سؤال 698: جاء نيقوديموس إلى يسوع ليلًا وبدأ حديثه بجملة خبرية، بينما يقول الإنجيل " أَجَابَ يَسُوعُ" (يو 3: 3)، فأين السؤال الذي أجاب عليه يسوع؟ ثم كيف يكلم نيقوديموس يسوع عن تعاليمه ومعجزاته (يو 3: 2) فيُجيبه يسوع عن الولادة من فوق (يو 3: 4)؟

ج: من المعروف أن يوحنا الحبيب عندما كتب إنجيله، مثله مثل بقية الأسفار، كان الإنجيل كله مُتصلًا بدون تقسيم إلى أصحاحات أو إلى أعداد، فقول يوحنا الرسول: " كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ" (يو 3: 1) يسبقة مباشرة " لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ" (يو 2: 25). لاحظ أن الحديث متصل، فالسيد المسيح يعرف ما في الإنسان، أي يعرف أفكاره ومشاعره، فكل شيء مكشوف أمامه، وبالتالي عندما جاء إنسان اسمه نيقوديموس كان يعرف أفكاره وأن ما يشغله هو طريق الخلاص، وهل الخلاص بتعاليم الناموس أم بتعاليم يسوع؟ ولهذا أجابه يسوع عن محور أفكاره وانشغالاته، موضحًا له الطريق لملكوت اللَّه: " أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّـهِ" (يو 3: 3). سواء كان الإنسان يهوديًا أو أُمميًا فلن يستطيع أن يدخل الملكوت، بل أنه لا يستطيع أن يُعاين الملكوت، مجرد نظرة للملكوت، إلاَّ إذا جاز بحر المعمودية، فالمعمودية هيَ شركة مع المسيح في موته وقيامته: " مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ الله الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (كو 2: 12). بالمعمودية ينال الإنسان مغفرة خطاياه، ويولد من فوق فيصير ابنًا للَّه، ويتأهل لسكنى الملكوت مع الملائكة الأطهار.
ونلاحظ أنه بمجرد أن أجاب يسوع على سؤال نيقوديموس الذي يشغل فكره ولم ينطق به، تجاوب نيقوديموس مع هذه الإجابة وسأل يسوع باندهاش: " كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ" (يو 3: 4). وعلى الفور: " أَجَابَ يَسُوعُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ الله. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ" (يو 3: 5-6). وبهذا أوضح له أنه لا يتحدث عن ولادة جسدية، إنما عن الولادة الروحية في المعمودية، فإن من يولد الولادة الجسدية فقط من بطن أُمه، فإنه يتعرض لنوعين من الموت، الموت الجسدي وأيضًا الموت الروحي أي الهلاك الأبدي. أمَّا الذي يولد مرتين الأولى من بطن أُمه ولادة جسدية، والثانية من جرن المعمودية ولادة روحية، فإنه لن يرى سوى الموت الجسدي فقط، لأنه ينجو من الهلاك الأبدي أي الموت الروحي. لقد جاء نيقوديموس يطلب معرفة جديدة يضيفها إلى معرفته القديمة لتكن موضع افتخاره، أمَّا السيد المسيح فإنه فتح عينيه نحو أهمية وخطورة الولادة الجديدة الفوقانية من الماء والروح، وليس عجيبًا أن نيقوديموس لم يفهم قصد المسيح، وراح يسأله وهو مندهش: " كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ...؟"، فإن المرأة السامرية أيضًا لم تُدرك قصد المسيح من الماء الحي، وكذلك التلاميذ لم يدركوا قصد المسيح عندما كلمهم تارة عن خمير الفريسيين، وتارة عن آلامه وصلبه وموته وقيامته: " وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا... وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ..." (لو 9: 45). وبعد حوار نيقوديموس مع السيد المسيح أدرك قصده، وربما تذكر قول يوحنا المعمدان عنه: " وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مر 1: 8).
