير مستعد لملاقاة الله.

قال أحد القديسين إني أخاف من ثلاثة أمور: أخاف من لحظة مفارقة روحي لجسدي وأخاف من ساعة الوقوف أمام الديان العادل, كذلك أخاف من لحظة صدور الحكم علي.. فإن كان القديسون يخافون هكذا, فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟

حقا إن الذي يخاف الله يخطئ أما الذي يخطئ فهو إنسان لا يخاف الله الذي يخاف الله لا يظلم ولا يتدنس, ولا يعمل الشر حتى في الخفاء لأنه يعرف أن الله يري كل شيء, ويسمع كل شيء, ويفحص حتى أعماق القلوب والأفكار.

ولعل البعض يسأل: ما رأيك إذن فيمن يفعل الشر ولا يخاف؟ نقول إنه وصل إلى حالة من الاستهتار أو اللامبالاة, أو أن ضميره مريض أو متعطل عن العمل أو أن دوامة العالم تجرفه ولا تعطيه فرصة لمراجعة نفسه أو للتفكير في أعماله فهو في غيبوبة روحية, إن استيقظ منها فلابد سيخاف.. حقا إن الله قد وهبنا المخافة كي نصلح مسار حياتنا.

إن مخافة الله تقو الإنسان إلى التوبة, وتمنعه من فعل الخطية قبل ارتكابها. أما إن سقط الإنسان في الخطية, فإنها تعطيه رعبا من نتائج الخطية ومن عقوبة الله وهكذا تقوده إلى الرجوع إلى الله.

ومخافة الله تعلم الإنسان حياة الحرص والتدقيق فيكون مدققًا في كل ما يعمله أو يقوله.

ويكون حريصًا في كل ما ينوي أن يفعله, لأنه يخاف أن يسقط ويغضب الله أما إذا لم توجد مخافة الله في القلب, فما أسهل أن ينطبق علي هذا الإنسان المثل الذي يقول: إذا لم تستح, فافعل ما تشاء!!

ومخافة الله تقود أيضا إلى الجدية في الحياة الروحية, والي أن يكون الإنسان ملتزمًا وأمينًا حتى في القليل (إنجيل متى 25: 21، 23؛ إنجيل لوقا 16: 10؛ 19: 17). ذلك لأن مخافة الله أمام عينيه علي الدوام.

مخافة الله تقود أيضا إلى الاتضاع, والي الخشوع أمام الله وشعور الإنسان أنه مجرد تراب ورماد والذي يخاف الله يحاسب نفسه علي كل أفكاره ونياته, وكأنه واقف أمام جهاز تسجيل يسجل عليه كل شيء: يسجل مشاعره وعواطفه وأفكاره ونياته, وأخطاء اللسان وأخطاء الحواس ويخاف أن هذا التسجيل يذاع في اليوم الأخير.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/20-Makalat/2-Ahram/CopticPope-Articles-238-Fear-of-God.html