سؤال 714: ما معنى أن التلاميذ عندما قبلوا السيد المسيح في السفينة " وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا" (يو 6: 21)؟ ولماذا لم يجب السيد المسيح على الجمع: " يَا مُعَلِّمُ مَتَى صِرْتَ هُنَا" (يو 6: 25)؟ وهل قوله " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ" (يو 6: 27) دعوة للبطالة؟ ومن هو الذي ختمه الآب (يو 6: 27)؟ وكيف يطلب الذين عاينوا معجزة إشباع الجموع أن يروا آية ليؤمنوا بيسوع المسيح (يو 6: 30-31)؟

ج: أولًا: ما معنى أن التلاميذ عندما قبلوا السيد المسيح في السفينة " وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا" (يو 6: 21)...؟ نزل التلاميذ إلى السفينة ليبحروا في بحيرة الجليل من الشط الشرقي للشط الغربي، ويبلغ عرض هذه البحيرة نحو (40) غلوة، والغلوة تساوي أستاديون أي نحو 200م، فعرض البحيرة كحد أقصى نحو 8 كم، وكان التلاميذ قد قطعوا المسافة نحو (25) أو (30) غلوة أي نحو 5-6 كم، وتبقى لهم نحو 2-3 كم، وفي الهزيع الرابع من الليل وفي هيجان البحر والعاصفة الشديدة وكانوا قد أمضوا نحو 8-10 ساعات في التجديف، وآتاهم يسوع ماشيًا على المياه، فأسكت كبرياء البحر، وهدأ الرياح والأمواج، وهدأ روع التلاميذ، فقبلوه في السفينة حيث حلَّ السلام والأمان، ومعنى قبلوه هنا أي أعلنوا إيمانهم به أنه يهوه: " الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ" (أي 9: 8)... " أَبْصَرَتْكَ الْمِيَاهُ يَا الله أَبْصَرَتْكَ الْمِيَاهُ فَفَزِعَتْ اِرْتَعَدَتْ أَيْضًا اللُّجَجُ... فِي الْبَحْرِ طَرِيقُكَ وَسُبُلُكَ فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ وَآثارُكَ لَمْ تُعْرَفْ" (مز 77: 16، 19) أعلنوا إيمانهم به، وتلهفوا على دخوله معهم إلى السفينة حتى لا يهيج البحر عليهم ثانية. ونحن نقف هنا أمام معجزة مركَّبة شملت ثلاث معجزات، الأولى مشي السيد المسيح على المياه، والثانية إسكات العاصفة وتهدئة البحر، والثالثة أن السفينة للوقت وصلت أو صارت للشط المنشود، وكأن يد علوية رفعتها من مكانها عدة كيلومترات، فوضعتها على الشاطئ الذاهبين إليه، ويوحنا الحبيب يذكر هذه الأمور المُدهشة في هدوء وبدون تهويل ولا مبالغة، فما دمنا أمام الإله الحقيقي المتجسد فالمعجزات تصبح سهلة وسلسلة ومقبولة.
