St-Takla.org  >   books  >   pope-sheounda-iii  >   thanksgiving-psalm-50
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب تأملات في صلاة الشكر والمزمور الخمسين - البابا شنوده الثالث

51- فائدة الحزن والانسحاق

 

أخيرًا استيقظ داود إلى نفسه، وفي غمرة الحزن على سقطته قال للرب في ألم وفي رجاء:

"أسمعني سرورًا وفرحًا، فتبتهج عظامي المنسحقة".

اسمعني عبارة عزاء تريحني وتريح ضميري من الداخل.. عبارة طيبة تدخل الفرح إلى قلبي الحزين، وإلى نفسي المنسحقة.. ولكن الله أحيانًا حينما يخلص إنسانًا، ويرد إليه سروره، لا يسمح أن يتم ذلك بسرعة، لأن هناك مبدأ معروفًا يقول "إن الشيء الذي تناله بسرعة، قد تفقده بسرعة" ذلك لأنك لم تتعب في الحصول عليه، ولم تعرف قيمته كما ينبغي..

لذلك يسمح الله أن المخطئ، يستمر في حزنه فترة..

يبقى فترة في الذل والحزن والألم والانسحاق، حتى تستوفي التوبة نصيبها من الندم، ويشعر الإنسان الإنسان ببشاعة ما قد فعل. وحينئذ، إن سمح له الله بالفرح، لا يقوده هذا الفرح إلى الاستهتار، لأنه مؤسس على دعامة من الانسحاق.

وللأسف، فإنه في بعض الطوائف ما أن يتوب خاطئ، حتى يهللون ويفرحون؟ ويطلبون منه أن يقف على المنبر ليحكي (اختباره) للناس.. وهكذا يتحول بسرعة وفجأة من خاطئ إلى واعظ!! ولكن الكتاب لم يعلم بهذا..

إن الحزن مفيد للإنسان روحيًّا، لذلك يسمح الله به:

وقد ضرب لنا الكتاب مثلًا بحزن داود، الذي بلل فراشه بدموعه، وبحزن بطرس الرسول الذي بكى بكاءًا مرًا. وذكر لنا أيضًا الذل الذي كابده شمشون إلى استجاب الله لصلاته أخيرًا. وما أكثر الآيات التي ذكرت في الكتاب عن البكاء والدموع والحزن المقدس.. ولكني سأذكر هنا مثالًا واضحًا بارزًا، وهو:

St-Takla.org Image: King David on his throne, sad, with an angel beside him - from "The Bible and its Story" book, authored by Charles Horne, 1909. صورة في موقع الأنبا تكلا: الملك داود على عرشه حزينًا، وبجانبه ملاك - من كتاب "الإنجيل وقصته"، إصدار تشارلز هورن، 1909.

St-Takla.org Image: King David on his throne, sad, with an angel beside him - from "The Bible and its Story" book, authored by Charles Horne, 1909.

صورة في موقع الأنبا تكلا: الملك داود على عرشه حزينًا، وبجانبه ملاك - من كتاب "الإنجيل وقصته"، إصدار تشارلز هورن، 1909.

فرح بولس الرسول بحزن أهل كورنثوس والشاب الخاطئ:

في الرسالة الأولى أمر أن يسلم هذا الخاطئ للشيطان لإهلاك الجسد، لك تخلص الروح في يوم الرب (1كو5:5). ووبخ أهل كورنثوس لأنهم لم يعزلوا الخبث من وسطهم، ولأنهم "لم ينجوا" (1كو2:5،13). وفي الرسالة الثانية يذكر أنه أحزنهم، ويعلق فرحة بحزنهم، فيقول: "الآن أنا أفرح، لا لأنكم حزنتم، بل لأنكم حزنتم للتوبة، لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله.." (2كو9:7).

ويقول عن هذا الحزن "لكي لا تتخسروا منا في شيء. لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة.. فإنه هو ذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة الله، كم نشأ فيكم من الاجتهاد.. بل من الغيرة.." (2كو9:7-11).

كذلك ذلك الشاب المخطئ نفعه الحزن، ونفعه العزل والعقوبة، حتى أن الرسول عاد ليقول "يكفيه هذا القصاص.. حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه، لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" (2كو6:2، 7).

مسكين الإنسان الذي يخطئ، ولا يحزن على خطيئته، ولم يجد كذلك من يُحزِنه، ويوبخه على خطيئته.. وهكذا مرت الخطية بسهولة بلا ندم، وبلا مذلة.. ومسكين أكثر الإنسان الذي لا يقبل التوبيخ، ويحزن بسببه لا بسبب الخطية! كيف يصل مثل هذا الإنسان الخاطئ إلى التوبة؟! وإلى الندم والحزن المقدس.. إنني أتأمل أولئك الذين حزنوا على خطاياهم وأتعجب..

