![]() |
قد يظن البعض عني اليوم، ممن قد انغمسوا في الماديات وأُخِذوا بالأمور الظاهرة، أنني أتهلل فرحًا وسرورًا لأنني قد وصلتُ إلى هذا اليوم الذي به أُكمِل السنة الرابعة لي في خدمة رئاسة الكهنوت. أما أنا، فأعترف بأنني مدين بالعرفان لنعمة الله ذاك الذي بمحبته للبشر[2] لم يدعُني إلى هذا فحسب، ولكنه “أقام المسكين من التراب ومن المزبلة رفع البائس” (مز 113: 7) كما يرنّم داود، بل وهيّأ أيضًا وبوفرة زمنًا للتحضير للتوبة، لئلا أهلك مع خطاياي وأسقط من الحياة الطوباوية.
أما أنا فأرتعد خوفًا من هذا اليوم الحاضر، إذ أراه في كل سنة بمرورها يجعلني كمن وقع تحت الديون التي قد وصل رباها إلى حدّه الأقصى، فتضاعفت الديون فارتعد صاحبها من يوم الحساب إذا ما أدركه. فأصرخ بكلمات إرميا المليئة تنهدات إذ يرتعد قلبي ضمنًا فأقول: “مضى الحصاد، انتهى الصيف ونحن لم نخلص. لقد انسحقتُ وأظلمتُ قلقًا وحيرة. وسحقتني الآلام كالمرأة في وقت ولادتها” (إرميا 8: 20 و6: 24).
وحيث أقامني الله من الأرض بمحبته للجنس البشري إذ كنتُ مسكينًا كما سبق فقلتُ، لم أقف في عمل الفضيلة مع من أقامني، لأنني لا زلتُ فقيرًا في الأعمال الصالحة، وانجذبتُ نحو الأرض ملتصقًا بها وجلستُ في الأسفل “ولم أُمِت الأعضاء التي على الأرض” (كو 3: 5) بحسب إرشاد بولس، ولم أجعل نفسي شفافة لترتقي. لكنني تفاخرتُ بمسحة رئاسة الكهنوت، فمكثتُ في أوساخ أهواء الجسد وبذلك أضعتُ قوة حاسّتي لأستنشق الأمور العقلانية، حتى لم أعد أستطيع أن أتقبل رائحة السماويات الهنيئة.
فماذا أستطيع أن أفعل إلا أن أبكي وأنطوي وأتوارى وأتأمل إلى أية نهاية سأصل إن أنا أهملتُ هذه الأمور بكاملها، لأن الأسقفية هي إظهار أعمال الروح وليست فقط رتبة أو منزلة[3] سامية فحسبُ كما يظن الكثيرون.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
فمن الكتب المقدسة نعلم: “‘إن كان أحد يشتهي الأسقفية، فقد اشتهَى عملًا صالحًا” (1 تي 3: 1) وهذا يعني أنه يجب أن يشتهي ذلك - أي الأسقفية - ليس من لم يستحق بعد شرف هذه الرتبة، ولكن من قد استحق وصار في عداد الأساقفة عليه أن يشتهي ويتوق إلى الأسقفية العاملة والفاعلة.
أما من لم يحصل على شرف هذه الرتبة السامية بعد وكان “غنيًّا بالأعمال الصالحة” (1 تي 6: 18) هذا يكون نقيًّا في ذاته ومتنوّرًا بأفكاره، فلا يثمَلُ في جنون الشهوة، ولكن ولئن دعي إلى هذه الدرجة السامية يهرب “لأنه ليس أحد يأخذ لنفسه هذه الوظيفة إلا الذي قد دعي من الله” كما يقول الحكيم بولس (عب 5: 4). ويتوجه (المدعو) نحو من دعاه قائلًا مع موسى: “أرسل آخر مقتدرًا من شئت أن ترسِله (أرسل بيد من تُرسِل)” (خر 4: 13).
أما فإن كان خاليًا من علامات[4] الفضيلة ومن الأعمال، ويشتهي الأسقفية، يكون هذا معروفًا أنه يريد أن يلبس جلد الأسقفية كمن يلبس جلد أسدٍ، وليس يشتهي الأعمال الصالحة، لأنه لو كان يشتهي هذه (الأعمال الصالحة) لكان قد عمل ولو جزءًا يسيرًا منها. وإن كان قد عمل، لالتزم بأعماله وتنقّى بها، وإذا تنقى لا يعود فيشتهي مجدًا بسيطًا غير فاعل.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/various/severus-ordination-as-bishop/episcopate-service.html
تقصير الرابط:
tak.la/a8p25th