St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 527- لماذا أرسل مجمع السنهدريم قومًا من الفريسيين والهيرودسيين للسيد المسيح ليسألوه عن الجزية، بالرغم من عدم اتفاق هؤلاء مع أولئك (مر 12: 13)؟ وهل وافق السيد المسيح على دفع الجزية لقيصر (مر 12: 17)؟ وما العلاقة بين سؤال الهيرودسيين عن الجزية (مر 12: 14 - 15) واصطياد السيد المسيح بكلمة (مر 12: 13)؟ وكيف أفشل يسوع أحبولتهم وأبكمهم؟ وهل سؤال أحد الكتبة للسيد المسيح عن الوصية التي هيَ أول الكل (مر 12: 28) سؤالًا بريئًا أم أنه كان يخفي وراءه هدفًا خبيثًا؟ وهل ما جاء في (مر 12: 29) يُلغي عقيدة الثالوث في المسيحية وكذلك عقيدة ألوهية المسيح؟ وكيف علم السيد المسيح أن هذه الأرملة ألقت فلسين في الصندوق (مر 12: 42) مع أنها فعلت هذا سرًّا؟ وهل تصرف هذه الأرملة عندما تبرعت بكل معيشتها (مر 12: 44) ضد العقل والمنطق؟

 

س527: لماذا أرسل مجمع السنهدريم قومًا من الفريسيين والهيرودسيين للسيد المسيح ليسألوه عن الجزية، بالرغم من عدم اتفاق هؤلاء مع أولئك (مر 12: 13)؟ وهل وافق السيد المسيح على دفع الجزية لقيصر (مر 12: 17)؟ وما العلاقة بين سؤال الهيرودسيين عن الجزية (مر 12: 14 - 15) واصطياد السيد المسيح بكلمة (مر 12: 13)؟ وكيف أفشل يسوع أحبولتهم وأبكمهم؟ وهل سؤال أحد الكتبة للسيد المسيح عن الوصية التي هيَ أول الكل (مر 12: 28) سؤالًا بريئًا أم أنه كان يخفي وراءه هدفًا خبيثًا؟ وهل ما جاء في (مر 12: 29) يُلغي عقيدة الثالوث في المسيحية وكذلك عقيدة ألوهية المسيح؟ وكيف علم السيد المسيح أن هذه الأرملة ألقت فلسين في الصندوق (مر 12: 42) مع أنها فعلت هذا سرًّا؟ وهل تصرف هذه الأرملة عندما تبرعت بكل معيشتها (مر 12: 44) ضد العقل والمنطق؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- لماذا أرسل مجمع السنهدريم قومًا من الفريسيين والهيرودسيين للسيد المسيح ليسألوه عن الجزية، بالرغم من عدم اتفاق هؤلاء مع أولئك (مر 12: 13)؟ وهل وافق السيد المسيح على دفع الجزية لقيصر (مر 12: 17)؟.. سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد ج 5 س392، ونضيف الآتي:

أ - لم يكن الفريسيين والهيرودسيين على وفاق، لأن الفريسيين يرون أن دفع الجزية للمستعمر الروماني هو خيانة للوطن، كما أنها تقدم الدليل الواقعي على خضوعهم للنفوذ الروماني. وأيضًا أن بعض هذه الضرائب كانت تُصرف على المعابد الوثنية وحياة الترف التي يعيشها عظماء الرومان في روما، ولذلك فهم يدفعون الجزية عن اضطرار وليس عن اختيار، بينما يتعاون الهيرودسيون مع الرومان ويؤدون الجزية عن طيب خاطر على أساس أن الرومان يوفرون لهم الأمن والأمان. ويقول "جودسبيد": " لقد كان من أمجاد الدولة الرومانية أن نشرت السلام في عالم مضطرب، وتحت سيطرتها عاشت أسيا الصغرى والشرق في أمان واستقرار لم يعرفاه من قبل، وكان الفرد تحت ظلها يباشر عمله بيسر وسهولة، يجد لقمة العيش، يراسل أحباءه ويسافر بكل اطمئنان، والفضل للقوة الرومانية" (445). فمن الواجب الإنساني أن يوفي المواطن الدولة حقوقها.

