St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

755- ماذا قصد السيد المسيح بقوله: " قَدْ أكْمِلَ" (يو 19: 30)؟ ولماذا كسروا سيقان المصلوبين؟ وإذا كان السيد المسيح قد مات فعلاً على الصليب فكيف نزف دم عند طعنه بالحربة (يو 19: 34)؟ وكيف تجرأ يوسف الرامي الذي تتلمذ على يد يسوع خفية أن يطلب جسد يسوع من بيلاطس البنطي (يو 19: 38) ويكفنه ويدفنه في قبره؟

 

سؤال 755: ماذا قصد السيد المسيح بقوله: " قَدْ أكْمِلَ" (يو 19: 30)؟ ولماذا كسروا سيقان المصلوبين؟ وإذا كان السيد المسيح قد مات فعلًا على الصليب فكيف نزف دم عند طعنه بالحربة (يو 19: 34)؟ وكيف تجرأ يوسف الرامي الذي تتلمذ على يد يسوع خفية أن يطلب جسد يسوع من بيلاطس البنطي (يو 19: 38) ويكفنه ويدفنه في قبره؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: ماذا قصد السيد المسيح بقوله: " قَدْ أُكْمِلَ" (يو 19: 30)...؟ تفوَّه السيد المسيح بسبع عبارات وهو على الصليب، وجاءت العبارة الأخيرة " قَدْ أُكْمِلَ" (يو 19: 30)... فما هو الذي أُكمل؟

1- أُكمل كأس الألم، بعد أن تجرَّع ابن اللَّه المتجسد الكأس حتى الثمالة نيابة عنا، وتحقّق الآن قوله لبطرس الرسول: " الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا" (يو 18: 11)... أكمل السيد المسيح جميع الآلام الجسدية والنفسية خلال رحلة آلامه وصلبه.

2- كملت كل حيل ومؤامرات وتدبيرات عدو الخير وأعوانه من اليهود والرومان وبلغ حنق وحقد الشيطان وأعوانه إلى آخر مداه، فلم يعد هناك شيء كان من الممكن أن يفعلوه ولم يفعلوه.

3- قد أكمل الابن مشيئة الآب: " وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8).

4- قد أكمل الابن تدبير الخلاص، ودفع الدين كاملًا عن آدم وجميع الجنس البشري في كل آن ومكان.

5- قد كملت جميع النبوءات التي جاءت على فم الأنبياء في جميع العصور، والتي تخبرنا عن آلامه وموته الخلاصي، كما تحققت جميع رموز الصليب.

6- قد أكمل السيد المسيح كل الناموس الطقسي، وبتقديم ذاته ذبيحة حية للَّه أبيه بطلت كل الذبائح الحيوانية، فصار هو وحده الشفيع الكفاري لكل عابر من الموت للحياة ومن الأرض للملكوت.

7- أكمل السيد المسيح حياته بالجسد على الأرض " وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ" (يو 19: 30) مع أن الإنسان العادي يُسلم الروح أولًا ثم يُنكس رأسه، فبعد أن تفارق الروح الجسد تنكفي رأس الإنسان على كتفه، أمَّا السيد المسيح رب الحياة فقد آمال رأسه أولًا ثم أسلم الروح بإرادته الكاملة، وتحققت فيه نبوءة إشعياء النبي: " أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ" (إش 53: 12) كما تحقق قوله عن نفسه: " لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو 10: 18).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثانيًا: لماذا كسروا سيقان المصلوبين؟ وإذا كان السيد المسيح قد مات فعلًا على الصليب فكيف نزف دمه عند طعنه بالحربة (يو 19: 34)؟

