سؤال 757: كيف ارتضى يوحنا أن يصطحب بطرس الذي أنكر المسيح (يو 20: 3-10)؟ وهل مجرد رؤية يوحنا الإنجيلي للأكفان كانت مدعاة لإيمانه بقيامة المسيح "ورَأَى فَآمَنَ" (يو 20: 8)، فربما سُرق الجسد وتُركت الأكفان؟ ولماذا قام السيد المسيح (يو 20) دون أن تبصره عين إنسان؟

ج: أولًا: كيف ارتضى يوحنا أن يصطحب بطرس الذي أنكر المسيح (يو 20: 3-10)؟ نعم أنكر بطرس السيد المسيح وجحد ولعن، ليس لأنه يكرهه وإنما بسبب الضعف البشري وخوفه من الموت، وبمجرد أن تنبه إلى فعلته الشنعاء هذه: " فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (لو 22: 62). من جهة فإن سقطة بطرس جعلته يتواضع وينكسر، ومن جهة أخرى فإن محبة يوحنا كانت قادرة على استيعاب بطرس الذي يكن له كل الاحترام، حتى بعد سقوطه، لأنه إن كان قد سقط فهذه نصف الحقيقة، أمَّا النصف الآخر فإنه تاب وبكى بكاءً مرًّا فعاد بقوة أعظم. أيضًا كان أمام عيني يوحنا كلمات السيد المسيح لبطرس ليلة آلامه، عندما قال له: " وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ" (لو 22: 32) فهذه العبارة الذهبية التي تنبئ بعودة بطرس إلى رتبته الأولى كانت تلمع أمام عيني يوحنا، لذلك لم يسقط بطرس من نظره، بل ظل يكن له كل الحُب والاحترام، حتى عندما ركض الاثنان تجاه القبر ووصل يوحنا الشاب أولًا وقف خارجًا لم يدخل لحين وصول بطرس ودخوله للقبر أولًا، وذلك احترامًا وتأدبًا من يوحنا الرسول. يقول "القمص تادرس يعقوب": " لم يصل يوحنا لأنه أسرع منه، ولا احتقر يوحنا بطرس لأنه أبطأ منه، وإن كان بطرس قد تاب، لكن إنكاره للسيد المسيح وشعوره بالذنب أبطأ من حركته نحو القبر، دون أن يحرمه من التمتع بالقائم من الأموات. هذه هيَ الصداقة الروحية الجادة، التي تحمل روح العمل الجماعي دون إعاقة الواحد للآخر. وكما يقول الحكيم: "اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً" (جا 4: 9)" (454).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: هل مجرد رؤية يوحنا الإنجيلي للأكفان كانت مدعاة لإيمانه بقيامة المسيح " وَرَأَى فَآمَنَ" (يو 20: 8)، فربما سُرق الجسد وتُركت الأكفان...؟
1- هذه هيَ الحالة الوحيدة الفريدة على مدار التاريخ أن يُكلّف فيها قائد روماني مع جنوده بحراسة قبر ميت، فكيف يُسرق الجسد والقبر مُغلق بحجر ضخم وتحريكه عن فُم القبر يوقظ أي نائم؟! ومن يجرؤ أن يحرك الحجر وعليه ختم الإمبراطورية الرومانية، وحراس أشداء يحرسونه؟!! إن قصة سرقة جسد يسوع من القبر سبق لنا مناقشتها بالتفصيل، وسقنا العديد من الأدلة الدالة على فساد هذه السخافات والتي يرفضها كل ذي عقل، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول الصليب" من س38 إلى س41، ومدارس النقد - عهد قديم جـ 2 من س74 إلى س79 فتجد ردًا كافيًا على هذه البدعة وما يُماثلها من آراء تشكك في قيامة المسيح. ونضيف هنا قول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "يخبرنا الإنجيلي يوحنا مسبقًا أنه دُفن بمر كثير، هذا يجعل الأكفان تلتصق بالجسد... هكذا عندما تسمعون أن المنديل في موضع وحده لا تسلكون كالقائلين بأنه سُرق. فاللص لا يُمارس تصرفًا لا حاجة إليه، فإنه لماذا ينزع الأكفان ويزيل المنديل؟ بجانب هذا كيف يمكنه أن يهرب من اكتشاف أمره إن قضى وقتًا طويلًا في فعل هذا؟ فسيُقبض عليه خلال التأخير والتواني. بل ولماذا توضع الأكفان الكتانية منفصلة والمنديل وحدها ملفولة؟ لكي تتعلموا أن التصرف لم يحدث في تسرع أو بطريقة صاخبة"(455). ويقول "القديس أمونيوس الإسكندري": " لو أن الأعداء سرقوا الجسد، فمن أجل المكسب المادي ما كانوا قد تركوا الأكفان. لو أن الأحباء فعلوا هذا لما سمحوا بتعرية الجسد وإهانته"(456).
