St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 517- لماذا لم يُعلن السيد المسيح عن لاهوته إلاَّ في قرى قيصرية فيلبس (مر 8: 27)؟ وهل انتهر السيد المسيح تلاميذه (مر 8: 30) مثلما انتهر الشياطين (لو 4: 41) لأنه ليس هو المسيا ولا هو ابن الله؟ ولماذا رفض بطرس الرسول فكرة الصلب والفداء، حتى أنه انتهر معلمه (مر 8: 32)؟

 

س 517: لماذا لم يُعلن السيد المسيح عن لاهوته إلاَّ في قرى قيصرية فيلبس (مر 8: 27)؟ وهل انتهر السيد المسيح تلاميذه (مر 8: 30) مثلما انتهر الشياطين (لو 4: 41) لأنه ليس هو المسيا ولا هو ابن الله؟ ولماذا رفض بطرس الرسول فكرة الصلب والفداء، حتى أنه انتهر معلمه (مر 8: 32)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- لماذا لم يُعلن السيد المسيح عن لاهوته إلَّا في قرى قيصرية فيلبس (مر 8: 27)؟.. هناك عدة أسباب دعت السيد المسيح إلى اختيار هذا المكان الذي أعلن فيه لاهوته أمام التلاميذ:

(أ) أتاح السيد المسيح من قبل الفرصة كاملة للتلاميذ ليتعرفوا عليه من خلال تعاليمه الفريدة، حتى أنه قال لهم: " قيل لكم في القديم.. أما أنا فأقول لكم"، ومن خلال أعماله العجيبة ومعجزاته التي لا مثيل لها فقد أعلن سلطانه على كل شيء على المرض والموت والطبيعة، وعاشوا محبته وحنوه فكان يحتوي الشعب الذي كان كخراف لا راعٍ لها، فشفى مرضاهم وأشبع جوعاهم سواء من اليهود أو الأمم، وهنا نجده يقودهم إلى هذا المكان الهادئ ليُعلن لهم عن لاهوته، فالمنطقة مأهولة بالوثنيين الذين لا يعرفونه، ولكنهم سمعوا عنه، فوجودهم في هذا المكان الهادئ يستدعي التأمل والتفكير.

(ب) في هذا المكان انتشرت عبادات العديد من آلهة الأمم، فهوذا معبد "بانيون" الذي شيَّده اليونانيون للإله "بان" في أحد كهوف المدينة، وقد دُعيت المدينة باسمه "بانياس"، ومنذ نحو خمسين عامًا أقام هيرودس الكبير المعبد الرخامي الذي حوى تمثال الإمبراطور أوغسطس قيصر، وقد كان أهل المدينة يُؤلّهون الإمبراطور، وبالقرب من المكان الذي اجتمع فيه السيد المسيح مع تلاميذه كان هناك ما لا يقل عن أربعة عشر هيكلًا للأوثان، فجاء الإله الحقيقي ليُعلن أنه ليس إله غيره، فهو خالق الكل مُدبر الجميع.

(ج) في هذا المكان الهادئ لم يُعلن السيد المسيح عن لاهوته، ولكنه بالأكثر أتاح لهم الفرصة ليستدلوا عليه ويدركوا هويته، ففتح لهم بابًا بسؤاله لهم ليصلوا إلى حقيقة شخصيته الإلهيَّة، فبدأ بسؤالهم: " مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا" (مت 16: 13)، ثم سألهم " وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا" (مر 8: 29)، وأجاب بطرس الرسول بإرشاد إلهي إجابة صحيحة سديدة: " أَنْتَ الْمَسِيحُ" وبتعبير القديس متى: " أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله الْحَيِّ" (مت 16: 16)، فاستحق التطوّيب من فم سيده، فهذا موضوع كرازة الرسل فيما بعد، إعلان حقيقة ألوهية المسيح الذي جاء في سماه في ملء الزمان ليفتقد بني البشر، يفديهم من الموت، ويفتح أمامهم أبواب الملكوت.