1- رؤساء الكهنة الذين حرضوا على سفك دم برئ، أزعجهم بقاء الأجساد على الصلبان مع دخول يوم السبت عليهم، فسألوا بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا من على الصلبان، وأذن لهم بيلاطس بهذا. والحقيقة إن كانت حجتهم الظاهرية: " لِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا" (يو 19: 31) فالحقيقة أنهم فعلوا ذلك ليتحاشوا تعرضهم للوم من قِبَل الشعب اليهودي، فطالما كانت الأجساد على الصليب فإن الضمائر تستيقظ وتشعر بالجريمة الشنعاء التي ارتكبوها بتحريض من رؤساء كهنتهم، إذ كيف يسفكون دماء " إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ الله وَجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو 24: 19). يقول "متى هنري": " اللوم الذين يعتقدون أنهم سيتعرضون له إذا ما تُركت الأجساد مُعلقة على الصليب في ذلك اليوم بالذات وأجسام الموتى لا يجب ألاَّ تُترك على هذا النحو في أي وقت كان. وقد كان هناك كثيرون من جميع الجهات مُتواجدين في أورشليم في ذلك الحين، وترك أجسام الموتى على هذا الشكل يُسبب لهم الأذى، بل وما كان بوسعهم أن يتحملوا منظر جسد المسيح وهو مُعلق على الصليب... لم تتعبهم ضمائرهم بصلب شخص برئ وكامل، ومع ذلك ساورتهم الوساوس ولم تسترح ضمائرهم في أن يتركوا جسدًا ميتًا مُعلقًا على الصليب" (444). آتى العسكر وكسروا سيقان اللصين، وأمَّا يسوع فوجدوه قد مات لذلك لم يكسروا ساقيه، تحقيقًا للنبؤات التي كُتبت، فقديمًا قال داود النبي: " يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ" (مز 34: 20) وقيل عن خروف الفصح " وَعَظْمًا لاَ تَكْسِرُوا مِنْهُ" (خر 12: 46) (راجع عدد 9: 12) والمسيح هو فصحنا الجديد: " لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1 كو 5: 7).

2- عندما آتى العسكر ليكسروا سيقان المصلوبين وجدوا يسوع قد مات فلم يكسروا ساقيه " لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبهُ بِحَرْبَةٍ وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ" (يو 19: 34):

من الناحية الطبية: تعرّض السيد المسيح لجلدات قاتلة وسقطات متوالية وهو حامل صليبه، وجراحات غائرة نافذة من المسامير، لذلك شعر بالظمأ الشديد، فنتيجة للجراحات التي أدمت جسده: " عَلَى ظَهْرِي حَرَثَ الْحُرَّاثُ. طَوَّلُوا أَتْلاَمَهُمْ" (مز 129: 3)... " مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ صِحَّةٌ بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالزَّيْتِ" (إش 1: 6)، قد نزف دمه بغزارة وتناقص بشدة كم الدم في الجسم، مما تسبب في:

أ- تسارع نبضات القلب، فالقلب يحاول ضخ الدم والدم لا يكفي، مما تسبب في إرتشاح بلوري، فتجمع الدم حول القلب وفي الرئتين، وصار مثل البالونة، ترسبت فيها كرات الدم الحمراء (الهيموجلوبين) وطفت البلازما، وعندما طعن الجندي السيد المسيح بالحربة بقوة اخترقت القلب والرئتين، فخرج من جنبه كل من الهيموجلوبين بمفرده، وسائل البلازما بمفرده، وهو ما عبر عنه الكتاب بالدم والماء.

ب- انخفاض ضغط الدم مما تسبب في انهيار قوة الإنسان، وهذا ما تعرَّض له السيد المسيح وهو حامل صليبه في طريقه للجلجثة.

جـ- إجهاد الكليتين اللتان حاولتا الحفاظ على السوائل في الجسم.

د- الشعور بالعطش الشديد نتيجة ما تعرَّض له الجسم من نزيف حاد، وهذا ما عبّر عنه السيد المسيح عندما قال: " أَنَا عَطْشَانُ" (يو 19: 28).

من الناحية الإيمانية: عندما رأى قائد المئة خروج الدم والماء من جنبه بعد أن فارق الحياة آمن: " بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بارًّا" (لو 23: 47)، وقال "العلامة أوريجانوس": " في كل الأجساد الميتة يتجمد الدم ولا يخرج منها ماء نقي. ولكن نجد في المسيح العجيبة في جسده، أنه وحتى بعد الموت كان في الجسد دم وماء، خرجا من جنبه" (445). ويقول "القديس أمبروسيوس": "بعد الموت يتجمد الماء في أجسادنا، ولكن من الجسد الذي لا يفسد، مع أنه ميت، نبعت منه حياة للكل، الماء والدم اللذان خرجا منه. الماء للاغتسال، والدم للفداء" (446).