وقصد مجمع السنهدريم أن يرسل هؤلاء وأولئك، حتى إذا أجاب السيد المسيح بالإيجاب في دفع الجزية يتصدى له الفريسيون ويتهمونه بالعمالة مع المستعمر الروماني. وإذا أجاب بالسلب تصدى الهيرودسيون ويشتكونه للحاكم الروماني على أنه مثير فتنة. والسيد المسيح علم أحبولتهم، فلم يجبهم بالإيجاب ولا بالسلب، بل وضعهم إلى طريق ينتهي بهم للاعتراف بالواقع الذي يعيشونه، إذ طلب منهم دينارًا، والدينار الروماني يحمل اسم الإمبراطور وصورته في وضع التأله، ولذلك كان اليهود يعتبرونه عملة دنسة، غير مسموح لهم بتقديمها للهيكل، ويقول "الأب متى المسكين": "وهذا الدينار المذكور في الإنجيل موجود الآن في المتاحف ومكتوب عليه.. "طيباريوس قيصر ابن أوغسطس قيصر الإلهي، أوغسطس"، وعلى الوجه الثاني صورة لأم قيصر وهيَ جالسة على العرش وحاملة في يدها اليمنى صولجانًا وفي اليسرى غصن زيتون. علمًا بأن الجزية هيَ على مستوى الدَين الرسمي على الفرد إن لم يؤده يحُسب مختلسًا لمال الدولة" (446). وعندما سألهم السيد المسيح: لمن هذه الصورة وقالوا لقيصر، قال لهم: " أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللَّـهِ ِللَّـهِ" فشعروا بالخجل وعاشوا الفشل أمام هذه لحكمة الإلهيَّة التي لم يستطيعوا أن يقاوموها أو يناقضوها. ويقول "جرهام سويفت": "والكلمة المستعملة في عدد (17) المترجمة "أَعْطُوا" هيَ "ردُّوا"، ويقول "بلامر" {فليست المسألة إعطاء ما يمكن رفضه قانونًا. بل هو دفع ما كان مطلوبًا قانونًا. فالجزية لم تكن هبة بل دَينًا. لقد أعطاهم قيصر ميزة لا تُقدر وهيَ حكومة مستقرة، فهل يأخذون هذه ويرفضون أن يدفعوا شيئًا في مقابل صيانتها} فواجبنا نحو الله لا يتعارض مع واجبنا نحو الحكومة، فنحن مدينون لكليهما. ومن الممكن حقًا أن نكون مسيحيين حقيقيين ومواطنين موالين في الوقت عينه. وهذا الجواب ذو جاذبية خاصة لقراء مرقس من الرومان إذ أنه يبرئ المسيحية من تهمة عدم الولاء للحكومة، ويمكننا أن نقارن هذا بتعاليم بولس الرسول في (رو 13: 1 - 7)" (447).

ب - في هذا الحوار لم يعترض السيد المسيح على إعطاء الجزية لقيصر، وهكذا عاشت الكنيسة. وجاء في "التفسير المسيحي القديم": " أن صلاة المسيحي من أجل سلامة الدولة لا تقوم على أية منفعة زمنية منها (يوستينوس الشهيد) ولذلك يواصل شعب الله في التضرُّع المُخلِص لسلام المجتمع (ترتليان).. كما يقول العلامة ترتليان: "من أجل سلامة الأباطرة نحن نصلي إلى الإله السرمدي، الإله الحق الحي، الذي يرغب إليه الأباطرة أنفسهم أن يكون محسنًا عليهم.. نصلي من القلب، وعلى الدوام نصلي لكل الأباطرة، لتكون حياتهم مديدة، وإمبراطوريتهم سليمة، وحكومتهم أمينة، ودفاعهم قويًا، ومجلس شيوخهم صادقًا، وشعبهم مستقيمًا، ودولتهم هادئة، وهذا ما يتمناه أي إمبراطور كرجل وكقيصر" (448).