(د) ولئلا يظن التلاميذ أن السيد المسيح قد جاء ليملك على هذه الأرض حسب الاعتقاد اليهودي السائد، بدأ يحدثهم عن الصليب، الأمر الذي رفضه بطرس بشدة، فكشف السيد له أن هذا الرفض رفض شيطاني قائلًا له: " اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا ِللَّـهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ" (مر 8: 33).. أنه لم يدرك مقاصد الله, وقال الرب يسوع لتلاميذه: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيلِ فَهُوَ يُخَلِّصُهَا" (مر 8: 34 - 35)..

ويقول "وليم باركلي" عن قيصرية فيلبس: "ومن بطن كهف على جانب التل الذي تقع عليه ينساب مجرى يُقال عنه أنه منبع نهر الأردن، وهناك أيضًا يظهر هيكل عظيم أبيض.. على اسم قيصر إمبراطور روما، وإله ذلك العالم في هذا المكان بعينه عرَّف بطرس أن هذا النجار الجليلي هو مسيح الله الآتي إلى العالم. نعم في هذا المكان الذي تربَّع فيه البعل أجيالًا طويلة معبودًا من الجميع. في هذا المكان الذي يتلألأ فيه معبد القيصر فعبده الناس كإله.. في هذا المكان الذي يحكي قصة المدنية اليونانية والقوة الرومانية.. وفيه يحكي الأردن تاريخ إسرائيل الطويل.. وفي هذا المكان أكتشف بطرس أن معلمه هو ابن الله القدوس، وهذا كله يُظهِر مدى سيطرة شخصية يسوع إذ فاقت كل تلك التيارات التي تحيط بهم ولم تظهر في نوره سوى ظلام وطلال" (372).

 

2- هل انتهر السيد المسيح تلاميذه (مر 8: 30) مثلما انتهر الشياطين (لو 4: 41) لأنه ليس هو المسيا ولا هو ابن الله؟.. عجبًا لإنسان ناقد فقد بصيرته حتى أنه يساوي بين حواري المسيح والشياطين !!.. يقول القديس لوقا: " وَكَانَتْ شَيَاطِينُ أَيْضًا تَخْرُجُ مِنْ كَثِيرِينَ وَهِيَ تَصْرُخُ وَتَقُولُ أَنْتَ (الْمَسِيحُ) ابْنُ الله. فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ" (لو 4: 41). لقد رفض السيد المسيح شهادة الشيطان، لأن إيمان الشيطان نظري وأعماله شريرة، وكان الشيطان متشكّكًا في هوية المسيح ولم تكن لديه المعرفة اليقينية، وما نطق به هنا ما هو إلَّا محاولة بائسة فاشلة لانتزاع اعتراف المسيح بأنه ابن الله، ولم يجب السيد المسيح على هؤلاء الشياطين لا بالإيجاب ولا بالسلب، ولا حتى بتحريك الرأس بالموائمة علامة الموافقة، ولا بعلامة الرفض، إنما: " فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ" وتارة أخرى صرخ شيطان: " آهِ. مَا لَنَا وَلَك يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا. أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوسُ الله. فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلًا اخْرَسْ وَاخْرُجْ مِنْهُ" (مر 1: 24، 25).

أما الموقف الذي حدث مع بطرس والتلاميذ فمختلف تمامًا، فعندما اعترف بطرس الرسول بمسيانية السيد المسيح: " وَقَالَ لَهُ أَنْتَ الْمَسِيحُ. فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ" (مر 8: 29 - 30) فالسيد المسيح قبل اعتراف بطرس كما هو واضح من إنجيل القديس متى، وطوَّبه على هذا الاعتراف الحسن: " فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا. إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا أَنْتَ بُطْرُسُ وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.." (مت 16: 17 - 20) ولا أظن أن الناقد يجهل هذا، ولكنه يتجاهله. أما قول مرقس الرسول " فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ" أي حذرهم بشدة من أن يتباهوا بهذا ويخبروا الناس فيلهبوا حماسهم وينصبونه ملكًا، وهو لم يأتِ ليملك على الأرض بل على القلوب، ولو سمع ذلك الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة لاعتبروه مجدفًا وأسرعوا بصلبه قبل أن يتم رسالته التعليمية، وقال القديس متى: "حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (مت 16: 20).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