وبخاصة الذين شهرت خطاياهم، وسجلت في كتب!

مَنْ منا لا يذكر خطيئة داود التي ذُكِرَت في الكتاب المقدس (2صم 11، 12)، والتي سجلها داود في مزاميره، مصحوبة بدموعه -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- ويرددها الناس حينما يصلون، على الرغم من أنها نقلت عنه ومحيت وأبيض أكثر من الثلج.

ومَنْ منا لا يذكر إنكار بطرس، ويجعله كثير من الوعاظ موضوعًا لعظاتهم، على الرغم من توبة بطرس وتعبه الكثير في الكرازة والتبشير..! ومن منا لا يذكر زنا رحاب، على الرغم من خلاصها وذكرها في سلسلة الأنساب.. ومع ذلك ما زال؟ اسمها هو راحاب الزانية، ليس فقط في العهد القديم (يش17:6) بل حتى في العهد الجديد أيضًا (عب31:11) في قائمة شخصيات الإيمان! أترانا سنناديها باسم راحاب الزانية في الأبدية أيضًا؟؟

بل لنأخذ مثال القديس أوغسطينوس في اعترافاته..

لقد كتب اعترافاته في كتاب قرأته جميع الأجيال من بعده.. مع أنه صار من آباء الكنيسة المشهورين الذين دافعوا عن الإيمان، وله مؤلفات مملوءة بالتأملات الروحية العميقة التي استفاد بها الملايين، إلا أن خطيته ليست فقط أمامه كل حين، بل أمام الكل في جميع الأجيال منشورة ومشهورة.

كذلك أيضًا نذكر القديسين الذين شهرت خطاياهم.

على الرغم من أنهم تابوا وصاروا من قديسي التوبة، ووصل بعضهم إلى الرهبنة، وإلى السيامة، وإلى منصب الرعاية الكبرى.. ومن بين هؤلاء القديس موسى الأسود، والقديس كبريانوس رئيس الأساقفة والقديسين، والقديسة مريم القبطية، والقديس بيلاجية.. وخطايا هؤلاء القديسين والقديسات مسجلة يدرسها الكبار والصغار..

وماذا نقول نحن عن أنفسها الذين خطايانا مستورة، ومع ذلك لم نبك ونحزن عليها!!

مع أننا اعترفنا بها في السر ولا يعلم بها أحد. وإن تصادف وأشار أحد إلى شيء منها، ولو من بعيد، ولو عن طريق التلميح، نثور ونضج، ونقيم الدنيا ونقعدها، ولا نعترف أننا أخطأنا بشيء! حتى الاعتراف السري على الكاهن نستثقله أحيانًا ونستصعبه! أين التوبة إذن والحزن المقدس؟ هوذا القديس مقاريوس الكبير يقول "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك". لعله أقتبس هذا من (1كو31:11). أترانا أيضًا نقبل التأديب ونرضى به كما قال الرسول:

"نؤدب من الرب، لكي لا ندان مع العالم" (1كو32:11).

على الأقل نمارس شيئًا من هذه الكآبة المقدسة التي قال عنها الكتاب "بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا3:7). نمارس الحزن المقدس الذي نشعر فيه أننا بالخطية قد سقطنا، وانفصلنا عن الله، وعن شركة الروح القدس، وأحزنا الروح القدس، والملائكة والقديسين.. ولو إلى حين.. ونندم ونبكي على خطايانا.

إن ندم داود، لم يكن ندمًا عابرًا، بل مستمرًا..

لم يكن ندمًا إلى لحظة وانتهي، بل إنه يقول "أعوم في كل ليلة، وبدموعي أبل فراشي" (مز6) لاحظ عبارة -كل ليلة- ويقول أيضًا "خطيئتي أمامي في كل حين". وعبارة -كل حين- تعني الاستمرارية. إن لذة الخطية كانت إلى لحظة أو لحظات، أما الندم عليها فكان كل حين، إنها أفقدته عزاءه الداخلي.. لذلك صرخ إلى الله قائلًا "اسمعني سرورًا وفرحًا فتبتهج عظامي المنسحقة". ولا يقصد عظام الجسد، وإنما رمز ذلك روحيًّا إلى انسحاق نفسه.

يذكر المرتل الوسيلة التي تبتهج بها عظامه المنسحقة فيقول: اصرف وجهك عن خطاياي وأمح كل آثامي.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/thanksgiving-psalm-50/sadness-aim.html