 

2- ما العلاقة بين سؤال عن الجزية (مر 12: 14 - 15) واصطياد السيد المسيح بكلمة (مر 12: 13)؟ وكيف أفشل يسوع أحبولتهم وأبكمهم؟.. سبق الإجابة على هذين السؤالين، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد ج 5 س392. ونضيف هنا قول "الأب متى المسكين": " فالقصة تبدأ مرَّة واحدة بظهور جماعة من الفريسيين والهيرودسيين لإيقاع الرب في فخ أحكموه لاصطياده بكلمة. ويبدو أن جماعة السنهدريم المقهورين أرسلوهم للانتقام لخيبتهم.. وق. لوقا يعطي حواشٍ للقصة تبدو مناسبة إذ يقول هنا بعد مواجهة الكرم والكرَّامين:

† "فَرَاقَبُوهُ وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَ يَتَرَاءَوْنَ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ لِكَيْ يُمْسِكُوهُ بِكَلِمَةٍ حَتَّى يُسَلِّمُوهُ إِلَى حُكْمِ الْوَالِي وَسُلْطَانِهِ. فَسَأَلُوهُ" (لو 20: 20 - 21).

السؤال حول الجزية قدموه له بكلمات معسولة موضوعة بحكمة شيطانية، فتملَّقوه أولًا أنه صادق.. ثم الأخطر أنه لا يبالي بأحد.. وأنه يعلّم طريق الله بحق.. وبعد هذه الديباجة بهذا الإطراء والمديح أدخلوه في قلب الفخ فوضعوا له كلمتين لا غير: "نعطي أم لا نعطي؟" لكي يشجعوه على اختيار أحدهما، وكلاهما من جهنم، ولكن علم المسيح بضمائرهم وفخهم المنصوص وخطر الكلمتين!! (مر 12: 15 - 17) كشف المسيح رياءهم ونيَّاتهم وخبثهم وبدأ يخطط لوضع الخيَّة في رقابهم لينطقوا بأفواههم أنه يلزم أن تعطي لقيصر!!" (449).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

3- هل سؤال أحد الكتبة للسيد المسيح عن الوصية التي هيَ أول الكل (مر 12: 28) سؤالًا بريئًا أم أنه كان يخفي وراءه هدفًا خبيثًا؟.. سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد ج 5 س 394. ونضيف هنا قولنا أن الناموس حوى (613) وصية، أجملها مزمور (15) في (11) وصية، وأجملها إشعياء النبي تارة في (6) وصايا: " السَّالِكُ بِالْحَقِّ وَالْمُتَكَلِّمُ بِالاسْتِقَامَةِ الرَّاذِلُ مَكْسَبَ الْمَظَالِمِ، النَّافِضُ يَدَيْهِ مِنْ قَبْضِ الرَّشْوَةِ، الَّذِي يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ سَمْعِ الدِّمَاءِ وَيُغَمِّضُ عَيْنَيْهِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الشَّرِّ" (إش 33: 15)، وتارة أخرى إلى وصيتين: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ احْفَظُوا الْحَقَّ وَأَجْرُوا الْعَدْلَ" (إش 56: 1)، وأجملها ميخا النبي في (3) وصايا: " قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ" (مي 6: 8) وأجملها حبقوق في وصية واحدة وهيَ: " وَالْبَارُّ بِإِيمَانِهِ يَحْيَا" (حب 2: 4). ومع ذلك ظل الخلاف قائمًا بين قادة اليهود عن الوصية العظمى والفضلى، كما رأينا، ولم يحسم هذا الجدل سوى الذي أعطى الوصايا، عندما قال بفمه الطاهر: " إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (مر 12: 29) وهذه الآية كانت هيَ أساس عقيدة التوحيد التي تمسك بها اليهود (تث 6: 4، 11: 13) وكان اليهودي يداوم على "صلاة شماع" وهيَ: اسمع يا إسرائيل.."، وبهذه الصلاة كانت تبدأ الخدمة في المجامع، كما كانت تُكتب وتوضع في حقائب جلدية كعصائب يربطها اليهودي على جبهته وعلى ذراعه، كما كانت توضع في صندوق صغير يُسمى "ميزوزا" يثبت على باب المنزل وعلى أبواب الحجرات (راجع وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - إنجيل مرقس ص 344).