لقد مات السيد المسيح بانفصال نفسه البشرية من جسده البشري، غير أن اللاهوت لم يُفارق لا روحه البشرية ولا جسده البشري، ولذلك اقتحمت روحه البشرية سجن الجحيم وحررت آدم وبنيه الذين ماتوا على الرجاء. والجسد المتحد باللاهوت لم يتعرّض للفساد. جاء في "القسمة السريانية": "هكذا بالحقيقة تألم كلمة اللَّه بالجسد وذُبح وأحنى رأسه على الصليب، وانفصلت نفسه عن جسده، أما لاهوته فلم ينفصل قط لا من نفسه ولا من جسده، وطُعن في جنبه بالحربة وجرى منه دم وماء غفرانًا لكل العالم، وتخضب منهما جسده ودمه... أنت هو المسيح إلهنا الذي طُعن في جنبه فوق الجلجثة بأورشليم لأجلنا".

من الناحية الروحية: الدم إشارة لسِر الإفخارستيا، والماء إشارة لسِر المعمودية، الشيئان اللذان بُنيت عليهما الكنيسة، وبدونهما لا توجد كنيسة. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم" في العظة (85): " ليس كأنه بدون سبب أو كأنها صدفة أن يخرج هذان من جنب المسيح، ولكن لأن الكنيسة تأسَّست بهذين معًا... حتى حينما نتقرب إلى الكأس المقدَّس الرهيب، تعلم أنك تشرب في الحقيقة من ذات الجنب المطعون"(447). ويقول "القديس كيرلس الكبير": " فخرج منه دم وماء، وهذان يُقدمهما لنا اللَّه في رمز ومثال لسر الإفخارستيا والمعمودية المقدَّسة، لأن المعمودية المقدَّسة هيَ من المسيح وقد أسَّسها المسيح، وقوة سر الإفخارستيا نبعت لنا من جسده المقدَّس"(448).

ثالثًا: كيف تجرأ يوسف الرامي الذي تتلمذ على يد يسوع خفية أن يطلب جسد يسوع من بيلاطس البنطي (يو 19: 38) ويكفنه ويدفنه في قبره...؟ يقول الإنجيل: " ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ" (يو 19: 38) كان يوسف هذا مشيرًا وعضوًا في مجمع السنهدريم، محبوبًا ومتعلمًا فلم يجرؤ أن يُخاطر بمنصبه ومكانته الاجتماعية ولا سيما: " لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ" (يو 9: 22)، لهذا آثر أن يكون لقاءاته بيسوع في الخفاء بعيدًا عن الأعين، مثله مثل " نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا" (يو 19: 39)، ولكن بعد أن لازما المصلوب في ساعاته الأخيرة هان عليهم كل شيء، بل هانت عليهما حياتهما. نيقوديموس مُعلن إسرائيل الذي تابع بكل جوارحه أحداث الصليب، فاستضاء ذهنه بنبؤات العهد القديم الناطقة ولا سيما في المزمور الثاني والعشرين، والأصحاح الثالث والخمسين من سفر إشعياء، فاستهان يوسف ونيقوديموس بطردهما من مجمع السنهدريم، ولم يترددا لحظة أن يلمسا جسد يسوع بعد موته، مما يجعلهما دنسين لمدة سبعة أيام بحكم الناموس الطقسي. وبتكفينهم لجسد يسوع أعلنا إيمانهما للعلن، ولا ننسى أن يوسف الرامي هو من جاء ذكره في نبوءة إشعياء النبي: " وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ" (إش 53: 9) فالغني هو يوسف الرامي الذي وهب يسوع قبره الخاص المنحوت في الصخر، والذي صار برَكة للأجيال، كشاهد صامت صامد ينبثق منه نور المسيح من عام إلى عام. كما أن الأطياب التي أحضرها نيقوديموس " مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا" (يو 19: 39) [أي نحو 34 كجم.] قد صارت أيضًا بركة للأجيال، إذ صارت خميرة يُصنع منها زيت الميرون، الذي يهب المعمَّد سِر تثبيت الروح القدس.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(444) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس، جـ1، الأناجيل الأربعة، ص776.

(445) أورده الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1227.

(446) المرجع السابق، ص1229.

(447) المرجع السابق، ص1228.

(448) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص483.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/755.html

تقصير الرابط:
tak.la/37zm7ca