ثانيًا: لماذا لم يجب السيد المسيح على الجمع: " يَا مُعَلِّمُ مَتَى صِرْتَ هُنَا" (يو 6: 25)؟ راقب الجمع تحركات السيد المسيح بعد إشباع الجموع، ولاحظوا: " أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سَفِينَةٌ أُخْرَى سِوَى وَاحِدَةٍ وَهِيَ تِلْكَ الَّتِي دَخَلَهَا تَلاَمِيذُهُ وَأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَدْخُلِ السَّفِينَةَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ بَلْ مَضَى تَلاَمِيذُهُ وَحْدَهُمْ" (يو 6: 22) فاعتقدت الجموع أن يسوع ما زال في الشط الشرقي لوحده لم يغادر المكان، فجاءوا في الغد يبحثون عنه شرق بحيرة طبرية ولم يجدوه، فبعد أن صرف السيد المسيح تلاميذه في السفينة حتى لا يتفاعلوا مع الجموع الهادرة التي تريد أن تختطفه وتجعله ملكًا، وبعد أن هدأ الجموع وصرفهم ذهب هو إلى الجبل منفردًا، وفي ظلام الليل كانت سفينة التلاميذ مُعذبة من الأمواج، فسار إليهم وجاء ماشيًا على المياه، فانتهر كبرياء البحر وأسكت العاصفة، وركب معهم السفينة وللوقت صارت السفينة على شط أرض الوصول. وفي الغد بينما الجموع تبحث عن يسوع في المكان الذي أشبع فيه الجموع دون جدوى، أشيع بين الجموع أنه لا بد أن يكون ذهب بطريقة أو بأخرى إلى كفرناحوم، وكانت هناك بعض السفن جاءت من طبرية فاستقلوها إلى كفرناحوم، وفوجئوا بوجوده مع تلاميذه فاندهشوا وتساءلوا: كيف وصل إلى هنا: " وَجَاءُوا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَجَدُوهُ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ قَالُوا لَهُ يَامُعَلِّمُ مَتَى صِرْتَ هُنَا" (يو 6: 24-25)، والقصد من سؤالهم: كيف أتيت إلى هنا ولم تكن هناك سفينة تقلك؟! كيف عبرت بحر طبرية حيث أشبعت الجموع، وصرفت التلاميذ إلى كفرناحوم، وصرفت الجموع، وصعدت للجبل لتُصلِّي، ولم يكن هناك سفينة أخرى لتنقلك إلى الضفة الغربية، ونحن بحثنا عنك شرق الأردن، ولم نجدك، وعندما عبرنا بحر الجليل وجئنا إلى هنا وجدناك، فكيف جئت إلى هنا؟!!
أمَّا يسوع فلم يجبهم على تساؤلهم، ولم يفصح لهم عن حقيقية مشيه على المياه، بل حدثهم عن دوافعهم الداخلية الخاطئة: " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة" (يو 6: 26-27). يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " لقد أجاب المسيح على أفكارهم، لا على كلامهم، فوبخهم على الجسدانية التي طُبع بها إعجابهم به، والأنانية التي دفعت تفتيشهم عليه. نعم رأوا معجزاته، لكنهم لم يروا فيها "آية" لأنفسهم، فكانت عيونهم شبيهة بعيون التماثيل المُتحجرة، مفتوحة لكنها لا ترى، فبدلًا من أن يروا "آية" في الخبز، رأوا خبزًا في الآية. ذلك لأنهم نظروا إلى الآية بعيون بطونهم لا بعيونهم الباطنية، فلم يروا فيها إلاَّ الأرغفة والسمك. أمَّا قدرة اللَّه، أمَّا حكمة اللَّه وعنايته، فهذه قد خُفيت عنهم بإرادتهم... وحضهم على أن يطلبوا القوت الحقيقي الدائم. أن كل طعام مادي لا محالة بائد وزائل في كيانه وفي تأثيره... وحضهم على أن يعملوا للطعام الباقي..." (174).