وركزت الوصية على محبة الله من كل الكيان: " مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ" (مر 12: 30) فالقلب تعبير عن الحياة الطبيعية.. " وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَامًا وَسُرُورًا" (أع 14: 17)، والقلب مركز الأحساس والتفكير والفهم: " لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْب قَدْ غَلُظَ وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ " (مت 13: 15).. " بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ" (رو 1: 21)، والقلب مركز الإرادة، فقيل عن برنابا الرسول: " الَّذِي لَمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ الله فَرِحَ وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ" (أع 11: 23) (راجع رو 2: 5، 2بط 2: 14). والقلب مركز للعواطف والمشاعر والرغبات: " لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت 6: 21)، والقلب يمثل أعماق الإنسان: " طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ الله" (مت 5: 8)، ويمثل القلب الضميـر: " أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ إِنْ لَمْ تَلُمْنَا قُلُوبُنَا" (1يو 3: 21).

أما "النفس" فتعبر عن الحياة: " كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ" (مت 2: 20).. " بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ" (لو 21: 19)، والنفس تعبر عن الشخص: " فَأَرْسَلَ يُوسُفُ وَاسْتَدْعَى أَبَاهُ يَعْقُوبَ وَجَمِيعَ عَشِيرَتِهِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْسًا" (أع 7: 14).. " وَكُنَّا فِي السَّفِينَةِ جَمِيعُ الأَنْفُسِ مِئَتَيْنِ وَسِتَّةً وَسَبْعِينَ" (أع 27: 37). والنفس تعبر عن الروح: " وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا" (مت 10: 28).. (راجع 1بط 2: 11)، وتعبر النفس عن العاطفة الدينية والأخلاقية: " اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي.. فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ" (مت 11: 29).

ويقول "الأب ثيؤفلاكيتوس": " أنظر كيف يعدّد كل قوى النفس، إذ توجد القوة الحية في النفس التي شرحها بقوله: "مِنْ كُلِّ نَفْسِ"، لهذه القوة ينسب الغضب والرغبة هذه التي يجب تسليمها للحب الإلهي. كما توجد قوى أخرى تُسمى "القوة الطبيعية" ولها يُنسب النمو والانتعاش، والتي يجب أيضًا تسليمها للَّـه إذ قيل "مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ" وأيضًا قوة ثالثة هيَ العقلية والتي تُدعى "الفكر" التي يجب تسليمها أيضًا بالكامل" (450).

 

