سؤال 753: كيف: " أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ" (يو 19: 1) مع أنه شهد ببراءته (يو 18: 38؛ 19: 4، 6)؟ وهل يُعقل أن بيلاطس الوالي الروماني يخاف ويزداد خوفًا (يو 19: 8) من متهم بينه وبين الموت خطوة واحدة؟ وهل جاءت في بعض مخطوطات إنجيل يوحنا "ونحو الساعة الثالثة" (يو 19: 14)؟ فهل كان يسوع يُحاكم لدى بيلاطس "نحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" (يو 19: 14)، أم أنه صُلِب نحو الساعة السادسة (مت 27: 45؛ لو 23: 44)، أم أنه صُلِب في الساعة الثالثة (مر 15: 25)؟

ج: أولًا: كيف: " أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ" (يو 19: 1) مع أنه شهد ببراءته (يو 18: 38؛ 19: 4، 6)...؟ نعم شهد بيلاطس على براءة يسوع، وأعلن هذه الشهادة عدة مرات، سواء قبل الجلد أو بعده:
† " وَقَالَ لَهُمْ أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" (يو 18: 38).
† " هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً" (يو 19: 4).
† " خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً" (يو 19: 6).
فكيف يسلم بيلاطس يسوع للجلدات المُميتة ولم يحكم ببراءته:
1- أراد بيلاطس أن ينقذ يسوع من الذئاب المُتعطشة لدمائه، فتفتق ذهنه عن حيلة شيطانية، وهيَ أن يُفرط في إهانته وتعذيبه حتى يسترق قلوب الغوغاء، وتأخذهم الرحمة على ابن جلدتهم فيصفحون عنه.
2- لم يكن لأي والي الحق في معاقبة إنسان حر برئ قبل أن يُحاكمه أولًا ويحكم بادانته، أما بيلاطس فقد تعامل معه على أنه عبد، والعبد ليس له حق الدفاع عن نفسه، فأفرط في أذيته. يقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: "وكان الجلد يتم بطريقة وحشية لا رحمة فيها، وفي مظهر من العار والهوان لا يُماثله أي مظهر من مظاهر قسوة الإنسان على الإنسان. إذ كان الجلادون يبدأون تنفيذ هذه العقوبة بخلع ملابس المحكوم عليه حتى يغدو عاريًا، مجردينه بذلك من كرامته، بل من آدميته، على مشهد من الحاضرين جميعًا. ثم يربطون يديه بحبل أو سلسلة إلى أحد الأعمدة في وضع يكون فيه منكفئًا إلى الأمام، ثم يجيئون بسوط من الجلد الغليظ ذي أطراف عديدة معقودة على شظايا خشنة مسننة من الحديد، وينهالون به على جسمه العاري كله بضربات ساحقة مُتلاحقة، كل ضربة منها تشق الجلد واللحم وتنفذ حتى العظام فتمزق شرايين الدم الذي لا يلبث أن ينفجر منبثقًا متطايرًا متناثرًا في كل اتجاه وهم في ذلك يوالون الضربات في همجية ضارية على الجلد المُمزق واللحم المتهرئ والدم المُنهمر، غير مُبالين أين تقع ضرباتهم، ولو شقت الرأس، أو شرخت الوجه أو فقأت العين، وغير عابئين بما يصيب المسكين في أثناء ذلك من آلام لا توصف ولا يمكن احتمالها. وقد كان كثيرون بالفعل لا يحتملونها، فيموتون والسوط لا يزال يهوي على أجسادهم" (440).
