St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

751- لماذا اختلفت قصة القبض على يسوع في الأناجيل، فمثلاً الذين جاءوا للقبض على يسوع سقطوا على وجوههم (يو 18: 4-8) بينما في إنجيل متى اتخذ اليهود يهوذا الخائن كدليل للقبض على يسوع (مت 26: 48-50)..؟ وإذا كان السيد المسيح قد جاء ليُصلب ويموت بإرادته، فما الداعي للحركات الاستعراضية، فيُرعب الجند والخدَّام فيسقطون على وجوههم (يو 18: 6)؟ وهل السيد المسيح اشترط على الجند لكي يُسلم نفسه لهم أن يطلقوا تلاميذه (يو 18: 8)، أم أن التلاميذ تركوه وهربوا (مت 26: 56، مر 14: 50)؟ وعندما قبض القائد والجنود والخدَّام على يسوع لماذا اقتادوه إلى حنان (يو 18: 12) عوضاً أن يذهبوا به إلى دار الولاية أو إلى رئيس الكهنة الفعلي قيافا؟

 

سؤال 751: لماذا اختلفت قصة القبض على يسوع في الأناجيل، فمثلًا الذين جاءوا للقبض على يسوع سقطوا على وجوههم (يو 18: 4-8) بينما في إنجيل متى اتخذ اليهود يهوذا الخائن كدليل للقبض على يسوع (مت 26: 48-50)...؟ وإذا كان السيد المسيح قد جاء ليُصلب ويموت بإرادته، فما الداعي للحركات الاستعراضية، فيُرعب الجند والخدَّام فيسقطون على وجوههم (يو 18: 6)؟ وهل السيد المسيح اشترط على الجند لكي يُسلم نفسه لهم أن يطلقوا تلاميذه (يو 18: 8)، أم أن التلاميذ تركوه وهربوا (مت 26: 56؛ مر 14: 50)؟ وعندما قبض القائد والجنود والخدَّام على يسوع لماذا اقتادوه إلى حنان (يو 18: 12) عوضًا أن يذهبوا به إلى دار الولاية أو إلى رئيس الكهنة الفعلي قيافا؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: لماذا اختلفت قصة القبض على يسوع في الأناجيل، فمثلًا الذين جاءوا للقبض على يسوع سقطوا على وجوههم (يو 18: 4-8) بينما في إنجيل متى اتخذ اليهود يهوذا الخائن كدليل للقبض على يسوع (مت 26: 48-50)...؟ قد سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س429. ونؤكد هنا القول أن الأناجيل تتكامل فيما بينها، وكأنك ترصد حدثًا واحدًا من خلال أربع كاميرات في مواقع مختلفة، كل منها تركز على جانب مُعين وزاوية مُعينة، وما نؤكده أيضًا أنه لا يوجد أدنى تناقض بينها على الإطلاق، فمثلًا لم تقل أحد الأناجيل أن التلميذ الذي خان سيده وأسلمه بقبلة هو يهوذا، وجاء في إنجيل آخر أن يهوذا ليس هو التلميذ الخائن وذَكر اسمًا آخرًا لأحد التلاميذ غير يهوذا وادعى أنه هو الذي أسلمه، هنا يكون التناقض، ولكن هذا لم يحدث. وإن كانت الأناجيل الإزائية تتوافق مع بعضها جدًا حتى أنها تستخدِم عادة نفس المفردات فإن انفراد إنجيل يوحنا بإضافات، فهذا يرجع إلى أن يوحنا الحبيب كتب إنجيله في نهاية القرن الأول الميلادي، حيث كانت الأناجيل الإزائية قد انتشرت في كافة ربوع العالم، واستقر في وجدان الكنيسة في كل مكان قصة الصلب كما روتها الأناجيل الإزائية بكل تفصيلاتها المريرة، ولذلك لم يرد القديس يوحنا أن يخوض فيما هو معروف ومستقر، إنما أضاف نظرة جديدة إذ صوَّر آلام المسيح بعظمتها وأمجادها، فلم يغوص في التعبيرات والتحقيرات والبشاعات والعذابات والانتهاكات التي تعرّض لها السيد المسيح، إنما ركز على قوته وعظمته وسقوط الجنود والخدم والغوغاء ورؤساء الكهنة على وجوههم أمامه، ووقوفه بشمم وإباء أمام بيلاطس الوالي، فجاءت قصة الصليب في إنجيل يوحنا ترجمة لقول الإنجيل: " لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يو 7: 39). يقول "آلان مرشدور": " خلافًا للأناجيل الإزائية (حيث سمعان القيرواني يساعد يسوع في حمل الصليب) لم يكن يسوع، في إنجيل يوحنا، بحاجة إلى أي عون للذهاب إلى مكان تنصيبه الملوكي. وحين أكد الإنجيلي (يوحنا) على أن يسوع هو سيد الأحداث، فلم يدع أحد يقود آلامه إلى ذروتها... وها هيَ الجلجثة تُعرَض بأبَّهة" (432).

