سؤال 756: هل قامت مريم المجدلية بزيارة القبر مرة واحدة (مت 28: 1؛ مر 16: 1-8؛ لو 24: 10)، أم مرتين (يو 20: 1؛ يو 20: 11)؟ وكيف عرفت مكان الرأس ومكان رجلي جسد يسوع؟ وهل الملاكان جهلا سبب بكاء المجدلية؟ وما الذي دعى المجدلية أن تلتفت للوراء وهيَ تتحدث مع الملاكين؟ ولماذا تحدثت عن يسوع دون أن تذكر اسمه؟ ولماذا لم تتعرف المجدلية على يسوع؟

ج: 1- ركزت الأناجيل الثلاثة الإزائية على الزيارة الأولى لمريم المجدلية للقبر مع مريم الأخرى وبعض النسوة. أما إنجيل يوحنا فقد ذكر زيارتين للمجدلية للقبر، في المرة الأولى اكتشفت أن القبر فارغ وجسد يسوع ليس فيه، فركضت لتُخبر بطرس ويوحنا (يو 20: 1-2). ثم عادت للقبر ثانية بعد أن ركض بطرس ويوحنا تجاه القبر، ويقول "الآب أندره سكريما": "بعد انصراف التلميذين في اليوم ذاته، بعد طلوع الشمس على الأرجح، عادت مريم وحدها، مدفوعة بالدافع نفسه الذي جعلها تركض فجرًا إلى القبر، إلى المكان الذي باتت تعتبره علامة الغياب. أن حالتها النفسية لم تتغير لأنها أتت إلى القبر وهيَ تبكي، فدفع القبر إعلانًا آخر، إذ رأت ملاكين بثياب بيض... كل هذا يتم، كما سبق ذكره على الحدود الفاصلة بين العالمين، هذا العالم الأسفل والعالم الآخر إلى حيث عاد يسوع فأضحى الآن مفتوحًا" (450).
2- عندما عادت المجدلية للقبر في المرة الثانية رأت ملاكين واحد عند الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعًا، وتساءل البعض من أين عرفت مريم مكان الرأس ومكان القدمين بينما الجسد لم يعد له وجود في القبر؟ لقد كانت مريم حاضرة وقت تكفين السيد المسيح بواسطة يوسف الرامي ونيقوديموس: " وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ" (مر 15: 47). وأيضًا من وضع الأكفان التي تُركت كما هيَ وكأنها محتفظة في داخلها بجسد يسوع أدركت أين مكان الرأس وأين مكان الرجلين، ووجود الملاكين بهذه الصورة أمر يُعيد للأذهان منظر غطاء تابوت العهد المُظلل عليه الكاروبان: " فَاصْنَعْ كَرُوبًا وَاحِدًا عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَا وَكَرُوبًا آخَرَ عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ... وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ" (خر 25: 19، 22) والمسافة بين الكروبين (الشاكيناه) تعبر عن الحضرة الإلهيَّة، وهكذا صار المكان الذي وُضع فيه جسد يسوع مكانًا مُقدَّسًا تحل فيه الملائكة، وكون الملاكان جالسان أي قد انتهت نوبة حراستهما بعد أن قام يسوع وغادر القبر. عندما كان جسد يسوع مسجيًا في قبره كانا يقفان إجلالًا وإكرامًا لجسد الملك المسيح، أما بعد أن نهض مُخلصنا وقام، فقد ظل الملاكان في القبر جالسين يُعلنان القيامة: " لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ لَيْسَ هُوَ ههُنَا لكِنَّهُ قَامَ" (لو 24: 5-6). لقد صاحبت الملائكة ملكهم في ولادته (لو 2: 13) وفي تجربته (مت 4: 11) وفي آلامه في جثسيماني (لو 22: 43) وفي قبره (يو 20: 12) وفي صعوده (أع 1: 10)، وستُصاحبه في مجيئه الثاني (مت 16: 27).
3- سأل الملاكان المجدلية: "يا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟" (يو 20: 13) وتساءل البعض: هل حقًا جهلا الملاكان سبب بكاء مريم، مع أن معرفتهما أوسع من معرفة الإنسان؟ وقد أجاب على هذا التساؤل "القديس كيرلس الكبير" قائلًا: "هذان الملاكان قاطعا نوحها وقالا لها: "يا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ ". وهما لم يكونا يسألان عن سبب بكائها، لأنهما كانا يعرفان السبب حتى لو لم تخبرهما هيَ عنه، بل أن الظروف نفسها كانت كافية لكشف سبب بكائها. ولكنهما يطلبان منها أن تكف عن البكاء لأن الوقت ليس وقت دموع، ولأنها جعلت القيامة التي هيَ سبب الفرح، سببًا للحزن. وحقًا يقولان لها: لماذا تبكين والموت قد قُهِر، والفساد فَقَدَ سُلطانه، والمسيح مُخلِّصنا قد قام، وخلق طريقًا جديدًا يعود به الموتى من الفساد إلى الحياة. لماذا، تخطئين في اختيار الوقت يا امرأة، ولماذا أنت مُثقلة هكذا بآلام مريرة بينما الأحداث نفسها تدعوكِ إلى الفرح؟ لأنكِ بالحقيقة ينبغي أن تفرحي وتبتهجي. إذ أنكِ بهذه الدموع تُقللين من الكرامة اللائقة بحدث مُفرح كهذا" (451).