يقول "الأب متى المسكين": " كانت خبرة بيلاطس واضحة، فلو كان لديه من الأدلة ما يكفي للحكم، لحكم. ولكن لم يكن أمامه أية أدلة يستند عليها، بل كان أمامه من الأدلة الدامغة على براءته، ما جعله يكاد يتوسل مُلتمسًا براءته. وقد أقدم على فعلة شنعاء بأن ظلمه ظلمًا قاسيًا وعنيفًا، ليُرضي ظلم رؤساء الكهنة القساة وعنفهم! ولسان حاله أنه: يهون جلده، حتى الدم، وتهون إهانته حتى التراب، أمام تبرئته من الصلب! ولكن هيهات... بيلاطس يحاول أن يوقظ روح الإنسانية في اليهود، ويدفعهم دفعًا إلى روح العدالة، بإعلانه الجهوري عن براءة من يتهمونه، براءة لا يشوبها الشك ولا "عِلَّةً وَاحِدَةً"!! ويستدر رحمتهم بمنظر المسيح الدامي والمُهان جدًا!"(441).
لقد كان لبيلاطس مع اليهود تاريخ سيئ ودموي، وقد اشتكوه من قبل للإمبراطور الذي آخذه على أفعاله الدموية، فهو يُدرك أن المشكلة القادمة سيترتب عليها إعفائه من منصبه، لذلك هدَّد اليهود بيلاطس إن لم يحكم على يسوع بالصلب فهو ليس مُحبًا لقيصر: " كانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ وَلكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ إِنْ أَطْلَقْتَ هذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ" (يو 19: 12)، و" مُحِبًّا لِقَيْصَرَ" تُعبر عن لقب شرفي كان يمنحه الإمبراطور الروماني لمن يقوم بخدمة جليلة للإمبراطور، وقولهم " فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ" أي أنك عدوًا للإمبراطور فأنت لست وفيًا لسيدك، بينما نحن نهتف " لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ" (يو 19: 15). وأمام هذا الضغط النفسي تخلى بيلاطس عن العدالة مُفضلًا الحرص على كرسيه، حتى لو صلب إنسان برئ: " فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ" (يو 19: 16)، وسقطت العدالة في نظر الوالي الروماني الذي طالما تعلَّم: "أقم العدل حتى لو سقطت السماء". يقول "الأب متى المسكين" مُعلقًا على موقف اليهود: " ولكن يا للحزن المرير، كان مجرد التهديد بهذه السياسة، إعلان الولاء لقيصر، معناه إعطاء اللَّه القفا دون الوجه فكان هذا السلوك المُشين من رئيس كهنة، بمثابة ترك عبادة اللَّه الحي والسجود للأوثان، وهكذا، وفي ساعة، انقلبوا من يهود مُتعصبين للناموس إلى رومان مُتعصبين لقيصر! وكانت هذه التهديدات الخطيرة قد لقنها قيافا لخدَّامه (الضباط) وكل الشعب، ليصرخوا بها صراخًا بلغ عنان السماء والأثير، وتردده الأيام إلى يوم الدين!" (442).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثانيًا: هل يُعقل أن الوالي الروماني يخاف ويزداد خوفه (يو 19: 8) من متهم بينه وبين الموت خطوة واحدة...؟ كان بيلاطس يؤمن بتعدد الآلهة وأنها تتجسد في شكل البشر أو الكائنات الأخرى، فعندما قال له اليهود: " لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ الله. فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفًا" (يو 19: 7-8) دخل الخوف قلبه من هذا الأسير، ولا سيما أنه مُنذ وقوفه أمامه واستجوابه، اندهش من شجاعته ورباطة جأشه فهو لا يخشى الموت ولا يرهب الوالي. أمَّا الآن فقد " ازْدَادَ خَوْفًا" ودخل دار الولاية وانفرد بيسوع يسأله بدهشة: "مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟" (يو 19: 9). هل أنت من السماء؟! وابن من من الآلهة؟! وخشى بيلاطس أن يحكم عليه بالموت فتحل عليه لعنة الآلهة، " وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا" (يو 19: 9)... عندما سأل رئيس الكهنة يسوع: " أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟ فَقَالَ يَسُوعُ أَنَا هُوَ" (مر 14: 61-62)، بينما لم يجب السيد المسيح بيلاطس عن تساؤله... لماذا؟ ربما لأن أفكار بيلاطس مشوشة بالفكر الوثني وتعدد وتجسد وتناسل الآلهة، فلن يُدرك بيلاطس بنوة الابن للآب، فهو صورة اللَّه الآب غير المنظور، وهو الواحد مع أبيه في الجوهر، لذلك فضَل يسوع الصمت. وعندما ازداد خوف بيلاطس من شخصية ابن اللَّه لجأ للتهديد ليحصل على إجابة تُشفي غليله، فلو قال له يسوع: "نعم أنا ابن اللَّه" لصدقه، " فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ" (يو 19: 10). والحقيقة أنه لو كان بيلاطس حرًَّا في قراره ويستطيع أن يستخدم سلطانه، لأطلق يسوع بدون أي تردد، لأنه متأكد من براءته. وهنا خرج يسوع عن صمته، لا ليدافع عن نفسه، ولا ليكشف عن هويته، إنما ليصحح ما أخطأ فيه بيلاطس: " أَجَابَ يَسُوعُ لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ" (يو 19: 11)، ففي الظاهر أن قدَر يسوع في يد بيلاطس، بينما الحقيقة أن قدَر بيلاطس في يد إلهنا يسوع، ولو لم يسمح أن يسلم نفسه وأن يقف ليُحاكم أمام بيلاطس، ما كان هناك أي كائن يقدر أن يمد يده عليه، وأكمل السيد المسيح قوله قائلًا: " لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يو 19: 11)... فمن هو الذي أسلمه...؟ أنه يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه مقابل ثلاثين من الفضة، وأيضًا هو مجلس السنهدريم مع قيافا الذي قاد موكب يسوع إلى بيلاطس، وكذلك الشعب اليهودي الذي صرخ: " دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" (مت 27: 25).
ثالثًا: هل جاءت في بعض مخطوطات إنجيل يوحنا " نحو الساعة الثالثة" (يو 19: 14)؟ جاءت هذه العبارة في أغلبية المخطوطات والترجمات " وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ"، فمثلًا في الترجمات العربية، ترجمة فاندايك، والبولسية: " وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" وفي ترجمة الحياة " نحو السادسة" وفي اليسوعية والكاثوليكية " والساعة تقارب الظهر"، وفي الترجمة العربية المشتركة " والوقت نحو الظهر"، وجاءت بنفس المعنى في أكثر من (80) ترجمة إنجليزية، بينما لم ترد عبارة "نحو الساعة الثالثة" إلا في ترجمة "CLV" The howr was about the third. وجاءت في جميع النسخ اليونانية بمعنى الساعة السادسة، وكذلك جميع المخطوطات قديمة وحديثة بما فيها السينائية والفاتيكانية والإسكندرية، فكل مخطوطات الخط الكبير أو الصغير، وكذلك جميع الترجمات القديمة أكدت نفس المعنى وهو نحو الساعة السادسة. يُضاف إلى هذا اقتباسات الآباء الأوائل. وأكد على هذه القراءة علماء النقد النصي مثل "بروس متزجو"، و"فيليب كالمفرت" (راجع د. غالي - موقع هوليبايبل - هل العدد الذي يقول: " وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" (يو 19: 14) محرَّف.
رابعًا: هل كان يسوع يُحاكم لدى بيلاطس " وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ" (يو 19: 14) أم أنه صُلِب نحو الساعة السادسة (مت 27: 45؛ لو 23: 44)، أم أنه صُلِب في الساعة الثالثة (مر 15: 25)...؟ قد سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س444، جـ 6 س533.
_____
(440) موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس جـ 5 - تفسير إنجيل القديس يوحنا، ص339، 340.
(441) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1175.
(442) المرجع السابق، ص1185، 1186.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/753.html
تقصير الرابط:
tak.la/yq8492f