1- من الأحداث التي حجبها يوحنا الحبيب في إنجيله والخاصة بأحداث الصلب: صلاة يسوع ودموعه وصراعه في البستان وقُبلة يهوذا الخائن، وهروب التلاميذ لحظة القبض عليه، وهروب الشاب عريانًا، ومحاكمة يسوع أمام مجمع السنهدريم، وتمثيلية قيافا الهزلية عندما سأله إذا كان هو ابن المبارك، وعندما أجاب بالإيجاب شق قيافا ثيابه قائلًا ما حاجتنا بعد إلى شهود. لقد جدّف، والتطاول على يسوع من قِبَل الخدم، وعندما أُقتيد إلى بيلاطس أرسله إلى هيرودس لمحاكمته باعتباره مواطنًا من الجليل، وصمته أمام هيرودس الذي استهزأ به وألبسوه رداءًا قرمزيًا وعودته إلى بيلاطس، ورسالة التحذير من زوجة بيلاطس لزوجها، وبيلاطس يغسل يديه مُعلنًا براءته من دم هذا البار، وبكاء بنات أورشليم عليه وهو في طريقه إلى الجلجثة، وتسخير سمعان القيرواني ليحمل صليبه، وتعييرات الشعب واللصين ثم اعتراف اللص اليمين بربوبيته، والحديث بينه وبين السيد المسيح والوعد بالفردوس، وصلاة يسوع: " يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" وصراخه: " إِلهِي إِلهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي"، وعند تسليم الروح انشق حجاب الهيكل والأرض تزلزلت والصخور تشقَّقت والقبور تفتّحت وقام بعض الراقدين، واعتراف قائد المئة بأنه بالحقيقة ابن اللَّه ...

2- من أحداث الصلب التي انفرد بها القديس يوحنا في إنجيله: مواجهة يسوع لمن جاءوا للقبض عليه وسؤالهم من تطلبون، وعندما أعلن عن ذاته " أَنَا هُوَ" أي "يهوه" رجعوا إلى الوراء وسقطوا على وجوههم، وعندما نهضوا أعاد السؤال عليهم، واشتراطه عليهم لكي يُسلّم نفسه لهم أن يدعوا التلاميذ يذهبون، وأطاعوا أمره، ومحاكمته أمام حنان رئيس الكهنة قبل محاكمته أمام قيافا، وبعض التفصيلات في محاكمته أمام بيلاطس، وانفراد بيلاطس معه وسؤاله عما إذا كان ملكًا، وإعلان براءته عدة مرات، وحلول لاسترضاء اليهود، ومساومتهم في محاولة لإنقاذه من الصلب، وقد وقف يسوع مُكللًا بإكليل الشوك وجسده يدمي من الجلدات محاولًا استعطاف اليهود عليه قائلًا: " هُوَذَا الإِنْسَانُ". وتمسُك بيلاطس بما كتبه بأنه " مَلِكُ الْيَهُودِ"، وطعن يسوع بالحربة، وما أحضره نيقوديموس من أطياب وحنوط لتكفين الجسد المقدَّس " نَحْوَ مِئَةِ مَنًا"، وركض بطرس ويوحنا تجاه القبر عندما علما أنه فارغ، وكيف رأى يوحنا الأكفان وآمن، وظهور السيد المسيح للمجدلية وحديثه معها، ومعجزة صيد السمك الكثير على بحيرة طبرية بعد القيامة، ولقاء المسيح مع بطرس وعتابه له... قصة الصليب في إنجيل يوحنا تُركز على محبة الآب للبشرية: "هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو 3: 16) ومحبة الابن: " إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى" (يو 13: 1)... " لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو 15: 13) فالصليب هو العمل الذي مجد به الابن اسم اللَّه الآب: " أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُه" (يو 17: 4)... الصليب هو ارتفاع: " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 3: 14)... " وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو 12: 32)... الصليب هو مجد: " قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 12: 23)... " أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا" (يو 17: 1).