ثالثًا: هل قوله " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ" (يو 6: 27) دعوة للبطالة...؟ يوصي السيد المسيح أولئك المُنهمكين كل زمان حياتهم من أجل الطعام المادي قائلًا لهم: " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو 6: 27) وبالطبع هذه ليست دعوة للبطالة والتواكل، فمنذ أن خلق اللَّه الإنسان الأول آدم عهد له بالحفاظ على البيئة: " وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا" (تك 2: 15). وفي العهد الجديد كان بولس كاروز الأمم يعمل بيديه في صناعة الخيام (أع 18: 3) فكان يعول نفسه والخدام الذين معه (أع 20: 34) (راجع أيضًا أف 4: 28؛ 1 تس 4: 11) وقال بولس الرسول: " وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ" (كو 3: 23)، ورأي الكتاب واضح: " أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا" (2 تس 3: 10). أمَّا المقصود من قول السيد المسيح: " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" فهو عدم الانهماك بالطعام المادي والاهتمام بالطعام الروحي، فالطعام المادي لزمن غربتنا على الأرض وهو زمن قصير جدًا، بينما الطعام الروحي فهو لهذه الحياة وحياة الدهر الآتي.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
رابعًا: من هو الذي ختمه الآب (يو 6: 27)...؟ قال السيد المسيح: " اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإنسان لأَنَّ هذَا الله الآبُ قَدْ خَتَمَهُ" (يو 6: 27) فواضح أن هذا تعود إلى ابن الإنسان الذي يُعطي الطعام الباقي للحياة الأبدية، فابن الإنسان هو الذي يُعطينا جسده المقدَّس لنحيا به، والآب أرسل ابنه الوحيد الجنس من أجل خلاص جنس البشر، وصدَّق على إرساليته، شاهدًا له "هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (لو 9: 35) وعندما قال السيد المسيح: " خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي" (مت 26: 26) ينبغي أن نسمع له بحسب وصية الآب لنا. لقد صدَّق الآب على هذا القول، وكأنه ختم على هذه الوثيقة الإلهية، فلا رجعة فيها، مثلما نُمهر مستند رسمي بخاتم الدولة شهادة على مصداقيته، وقال السيد المسيح: " وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي" (يو 5: 37)... " فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللّـهِ" (يو 10: 36). يقول "دكتور وليم إدي": " يتخذ الناس الختم للتثبيت (1مل 21: 8؛ أس 3: 12؛ 8: 8). والمعنى أن اللَّه عيَّن المسيح منذ الأزل ليُعطي الحياة الأبدية (يو 10: 36) وشهد له إفادة للناس عند معموديته بصوت مسموع وآية ظاهرة ومعجزات أجراها على يده (يو 5: 36) فكانت تلك ختمًا لإثبات أن اللَّه عيَّنه"(175).
خامسًا: كيف يطلب الذين عاينوا معجزة إشباع الجموع أن يروا آية ليؤمنوا بيسوع المسيح (يو 6: 30-31)...؟ انشغلت هذه الجموع بالمعجزة أكثر من انشغالهم باللَّه، وشغلتهم العطية عن العاطي، والهبة عن الواهب: " فَقَالُوا لَهُ فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ مَاذَا تَعْمَلُ. آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا" (يو 6: 30-31). وكأن هؤلاء الجموع يطلبون من يسوع المسيح أن يُقدِّم لهم أوراق اعتمادًا ليؤمنوا به، متجاهلين المعجزات العظيمة التي صنعها أمام أعينهم من جهة الكم ومن جهة الكيف، فلم يصنع أي نبي قبله ما صنعه ابن اللَّه، كان: " وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ" (أع 10: 38)... " فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ" (مت 8: 16) (راجع مت 4: 23-24؛ 15: 30؛ مر 1: 32؛ لو 4: 40) وأي نبي صنع معجزات خلق غير ابن اللَّه المتجسد؟! هذا الشعب القاسي القلب الذي أكل بالأمس وشبع من خمس خبزات وسمكتين، رأى أن معجزة المن أعظم لأنها أطعمت نحو مليوني شخص واستمرت نحو أربعين عامًا: " وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَنًّا لِلأَكْلِ وَبُرَّ السَّمَاءِ أَعْطَاهُمْ... أَكَلَ الإنسان خُبْزَ الْمَلاَئِكَةِ. أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَادًا لِلشِّبَعِ" (مز 78: 24-25). كان المن يتساقط ككرات صغيرة حلوة يلتقطها بنو إسرائيل مُبكرًا، لأنها مع حرارة الظهيرة تتبدد وتتشتت وتنتهي، واعتقد اليهود أن معجزة سقوط المن ستتكرر في العصر المسياني، وكما أنزل موسى المن هكذا ينزل المسيا المن، وتجاهلوا تمامًا عنصر مدى الاحتياج للمعجزة، فعندما أمطر اللَّه عليهم المن فذلك للضرورة الشديدة إذ كانوا في الصحراء ويحتاجون للطعام، لكن الآن بعد أن استوطنوا أرض الموعد والأرض أنتجت لهم محاصيلًا وأثمارًا، ما هيَ الضرورة لنزول المن ثانية؟!!