يقول "الأب متى المسكين": "وهكذا وباختصار بالغ يقول ق. يوحنا: "أَجَابَ يَسُوعُ" فهو يُجيب على استفسار نيقوديموس كاشفًا أمام القارئ كيف أن المسيح عِلِم ما كان يجول في فكر هذا الفريسي، وكيف بحذق المعلم الإلهي يقود السائل، المُتخفى وراء الألفاظ المُنمقة إلى الحقيقة التي يسعى إليها، فنيقوديموس لم يرتقِ بتفكيره ولا إلى لحظة لكي يُدرك من هو المسيح الذي يتكلم معه على حقيقته، ولكن كان يدور ويلف عسى أن ينال منه معرفة تنفعه وليس إيمانًا يعيشه"(105).
ويقول "وليم ماكدونالد": " يبدو، أول وهلة، أن لا علاقة لرد يسوع بما قاله نيقوديموس لتوه، ففحوى كلام الرب له كان: { يا نيقوديموس أنت قصدتني لأجل التعلم، لكن حاجتك الفعلية هيَ أن تولد ثانية. فمن هنا يجب أن تبدأ. يلزمك أن تُولد من فوق، وإلاَّ، فلن تقدر أبدًا أن ترى ملكوت اللَّه }. كان نيقوديموس ينتظر مجيء المسيا الذي سيُحرّر إسرائيل من عبودية روما. فالعالم بأسره آنذاك كان تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية، كما أن اليهود كانوا خاضعين لقوانينها ولحكومتها... لكن الرب جاء الآن يعلم نيقوديموس أنه ينبغي للإنسان أن يُولد من فوق حتى يتسنى له دخول هذا الملكوت. وكما أن الولادة الأولى هيَ ضرورية للحياة الجسدية، هكذا أيضًا الولادة الثانية هيَ ضرورية للحياة الروحية. وبكلمة أخرى، لا يستطيع دخول ملكوت المسيح إلاَّ الذين تغيرت حياتهم. فبما أنه سيملك بالبر، لذا وجب على رعاياه أن يكونوا هم أيضًا أبرارًا، فهو لا يستطيع أن يملك على أناس ما يزالون يعيشون في خطاياهم" (106).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ومن الملاحظات الهامة في هذا اللقاء:
1- جاء نيقوديموس إلى يسوع ليلًا ليخلو معه بعيدًا عن زحام الجموع. جاء ليلًا يبحث عن النهار. وربما جاء ليلًا لأنه يخشى أن يتعرض للملآمة، إذ كيف هو الفريسي المُتعلم، بل أنه مُعلِّم إسرائيل، ورئيس اليهود، وعضو مجمع السنهدريم، ويسعى نحو إلتماس المعرفة من يسوع مُعترفًا به أنه المُعلِّم، ويتخذ هذا الشيخ دور التلميذ. ذلك في وقت لا يطيق فيه الفريسيون يسوع الذي كشف ريائهم وسحب البساط من تحت أقدامهم، وهم يسعون إلى صلبه. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " يقول: "يا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ الله مُعَلِّمًا" فلماذا أتيت ليلًا في الخفاء إلى ذاك الذي يتكلم بأمور اللَّه، ذاك الذي آتى من اللَّه؟ لماذا لم تحاوره علانية؟ لم يقل له يسوع شيئًا من هذا، ولا انتهره، إذ يقول النبي: " قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ" (إش 42: 2-3؛ مت 12: 19-20). مرة يقول السيد المسيح نفسه: " لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو 12: 47)" (107).
2- أراد السيد المسيح أن يرتقي بنيقوديموس من التفكير المادي العقلي والمجاملات، وأن يُحلق به في الآفاق الروحية السامية، حيث الولادة من الماء والروح القدس، وأخذ بيد نيقوديموس الذي ظن أنها ولادة جسدية حسية مادية لحمية، فشرح له وجاوبه على ما يشغل تفكيره وهو الطريق للملكوت. كما صحح له نظرته عنه، فقد كان نيقوديموس يظن أن يسوع مجرد مُعلم أو نبي اللَّه يسانده ويعضده، فكشف له السيد المسيح:
أ- عن لاهوته الذي يملأ كل مكان: " وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو 3: 13).