لقد خرجوا عليه بمشاعل ومصابيح خشية أن يختبئ في أحد الكهوف، أو خلف أشجار الزيتون، أو ربما يفر ويهرب من بين أيديهم، فصدموا عندما وجدوه يواجههم. لم يحتمي بالهيكل ولم يتشبث بقرون المذبح، ولم يتخذ من تلاميذه ومُحبيه دروع بشرية، وعندما سقطوا أمامه لم يكتنز الفرصة ويستغل ربكتهم ليهرب، وقال لبيلاطس: " لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ" (يو 18: 37) حتى أن "واستكوت" وضع عنوانًا لقصة الصليب في الأصحاحين (يو 18-19) من إنجيل يوحنا: "الانتصار من خلال الموت".

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثانيًا: إذا كان السيد المسيح قد جاء ليُصلب ويموت بإرادته، فما الداعي للحركات الاستعراضية، فيُرعب الجند والخدَّام ليسقطوا على وجوههم (يو 18: 6)...؟ لم يكن أي حدث من أحداث الصلب فجائيًا أو مباغتًا للسيد المسيح، فكل شيء مكشوف أمامه، وقد سبق وأعلن عن آلامه وموته وقيامته (راجع مت 16: 21؛ 17: 22-23؛ مر 8: 31؛ 9: 31؛ لو 9: 22) وأجمل يوحنا الحبيب القول قائلًا: " فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ" (يو 18: 4)، ولذلك لم ينتظر حتى يأتي الجند والخدم ورؤساء الكهنة والغوغاء ليقبضوا عليه، إنما هو الذي خرج إليهم، حتى أن ظهوره أمامهم باغتهم وصدمهم وأربكهم، وعندما سألهم: " مَنْ تَطْلُبُونَ؟ أَجَابُوهُ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ. قَالَ لَهُمْ أَنَا هُوَ" (يو 18: 4-5) وحينئذ أظهر بصيصًا من مجده فلم يحتملوا: " فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" (يو 18: 6)... فإذا كان يسوع قد جاء ليفدي الإنسان ويموت فدية عن البشرية، فلماذا أرعب هذا الجمع وأسقطهم...؟ لقد فعل هذا بهدف أن ينقذ تلاميذه، فلا يقبضون عليهم معه ويقودونهم للصلب، ولم يكونوا قد أدوا رسالتهم في الكرازة والتبشير بعد. لقد كان يسوع حتى في لحظة القبض عليه هو سيد الموقف: " أَجَابَ يَسُوع قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ" (يو 18: 8). لم يتوسل إليهم أو يلتمس منهم أن يطلقوا تلاميذه، إنما بسلطان اشترط عليهم لكي يذهب معهم عليهم أن ينفذوا أمره، وإلاَّ فلن ينجحوا في تحقيق ما يرغبون فيه.