4- هل ما جاء في (مر 12: 29) يُلغي عقيدة الثالوث في المسيحية وكذلك عقيدة ألوهية المسيح؟.. أجاب السيد المسيح الكاتب الذي يسأل عن الوصية الأولى قائلًا: " إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (مر 12: 29) وطالما تكررت هذه الوصية في أسفار العهد القديم: " اِسْمَعْ يَاإِسْرَائِيلُ الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث 6: 4).. " أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ" (إش 42: 8).. وحدانية الله أمر مستقر وثابت في الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد، وإن كانت اليهودية حفظت الإيمان بوحدانية الله داخلها، فقد جاءت المسيحية ونشرت هذا الإيمان بوحدانية الله في العالم كله. وهنا يؤكد السيد المسيح على ذات المعنى والوقوف ضد أي مفهوم لتعدد الآلهة، والتثليث بعيد تمامًا عن فكرة تعدد الآلهة، لأن الله واحد لا أكثر ولا أقل، فقط عندما نتأمل في وحدانية الله نجدها وحدانية جامعة، فاللَّـه الواحد المالئ كل زمان ومكان، الأزلي الأبدي، خالق كل شيء، ومُدبر كل شيء، وقادر على كل شيء، وعالِم بكل شيء، الذي لا يتغير ولا يستحيل ترى فيه الأبوة والنبوة والانبثاق، الآب والابن والروح القدس. الكيان الإلهي، أو الجوهر الإلهي، أو الطبيعة الإلهيَّة، هو كيان عاقل وحي، ولا يمكن أن نتصور الله بلا كيان، أو بلا عقل أو بلا حياة، لذلك نقول أن وحدانية الله وحدانية جامعة. معنى أقنوم كما اُستخدمت قبل المسيحية هو ما يتميز عن غيره بدون انفصال، فكل أقنوم غير الآخر، وكل أقنوم هو الله. الآب هو كل اللاهوت مع خاصية الأبوة، والابن هو كل اللاهوت مع خاصية البنوة، والروح القدس هو كل اللاهوت مع خاصية الانبثاق. فالتثليث لا يتعارض مع الوحدانية (راجع كتابنا: أسئلة حول التثليث والتوحيد).

و"العلامة أوريجانوس" يخاطب الإنسان الموعوظ قائلًا: " لما قرَّرت المحافظة على وصية هذا التعليم الخلقي، رفضتَ كل الآلهة والأرباب الأخرى، وأعترفتَ بأن لا إله إلاَّ الله ولا رب إلاَّ الرب، فأنك قد أعلنت الحرب على كل الآلهة الأخرى بدون معاهدة. وعندما نصل إلى نعمة المعمودية، منكرين كل الآلهة والأرباب الأخرى، فأننا نعترف باللَّـه الواحد، الآب والابن والروح القدس" (سفر الخروج - الموعظة 8: 4)" (451).

وقول السيد المسيح: " اِسْمَعْ يَاإِسْرَائِيلُ الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" لا يتعارض مع ألوهية المسيح، لأن المسيح ليس إله آخر، إنما هو الله ذاته الذي تجسد من أجل خلاص البشرية، والسيد المسيح ليس إنسانًا تأله، إنما هو إله تأنس. أما أدلة ألوهية المسيح فهيَ كثيرة وعديدة، فله ذات الصفات الإلهية، فهو السرمدي، والمساوي للآب، وهو مالئ كل زمان ومكان، لا يتغيَّر، له القداسة الفائقة، والقدرة الكلية، والمعرفة الكاملة. والسيد المسيح له الألقاب الإلهية فهو الله، وابن الله، وكلمة الله، والرب، وعمانوئيل، وملك الملوك ورب الأرباب، والطريق والحق والحياة، ونور العالم، ونور الحياة، والقيامة والحياة. والسيد المسيح له الأعمال الإلهية فهو الخالق، وهو المُخلّص، وغافر الخطايا، وقابل الإكرام الإلهي، والديان (راجع كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح).

 

5- كيف علِمَ السيد المسيح أن هـذه الأرملة ألقت فلسين في الصندوق (مر 12: 42) مع أنها فعلت هذا سرًا؟.. بعد ساحة الأمم كان اليهـود يدخلون عـن طريق الباب "الجميل" إلى ساحة الهيكل الداخلية ساحة النساء، وفيها الخزانة التي تتكون من (13) صندوقًا لوضع العطايا، وهذه الصناديق كانت ضيقة عند الفم ومتسعة عند القاعدة فتأخذ شكل البوق، وكانت تسعة من هذه الصناديق توضع فيها العطايا التي تنص عليها الشريعة، وأربعة لوضع العطايا الاختيارية (راجع د. موريس تاوضروس - المدلولات اللاهوتية والروحية لكلمات الإنجيل بحسب القديس مرقس). وكان الذين يقدمون العطايا يعطونها للكاهن الذي يلقيها في الصناديق، فمن السهل رؤية ما يسلمه المتبرع للكاهن. وقد قدمت هذه الأرملة فلسين ويحدد القديس مرقس قيمتهما بربع، والربع يساوي 1/40 من الدينار (الموسوعة الكنسية - كنيسة مارمرقس مصر الجديـدة - جـ 1 بشارتي متى ومرقس ص402).