ب- عن سر الفداء: " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 3: 14).
جـ- إنه ابن اللَّه الوحيد الذي لا نجاة بعيد عنه (يو 3: 16).
د- إنه مُخلِّص العالم الذي جاء لا ليدين العالم بل ليُخلِّص العالم (يو 3: 17) ولكن من يرفضه يُحكم عليه بالدينونة (يو 3: 18-19).
يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " الآن كل ما يقوله (السيد المسيح) هو هكذا: إن لم تولد من جديد (يا نيقوديموس) إن لم تشترك في الروح بجرن التجديد لا تستطيع أن يكون لك فكر سليم عني، لأن رأيك فيَّ جسدي لا روحي (تي 3: 5)... كلمة من جديد (أو من فوق) هنا يفهمها البعض بمعنى "من السماء" ويفهمها آخرون "من الأول". يقول المسيح: { إنه من المستحيل أن أحدًا ما لا يولد هكذا أن يرى ملكوت اللَّه }، هنا يشير إلى نفسه ويعلن أننا في حاجة إلى عيون أخرى بجانب العيون الطبيعية لنرى المسيح" (108).
ويقول "دكتور وليم إدي": " كان من عادة المسيح أن يُخاطب كل إنسان حسب استعداده إلى قبول تعليمه. مثال ذلك أمره للرئيس الغني المتكل على غناه أن يبيع ماله ويوزعه على الفقراء (لو 18: 22). وللجموع الطالبة الخبز بقوله: " أعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو 6: 27). وللمرأة السامرية التي أتت لتستقي ماءً بأن تستقي الماء الحي (يو 4: 10). ولهذا الفريسي المتكل لتبريره على أنه ابن إبراهيم بأن: "يولد من فوق" وخاطبه المسيح بهذا الكلام لكي ينفي أفكاره الزمنية في شأن ملكوت المسيح. فحقَّق له أن ملكه روحي لا زمني. وأن غايته لم تكن الانتصار على الرومانيين بل على الطبيعة البشرية الفاسدة ونجاة النفس من رق الشيطان لا اليهود من رق قيصر" (109).
3- بسبب أهمية هذا الحديث وخطورته استخدم السيد المسيح عبارة " الْحَقَّ الْحَقَّ" أكثر من مرة (يو 3: 3، 5، 11). لقد جرى الحديث مع "نيقوديموس" ومعنى اسمه "النقي الدم" رجلًا فريسيًا دارس الشريعة " مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ" (يو 3: 10) كقول السيد المسيح له، رئيس اليهود، أي "أرخون"، وكان رجلًا غنيًا، حتى قيل عنه أنه من أغنى أربعة رجال في أورشليم، وقال "بن جوريون" Gorion في الكتابات اليهودية أن نيقوديموس كان غنيًا جدًا حتى أنه يستطيع أن يُطعم جميع سكان أورشليم لمدة عشر سنوات (راجع القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا جـ 1 ص223). وإن كان هذا اللقاء الأول لنيقوديموس مع السيد المسيح، فقد كان له لقاء آخر تحت أقدام الصليب، حيث أحضر الأطياب وشارك يوسف الرامي في تكفين الجسد المقدَّس ودفنه بكرامة عظيمة (يو 19: 39-40) وتحقَّقت فيه نبوءة إشعياء النبي: " وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ" (إش 53: 9). كما ذكر القديس يوحنا دفاعه عن السيد المسيح أمام مجمع السنهدريم قائلًا: " أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَانًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلًا وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟" (يو 7: 51).
_____
(105) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ1، ص207.
(106) تفسير إنجيل يوحنا، ص396.
(107) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص224.
(108) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص228.
(109) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص26.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/698.html
تقصير الرابط:
tak.la/6sydmq5