ويقول "الأب متى المسكين": "واضح هنا أيَّما وضوح، أن المسيح رفع الحجاب عن شخصه، فظهر بمجده إلى لحظة، فكان ذلك أشد مباغتة، تدافعوا على الأثر إلى الوراء، القائد والجند وفرق الحرس، وسقطوا على الأرض، وسيوفهم وعصيهم ومصابيحهم ومشاعلهم بأيديهم أمام المسيح، وهو واقف بقامته في جلال مُهيب. كان هذا هو صورة مصغرة لقول الكتاب: "عِنْدَمَا يَأْتِي الْعَدُوُّ كَنَهْرٍ فَنَفْخَةُ الرَّبِّ تَدْفَعُهُ" (إش 59: 19). وكانت هذه من المرات القليلة جدًا التي استخدم المسيح فيها سلطانه، وهدفه الوحيد من ذلك لا أن ينجو من أيديهم بل يُنجي تلاميذه، في سبيل أن يُتمم لهم مسعاهم... الآن علم القائد وأعضاء فرقته والحرس من هو الذي يطلبون القبض عليه، والآن أصبح من السهل على المسيح أن يطلب وكأنه على مستوى الأمر، أن يُطلق سراح تلاميذه... الآن يُملي المسيح بشروطه. لم يتوسل المسيح، بل كان يأمر، وذلك من موقع التفوق على القائد والجند، ولم يكن أمامهم إلاَّ قبول الشرط"(433). وجاء في "الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية": " إن إعلان يسوع "أَنَا هُوَ" هو بالتأكيد كلمة الألوهية... كانت هناك قوة معجزية للإعلان في عبارة "أَنَا هُوَ"... فإنه لم يكن هناك انفجار لنور بهي خرج من يسوع. كانت هناك فقط هذه العبارة غير العادية "أَنَا هُوَ". هذا هو إعلان اللَّه الأعظم عندما قال يسوع هذا الإعلان، حدث شيء ما واضح أن اللَّه ضرب الطرف الذي جاء للاعتقال بهذا الإعلان بصورة معجزية بالرغم من أنهم لم يفهموا. لقد صدمهم:

 

ثالثًا: هل السيد المسيح اشترط على الجند لكي يُسلم نفسه لهم أن يطلقوا تلاميذه (يو 18: 8)، أم أن التلاميذ تركوه وهربوا (مت 26: 56؛ مر 14: 50)...؟ لا يوجد أي تناقض بين القولين، لأن ما قاله القديس متى ومارمرقس بأن التلاميذ فروا وهربوا، لم ينفه يوحنا إذ أنه لم يقل أن التلاميذ قد ثبتوا معه لم يفروا ولم يهربوا. ومن الجانب الآخر ما قاله يوحنا الإنجيلي أن السيد المسيح اشترط على القائد والجند أن يدعوا هؤلاء يذهبون لكي يُسلّم نفسه لهم، لم ينفه القديس متى ولا مارمرقس الرسول... يمكننا تصوُّر كلا الأمرين معًا لتتضح الصورة أمامنا وكأننا نشاهد الحدث بأعيننا، فبينما كان السيد المسيح يتحدث مع القائد والجند ورؤساء الكهنة الذين نهضوا لوقتهم من سقطتهم وكبوتهم قائلًا: " قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ" (يو 18: 8). وبلا شك لم يكن هناك خيار ثالث لهؤلاء الغوغاء فانصاعوا لأمره وأذعنوا لشرطه، وفي هذه الأثناء وَلَّى التلاميذ الأدبار وهربوا وفروا بعد أن صدموا بالسيد المسيح يُسلم نفسه لهم بإرادته، وهو القوي الذي أعاد أُذن ملخس إلى مكانها. وترك الجنود التلاميذ لحال سبيلهم لم يتعقبوهم، باستثناء أن الشبان أمسكوا شابًا وهو مرقس الإنجيلي من أزاره فترك لهم الأزار وهرب وعمت الفوضى المكان. إذًا في هذا المشهد نجد يوحنا الإنجيلي يستكمل الصورة، ونرى كيف جرت الأحداث سريعة مُتعاقبة، من جانب السيد المسيح يشترط على الغوغاء لكي يُسلم نفسه أن يتركوا هؤلاء التلاميذ يذهبون، ومن جانب آخر توافق هذا الطلب مع رغبتهم فأطلقوا سيقانهم للريح وهربوا... فأين التناقض هنا؟!!