وهكذا طمعت هذه الجموع أن ترى آية "مِنَ السَّمَاءِ" مثلما أوقف يشوع الشمس حتى انتصر على ملوك الأموريين الخمسة (يش 10: 13) أو مثلما أحدر إيليا نارًا من السماء أكلت الذبيحة تارة (1 مل 18: 38)، وأكلت الخمسين جندي ورئيسهم مرتين (2 مل 1: 9-12). أمَّا السيد المسيح فقد أوضح لهم عدة حقائق:
1- إن الذي أعطاهم المن هو اللَّه وليس موسى: " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ" (يو 6: 32). يقول "القديس كيرلس الكبير": " والآن أيضًا يقول لهم المُخلص أنهم لا يفهمون... لأنه كان حري بهم أن يعلموا في جلاء تام أن موسى كان يخدم أمور اللَّه للشعب، وأيضًا كان يخدم أمور بني إسرائيل تجاه اللَّه، وأنه لم يكن هو نفسه بصانع عجائب، بل بالحري خادم وفاعل في خدمة تلك الأمور ... يوضح لهم أن موسى كان خادمًا لهذا العمل المعجزي، وليس بالحري مُعطيه" (176).
2- كان المن لإطعام الجسد، والذين أكلوا المن ماتوا: " آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا" (يو 6: 49) فالمن لم يكن سوى ظلًا ورمزًا للخبز الحقيقي النازل من السماء، أي جسده المقدَّس: " إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو 6: 51). يقول "القديس كيرلس الكبير": " لأنكم بغباوة شديدة تفترضون أن المن هو "الخبز الحقيقي من السماء"، رغم أن المن قد أطعم فقط جنس اليهود في البرية، بينما يمتلئ العالم بأمم أخرى لا حصر لها... لكن قد اقترب زمن الحق من أبوابنا، بقوله: " أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ" والذي كانت عطية المن ظلاله في القديم" (177).
ويقول "الأب لويس برسوم الفرنسيسكاني": " أوضح يسوع لليهود بأن المن الذي أعطاه موسى النبي لآبائهم في البرية، لم يكن الخبز السماوي الحقيقي، بل مجرد رمز له. وأنه تحت هذا الاعتبار فقط لُقَّب بالسماوي، لأن الخبز السماوي الحقيقي هو الذي ينزل من السماء، عرش اللَّه مباشرة، لا من الجو كالمن. وأن الآب وحده هو الذي يهب هذا الخبز الفريد، لا نبي من الأنبياء، وإن كان في مكانة موسى. أعلن بما لا يدع مجالًا للشك أنه هو بعينه ذلك الخبز "خُبْزَ الله هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ" (يو 6: 33). فقد قال لهم صراحة: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" أي الخبز المُنحدر حقيقة من عرش اللَّه، ومن حضن الآب الأزلي بالذات، ليهب لا الحياة المادية كالمن، بل الحياة الروحية الأبدية. وذلك لا لشعب معلوم كشعب اليهود، بل لكل شعوب الأرض قاطبة العالم بأسره" (178).
3- أنا أعطيكم جسدي الذي سأكسره يوم الخميس في سر الإفخارستيا، وأبذله يوم الجمعة على الصليب: " قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا" (يو 6: 35). " أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو 6: 51)... " مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ... مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو 6: 54، 56).
_____
(174) شرح بشارة يوحنا، ص223، 224.
(175) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص67.
(176) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص358، 359.
(177) المرجع السابق، ص359.
(178) تفسير الأناجيل المقدَّسة التي تُقرأ في أيام الآحاد والأعياد، جـ2، ص41.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/714.html
تقصير الرابط:
tak.la/z276vmj