هنا أمر يستحق التقصى: كيف قال عنه هذه الكلمة بالنبي إشعياء: «ولا يصيح» (مت 19:12) بينما يقول يوحنا البشير يوضوح: «وفي اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا أن عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب؟ (يو 27:7). وكيف قال: «ولا يسمع أحد في الشوارع صوته» (مت 19:12)، بينما قال مخلصنا الصالح بوضوح للذين أمسكوه وقت الآلام، بالحري للجموع - لأنه يجب ألا نخرج في شيء عن الكلمات الملهم بها من الله -: «في تلك الساعة قال يسوع للجموع كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذونى. كل يوم كنت أجلس معكم أعلّم في الهيكل ولم تمسكوني» (مت 55:26)؛ وبينما كان الرسل يقولون له: «يا معلم الجموع يضيقون عليك وبزحمونك وتقول من الذي لمسنى» (لو 45:8)، «وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت. ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب» (مت 23:4)؛ وكان يسوع يطوف المدن كلها والقرى يعلم في مجامعها، ويكرز ببشارة الملكوت ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب (مت 35:9) وكان يجول في الجليل وفي اليهودية حتى ذاع خبره في جميع سورية» كما هو مكتوب في (مت 24:4). كيف إذا حسب كلمة إشعياء النبي لم يسمع أحد في الشوارع صوته؟
ومن ناحية أخرى كيف لم يكسر القصبة المرضوضة وهو الذي بكلمة واحدة فقط جعل شجرة التين تجف؟ كيف يتفق ذلك مع النبوة؟
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

![]() |
تأمل المعنى إذا أردت، وسوف ترى الاتفاق العظيم في كلمات الروح. في الواقع أن هذه الكلمة «لا يصيح» لا يجب أن نفهم انها قيلت عن صيحة القانون والتعليم.
فأحيانًا يقال أيضًا بطريقة لائقة بالله أن المسيح يبدو بالحقيقة انه يصرخ أو يصيح كثيرًا. ولكن عبارة «لا يصيح» قد قصد بها الضجة أو الصيحة التي تكون نتيجة المرارة والمخاصمة وتكون غريبة عن كل عذوبة.
لذلك فإن البشير فعلًا حينما كان يشرح فكرة النبي إشعياء ذاتها قد وضع أولًا هذه العبارة: «لا يخاصم»، وتلا ذلك: «ولا يصيح» (مت 19:12) مبينًا بذلك أنها الصيحة التي تأتي عن الخصام والتي قيل عنها أن مخلصنا الصالح لا يصيح بها.
ويذكر ذلك إشعياء النبي باسلوب مختلف وبطريقة غامضة. فيقول أولًا: (لا يصيح) وبدلًا من قوله: «لا يخاصم» تجده يقول: «لا يكل» (إش 4:42) أي لا يتوقف عن الصياح.
هكذا حال الذين يصيحون بسبب المخاصمة والمناقشة، انهم لا يتوقفون ولا يتساهلون ولا يتنازلون عن صراخهم، بل يصيحون بضجيج بدون توقف وبدون ترتيب في الهواء بلا فائدة.
وقد كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس بخصوص هذا الضرب من الصياح: «ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث» (اف 31:4).
هي أيضًا صرخة أهل سدوم؛ فكان الرب يقول عنهم: «إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيتهم قد عظمت جدًا» (تك 20:18).
وأيضًا كان يتهم إسرائيل بالنبي إشعياء قائلًا: «إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذته رجال يهوذا. فانتظر حقًا فإذا سفك دم وعدلًا فإذا صراخ» (إش 7:5).
كيف إذا يصرخ صرخة لم تكن ادعى للثناء بل نابعة من المرارة والخصام، وهو الذي يقول لتلاميذه: «احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.» (مت 29:11)؛ وكان يقول بلطف لليهود الغاضبين الذين كانوا يريدون أن يقتلوه وهم أشبه بالحيوانات المتوحشة: «لماذا تطلبون أن تقتلونى» (يو 19:7)؛ وأيضًا:
«ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم» (يو 40:8)؛ وهو الذي كان يرد على خادم رئيس الكهنة الذي لطمه على خده بطريقة مهينة: «إن كنت قد تكلمت رديًا فاشهد على الرديء وان حسنًا فلماذا تضربنى» (يو 23:18).
إذا كما أنه لم يثر ضجيجًا، هكذا أيضًا لم يعلم في الشوارع الكبيرة باحثًا عن المجد الباطل. بل كان يعلم في الهيكل وفي أماكن العبادة حيث مكان التعليم. ويبدو أن معظم تعاليمه كانت في الأماكن المقفرة، على الجبل، وعند شاطىء البحيرة، فلم يظهر في أي مكان انه كان يعلم في الشوارع.
وقد شهد مخلصنا نفسه أن تحت كلمة "الشوارع" ينطوي معني المجد الباطل، وذلك حينما قال بخصوص الفريسيين المرائين:" فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع لكي يظهروا للناس"(مت6: 5)؛ لأن دلالتي كلمة " الشوارع " وكلمة " المجامع " قريبتان.
وهكذا من ناحية، تحمل عبارة:" لا يخاصم ولا يصيح " معني الحلم والسلام، كما تشير عبارة: "ولا يسمع أخد في الشوارع صوته "(مت12: 19) من ناحية أخرى، إلى أنه لم يكن يحب المجد الباطل والظهور والكبرياء والإباحية التي تأتي من المجد الباطل.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-my-servant/will-not-cry.html
تقصير الرابط:
tak.la/5cn4vv2