 

رابعًا: عندما قبض القائد والجنود والخدَّام على يسوع لماذا اقتادوه إلى حنان (يو 18: 12) عوضًا أن يذهبوا به إلى دار الولاية أو إلى رئيس الكهنة الفعلي قيافا...؟ مما يجدر الإشارة إليه أن التلمود ذكر أسرة حنان رئيس الكهنة وكيفية تسلسل وظيفة رئيس الكهنة بين أفراد هذه العائلة، وذكر أن هذه الأسرة دخيلة وليست من فلسطين، وقيل أن الملك هيرودس الكبير هو الذي استدعى حنان من الإسكندرية ليُعاونه على تنفيذ خططه، وأن حنان وأولاده وزوج ابنته قيافا الذين تولوا رئاسة الكهنوت كانوا بمثابة عصابة لها شكل ديني، وأن اللعنة قد كملت على حنان وأسرته (راجع الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا جـ 2 ص1025). وقد دعاه "يوسيفوس" المؤرخ اليهودي أنه: "حنان بن شيث" الذي تولى رئاسة الكهنوت خلال الفترة من (7-15م)، ثم عزله "فاليريوس جراتوس" الوالي السابق لبيلاطس البنطي. ثم تولى ابنه "لعازر" الرئاسة لمدة سنة، تبعه "قيافا" صهر حنان الذي تولى الرئاسة لمدة نحو عشرين عامًا من (16-36م)، ثم خلفه "يوناثان" ابن حنان لمدة سنة، وأعقبه "ثاوفيلس" (37-41م) ثم "متياس" (41-44م). وفي سنة 62م جاء حنان الصغير الذي استغل غياب الوالي الروماني وقتل يعقوب أخي الرب، وهو غير يعقوب بن زبدي أخو يوحنا الذي قتله هيرودس الملك مُبكرًا (أع 12: 1-2).

وكان من الطبيعي أن القائد الروماني يتجه بالأسير إلى دار الولاية ليُودَع في السجن لحين حلول الصباح، أو على أقل تقدير يتجه به إلى "قيافا" رئيس الكهنة الفعلي حينذاك، ولكن إذ هو مُطلع على الأمور ويعرف ما يدور في العلن وأيضًا خلف الكواليس، فلا يوجد أحد يشكّك في قوة سلطة حنان الذي لم يعد رئيسًا للكهنة، ولكنه جمع كل خيوط اللعبة في يده، لذلك إتجه إلى قصر حنان، ولا سيما أن قيافا يسكن في ذات المكان. وكأن القائد الروماني يعمل لحساب حنان وليس لحساب القانون الروماني، فسلّم يسوع إلى حنان وانصرف. وجدير بالذكر أيضًا أن بعض النُقَّاد شكَّكوا في حقيقة "قيافا" كشخصية تاريخية، مع أن التشكيك في تاريخية شخصية محورية مثل شخصية قيافا يقودنا للشك في بقية الشخصيات المعاصرة مثل هيرودس وبيلاطس وحنان. يقول "أستيفن م. ميلر": " في سنة 1990م اكتشف بعض العمال الإسرائليين صندوق دُفن في كهف في أورشليم لم يكن معروفًا من قبل، وكان منقوشًا على الصندوق الحجري اسم قيافا رئيس الكهنة الذي حاكم الرب يسوع. وقد عُثِر على هذا الصندوق مع أحد عشر صندوقًا أخرى. كان بإحداها قطعة نقدية ترجع إلى ما بعد الصلب بعشر سنوات، ويقول كثيرون من علماء الآثار أن هذا الكهف كان على الأرجح مدفن عائلة قيافا" (435).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(432) ترجمة الأب بيوس عفاص - سلسلة أبحاث كتابية/ 5 - الإنجيل بحسب القديس يوحنا، ص241.

(433) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1111، 1112.

(434) الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، جـ5 إنجيل يوحنا، ص329.

(435) أستيفن م. ميلر وروبرت ف. هوبر - تاريخ الكتاب المقدَّس، ص207.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/751.html

تقصير الرابط:
tak.la/r5m9hsr