2- رؤية الأكفان بهذا الترتيب العجيب هيَ التي دفعت يوحنا الحبيب للإيمان بقيامة المسيح. جاء في كتاب "الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية": " كانت الأكفان ملفوفة ومرتبة. أن الكلمة اليونانية ἐντετυλιγμένον "ملفوفة" (entetuligmenon) هيَ الفعل الذي يُستخدم للف الأكفان فعليًا حول الجسد للدفن. تقول الكلمة اليونانية أن الأكفان كانت لا تزال مطوية ملفوفة تمامًا كما تُلف على الجسد، وكأن الجسد قد تبخر. لم تكن غير مرتبة أو مبعثرة. يقول هذا أربعة أشياء على الأقل:
أ- سيكون مستحيلًا أن يتم إخراج جسد ما من لفافه وتركه بهذا الترتيب الجيد.
ب- كانت الأكفان ستؤخذ مع الجسد لو كان الجسد قد نُقل.
جـ- كانت الأكفان ستصير غير مرتبة مُبعثرة لو أن اللصوص قد نهبوا القبر.
د- ما كان يمكن أبدًا أن توضع الأكفان (في أي ظرف من الظروف الخاصة بنقل الجسد) في نفس الموضع تمامًا مع البلاطة الصخرية حيث كان الجسد راقدًا. ومع هذا، فقد كان هذا هو وضعها وفقًا للنص اليوناني. كان هذا هو ما قاد يوحنا إلى الإيمان الفوري" (457).
ثالثًا: لماذا قام السيد المسيح (يو 20) دون أن تبصره عين إنسان؟
1- قصة موت المسيح وقيامته وحكاية الفداء أمور سامية لا يُدرك الإنسان أعماقها، ولذلك حلَّت الظُلمة في ذروة الصلب ثلاث ساعات حتى سلَّم السيد المسيح روحه، فلم يُشاهد أحد السيد المسيح وهو يسلَّم الروح بسبب شدة الظلام حتى أن الطيور أوت إلى أعشاشها والحيوانات إلى أوكارها. ولم يكن للإنسان المحدود أن يُدرك عمل اللَّه غير المحدود. لقد وضع اللَّه على يسوع الذبيح إثم جميعنا وسرَّ أن يسحقه بالحزن، فالآب وحده هو الذي يُدرك ويقدّر قيمة هذا العمل الفدائي الذي لا يستطيع أي كائن أن ينجزه سوى أقنوم الكلمة. وكما كان الأمر في موت المسيح وتسليمه الروح البشرية لم يره إنسان، هكذا حدث في قيامته لم تبصره عين إنسان.
2- من يتساءل: لماذا قام السيد المسيح دون أن تبصره عين إنسان، لم يسأل نفسه: وهل كان هناك أي إنسان في مكان الحدث، أي داخل القبر، لكيما يُعاين قيامته المقدَّسة؟! لقد كان يسوع في القبر لوحده والقبر مُغلق، لم يكن معه أي إنسان سواء من الأحياء أو الموتى لأن القبر الذي وُضع فيه كان جديدًا لم يسبقه أحد إليه ولم يلحقه أحد. أنه القبر العجيب الفارغ وقام المسيح وخرج (إنسل) من الأكفان بطريقة معجزية، وظلت الأكفان على حالها وكأنها ما زالت تحتفظ بالجسد المقدَّس، كما خرج يسوع من القبر المُغلق دون أن يدحرج الحجر الموضوع على باب القبر أو يفك ختومه، إنما الملاك بعد قيامة المسيح وخروجه من القبر المُغلق دحرج الحجر وجلس عليه مُعلنًا القيامة المقدَّسة، بأمجادها وأفراحها. فأي عين كانت تراقبه ولم ترى قيامته؟! ولا توجد تلك العين، لأنه لم يكن هناك إنسان في مكان الحدث. ولكن بعد قيامته استعلن للكثيرين من المريمات والتلاميذ ولأكثر من خمسمائة أخ دفعة واحدة. وإن كانت عين الإنسان لم تعاين لحظة تسليمه للروح، ولا لحظة عودة الروح البشرية للجسد وقيامته، فإن هناك عدد ليس بقليل شاهده وهو يعلو ويصعد إلى السموات، ومع صعوده رفع عقولنا وعيوننا إلى السماء، فصرنا نسلك بالإيمان لا بالعيان متذكرين قول السيد المسيح لتوما: " طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو 20: 29).
_____
(454) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1237.
(455) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1238.
(456) المرجع السابق، ص1238.
(457) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، جـ 5 - إنجيل يوحنا، ص350.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/757.html
تقصير الرابط:
tak.la/2x3sxqj