 

6- هل تصرف هذه الأرملة (مر 12: 44) ضد العقل والمنطق عندما تبرعت بكل معيشتها؟.. كانت هذه الأرملة الفقيرة في احتياج شديد لهذيـن الفلسين، والبعض يتساءل: هل من الحكمة أن يتبرع الإنسان بكل ما يملك ولا يؤمّن احتياجاته؟.. هذه درجة من درجات الإيمان، فقد آمنت هذه الأرملة الفقيرة بالقول الإلهي: " اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ الله وَبِرَّهُ وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت 6: 33) (راجع أيضًا مر 10: 29، 30). وجاء في "الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية": " العطاء الحقيقي هو العطاء المضحي. كلمة فقيرة (ptoches) تعني الفقر المدقع، لم تكن مجرد فقيرة، بل كانت معدمة في فقر عميق. كان ثوبها الفقير ومظهرها الرث يبين مصيبتها الشديدة. كانا هذان الفلسان هيَ كل ما لديها، ومع ذلك فقد قدمتها بالرغم من حاجتها الماسة.. كانت تعرف المبدأ العظيم أن الله سوف يهتم بمن يقدمون كل أنفسهم وكل ما عندهم له. كانت تعرف أنها إذا أرادت أن تضمن عناية الله، فيجب أن تعطي الكل للَّـه. إذا قدمت الكل فاللَّـه لا يبخل عليها بشيء، بل سوف يوفر لها كل ضروريات الحياة (مت 6: 33). لقد أخذت احتياجاتها وكل ما ينطوي عليه وأعطته للَّـه. لقد طلبت أن يسدّد الله احتياجاتها عن طريق تقديم كل ما كان لديها للَّـه" (452).

 ويؤكد "القديس يوحنا الذهبي الفم": أن الله لا ينظر إلى الكم بل إلى الكيف، فيقول: " لما ألقت الأرملة الفلسين في الخزانة لم يعطها الرب مكافأة تساوي فلسين فقط. لماذا كان ذلك؟ لأنه لم يُعِر اهتمامًا لكمية مالها، فقد أهتم بغنى عقلها. فأن أجريت حسابا لكمية مالها تجد أن فقرها عظيم. ولكن إن أخرجت نيتها إلى النور وجدت أن كنز سخائها يفوق الوصف" (في طبيعة الله غير المدركة 6: 12) (453).

كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم" أيضًا: " الغلبة لم تكن للمال، بل لحسن نيتها، فأنها نالت كل شيء، لأنها أظهرت قصدًا صالحًا. لذلك لا نقل أن الملكوت يُشترى بالمال. أنه لا يُشترى بالمال، بل بقصد يظهر نفسه عن طريق المـال. قد يتساءل أحدهم قائلًا: هل لا حاجة إلى المال؟ ليست هناك حاجة إلى المال. ولكن هناك حاجة للقصد الصالح. فإن كان عندك هذا، فأنك ستتمكن حتى من شراء السماء بفلسين، وبدون ذلك لا يستطيع المرء أن يحققه بعشرة آلاف وزنة من الذهب، والشيء نفسه يحققه الفلسان" (مواعظ حول الرسالة إلى أهل فيلبي)" (454).

ويقول "القديس أغسطينوس": " أي شيء يا أخوة أكثر قدرة من أنه ليس فقط زكا أشترى ملكوت السموات بنصف أمواله (لو 19: 8) وإنما اشترته الأرملة بفلسين، ليملك الاثنان نصيبًا مساويًا؟!. أي شيء أقدر من هذا إن ذات الملكوت الذي يتأهل له الغني بتقديم كأس ماء بارد (مت 10: 42)؟!. قليل هو مالها، لكن عظيم هو حبها" (455).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/527.html