ثم أن الذي نطق هو بطرس الرسول وحده، فلو كان قوله خاطئًا بحسب تفكير الناقد وأن السيد المسيح استنكر أنه هو المسيا أو أنه ابن الله، فكان من المفروض أن السيد المسيح ينتهر بطرس وحده، ولا ينتهر جميع التلاميذ على قول لم يقولوه!! (راجع أيضًا مدارس النقد - عهد جديد ج 4 س365). وهنا ملاحظة جديرة بالاهتمام أنه بعد أن اعترف بطرس بألوهية المسيح، كانت هذه الصفحة الأولى، التي أراد أن يكتبها مخلصنا الصالح على قلوب وفي أذهان التلاميذ، أعقبتها الصفحة التالية التي تحمل النبوات عن آلامه وصلبه وموته وقيامته: " وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ" (مر 8: 31) (راجع أيضًا مر 9: 12، 31، 10: 32 - 34). وكلمة " يَنْبَغِي" كلمة قوية تحمل معنى الإلزام والضرورة القصوى والحتمية التي لا مفر منها، فكان لا بد أن محبة الله لا تقف مكتوفة الأيدي تجاه البشرية التي تهلك، فكان لا بد أن تتدخل وتنقذ الإنسان من الموت والفساد وسم الخطية، حتى لو كان الثمن غاليًا جدًا، دم الابن الوحيد الجنس مسفوكًا على الصليب.

 

3- لماذا رفض بطرس الرسول فكرة الصلب والفداء، حتى أنه انتهر معلمه (مر 8: 32)؟.. عندما تحدث السيد المسيح عن آلامه وموته وقيامته بعد ثلاثة أيام صُدِم بطرس بهذه الأخبار المزعجة، حتى أن النصف الأول من الحقيقة عن آلام المعلم وموته طوته، فلم يلتفت للنصف الثاني من الحقيقة وهيَ قيامته بعد ثلاثة أيام، بل أن هذا النصف الثاني من الحقيقة غاب عن ذهن بطرس تمامًا، حتى عندما سمع النسوة يبشّرن بقيامته لم يكن الأمر سهلًا عليه ليقبله ويصدقه، حتى شاهد القبر الفارغ وفي المساء رأى السيد المسيح ماثلًا أمامه.. عندما سمع بطرس هذه الأخبار الصادمة من الفم الذي لا يعرف الكذب خرج عن شعوره تجاه سيده " فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ" (مر 8: 32)، وتعبير أخذه في اليونانية προσλαβομενος أي أمسك به وجذبه، وقال: " حَاشَاكَ يَا رَبُّ لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا" (مت 16: 22) أأعتر، أي لا يجب أن يحدث هذا أبدًا ولا يكون، وبالمعنى الدارج "لا سمح الله بهذا".

ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي": " لم يزجر بطرس سيده بانتهار شديد لكن بمحبة وطلب. وبالتفات المسيح إلى التلاميذ كأنه يقول لهم أنظروا ما يقول سمعان، فأنه يقول: ما لا يجب أن يقوله إنسان تقي، وقد سماه المسيح شيطانًا نصيحة له ولرفاقه التلاميذ، حتى لا يتجاسر أحد منهم على أن يصير مانعًا لما يريده الله، ويكون تابعًا لإرادة الشيطان" (373).

ويقول "متى هنري": "هنا أظهر بطرس محبة أكثر مما يظهر حكمة، أظهر غيرة من نحو المسيح وسلامته، لكن غيرته لم تكن حسب المعرفة.. "فَأَخَذَهُ" أو أمسكه، كأنه يريد أن يصده ويوقفه. أخذه بين ذراعيه وأحتضنه. وقع على عنقه كأنه لا يحتمل أن يسمع بأن يتحمل سيده العزيز تلك الآلام.