4- بينما كانت المجدلية تتحدث باهتمام بالغ مع الملاكين: " الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ" (يو 20: 14) وتساءل البعض: ما الذي دعى المجدلية للالتفات إلى الوراء وهيَ تحدث الملائكة؟ أكيد رأت الملاكين يسجدان في حركة مُفاجأة فتعجبت ونظرت للوراء لترى لمن يسجد الملاكان. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " على ما يلوح لظني أنها إذ قالت أنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه ظهر السيد المسيح خلفها بغتة! فأخاف الملاكين، إذ عاينا سيدهما أظهرا في الحال بشكلهما وبنظراتهما وبحركتهما أنهما قد أبصروا ربهما، بهذا الحال استمالا إلتفات مريم. ظهر لهما بهذه الكيفية، ولم يظهر هكذا للمرأة، حتى لا ترتعب منه عند أول نظرة إليه، إنما ظهر لها في شكل عادي بسيط كما يظهر من كونها قد ظنته أنه البستاني" (452). نظرت مريم المجدلية السيد المسيح ولم تتعرف عليه، بل ظنته أنه البستاني، لأنه من سيأتي في تلك الساعة بهذا البستان إلاَّ البستاني؟! وربما شكَّت في هذا البستاني وأنه قد رأى من غير الملائم أن يوضع جسد إنسان مرفوض من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين والشعب في بستان سيده، فربما يكون قد حمله إلى قبر آخر، لذلك قالت له: " يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ" (يو 20: 15).
وقال أحد النُقَّاد: ما دام ليسوع القدرة على التنكر، مثلما أخفى نفسه هنا في شكل البستاني، ومثلما أخفى نفسه عن تلميذي عمواس، فلماذا لن يتنكر ويهرب من الصليب. وفات على الناقد أن السيد المسيح لم يتنكَر، إنما لقصد وهدف مُعين لم يجعل المجدلية تتعرَّف عليه، ولا بالنظر، إنما تعرَّفت عليه على الفور من صوته عندما قال لها: " يا مريم". وقال الإنجيل عن تلميذي عمواس " أُمسكت أعينهما" حتى يستوعبا أولًا درس النبوءات وكيف تحقَّقت. كما فات على الناقد أن السيد المسيح لم يحاول قط أن يفلت أو يتهرب من الصليب، لأنه لأجل هذه الساعة قد جاء: " لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ" (يو 12: 27) وقد حدَّد ساعة موته، فعندما جرت محاولات لرجمه كان يجوز وسطهم ويمضي (لو 4: 29-30؛ يو 7: 44) " وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ" (يو 8: 20).
5- رأت المجدلية يسوع وظنته البستاني وتحدثت معه عن يسوع دون أن تذكر اسمه، فقالت: " يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ" (يو 20: 15) حَمَلْتَهُ... وَضَعْتَهُ... آخُذُهُ فهيَ تتحدث عنه بصيغة الغائب لأن يسوع كان يشغل كل كيانها ومشاعرها وأحاسيسها وعقلها، ففي انشغالها به ظنت أن كل العالم مُنشغلًا انشغالها، ومهتمًا اهتمامها، ومُنهمكًا انهماكها، وكأنه لا يوجد شخص في العالم كله جدير بالاهتمام مثل يسوع... وهذه هيَ الحقيقة، فما الداعي أن تذكر اسمه وهو محور حياتها؟!.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
6- كيف تحدثت المجدلية مع السيد المسيح ولم تتعرف عليه؟ هذا يرجع لعدة أسباب، منها:
أ- لأنها لم تتوقع على الإطلاق أنه سيهزم الموت وينتصر عليه ويعود للحياة ثانية، فلم يحدث قط أن إنسانًا مات وأقام ذاته.
ب- بسبب الدموع التي غشت عينيها فأضعفت الرؤيا، فلم تعد قادرة على تمييز ملامح من تقف أمامه.
جـ- شاء السيد المسيح أن لا تتعرف عليه إلاَّ بعد أن تسمع صوته وتتأكد أنه هو هو الذي صُلِب ومات هو هو الذي قام وتقف أمامه. لقد أُمْسِكَت عيناها عن معرفته مثلما أُمْسِكَت أعين تلميذي عمواس: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي" (يو 10: 27). " وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ" (يو 10: 4). لقد أعلن السيد المسيح ذاته لها مثلما أعلن ذاته لتلاميذه وهم مذعورين في وسط العاصفة قائلًا: " أَنَا هُوَ لاَ تَخَافُوا" (مت 14: 27).
يقول "الأب أندره سكريما" عن المجدلية في لقائها مع يسوع: " أن تعرَّفها هذا عليه هو أيضًا كلي وفجائي فجائية مُطلقة كالبرق، وليس نتيجة لعملية منطقية، فكأن هتافها جزء لا يتجزأ من هذه اللحظة. فإن تسمية "ربوني" تختلف عن تسمية "رابي" التي هيَ العبارة المألوفة بمعنى "معلمي" توجه إلى شخص بشري مُهم، في حين أن רב "ربوني" في اللغة العبرية كثيرًا ما كانت خاصة باللَّه توجَّه في الصلوات إليه... ومريم بهتافها هذا تسبق توما الذي سوف يستعمل الكلمة نفسها عند صراخه: "ربِّي وَإِلهِي"..." (453).
_____
(450) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص97، 98.
(451) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص490.
(452) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1246، 1247.
(453) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص99، 100.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/756.html
تقصير الرابط:
tak.la/vfr7r74