أو أخذه على ناحية وابتدأ ينتهره، هذه لا تنم عن أي سلطان لبطرس على المسيح، بل تنم عن المحبة الشديدة، لقد أعطى الرب يسوع المسيح لتلاميذه حرية معه، لكن بطرس هنا كانت له جرأة زائدة..

لكن المسيح صد اعتراضه (ع 33) "فَالْتَفَتَ" في حزن شديد "وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ" لكي يرى إن كان الباقون بنفس الرأي، ومتفقون مع بطرس في هذا.. "فَانْتَهَرَ بُطْرُسَ قَائِلًا اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ" لم يخطر ببال بطرس أن يسمع هذا التوبيخ القاسي من أجل نصيحته المملوءة شفقة، التي حاول بها أن يقنعه بالعدول عن تحمل الآلام. ولعله كان يتوقع أن يسمع ثناء من أجل محبته كما سمع منذ فترة وجيزة جدًا ثناء من أجل إيمانه" (374).

وقد رفض بطرس الرسول فكرة صلب السيد المسيح وموته:

(1) لأن بطرس كان يحب يسوع بشدة، فكيف يقبل أن يتألم، بل ويتألم كثيرًا، بل ويتألم حتى الموت، موت الصليب؟!!.

(2) كان الاعتقاد اليهودي أن الإنسان الصالح لا يتألم، إنما يُكافئ مثلما قال الله لإبراهيم: " وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك 12: 3). وقال المرنم: " اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمو" (مز 92: 12).

(3) اعترف بطرس بمسيانية يسوع معترفًا: " أَنْتَ الْمَسِيحُ"، وهو يعلم أن المسيا هو الذي سيخلص إسرائيل من قبضة الرومان القاسية ويؤسس ملكوت الله، فكيف يتألم ويموت ويضيع رجاء إسرائيل، ويضيع رجاء التلاميذ في المملكة؟!!. ويقول "القمص تادرس يعقوب": "يمكننا تلخيص الاعتقاد اليهودي بخصوص مجيء المسيا في النقاط الآتية:

أ - يسبق مجي المسيح حلول ضيقة شديدة على العالم.. أشبه بالمخاض الذي يحل بالمرأة عندما تلد طفلًا.

ب - وسط هذا الخراب.. يظهر إيليا النبي ليهيئ الطريق للمسيح.. حتى أن اليهود في احتفالهم للفصح كانوا يتركون كرسيًا خاليًا يسمونه "كرسي إيليا" إذ يتوقعون دخوله في أحد أعياد الفصح فجأة.

ج - يظهر المسيا نفسه، ليس مولودًا من بشر، لكنه يأتي رجلًا جبارًا يقدم من السماء في كمال الرجولة والنضوج ليخلص شعبه.

د - بمجيئه يهيج الملوك ضده ويقومون بثورة عليه، ويدبرون حربا ينهزمون فيها ويظهر فيها المسيح كأعظم غالب في البشرية يبيد أعدائه.

ه - إذ تُعلن غلبته على الأمم يقوم بتجديد أورشليم وتطهيرها، أو تنزل أورشليم جديدة بأعمدة جديدة، فيها يجتمع اليهود من كل العالم كسادة للبشرية.. ويعيش اليهود بفرح شديد، حتى أن موتاهم يقومون ليشاركوهم هذا الفرح الجديد.. هذا الفكر اليهودي لم يقبل مطلقًا سرّ الصليب ولا انفتاح باب الإيمان للأمم" (375).

(4) ترك التلاميذ كل شيء وتبعوا السيد المسيح، فأرتبط مصيرهم به، فإن كان هو سيصلب فلا بد أن هناك صليبًا ينتظر كل منهم، فقد كانت غاية بطرس أن يصل إلى المجد دون أن يعبر على الألم، يريد أمجاد القيامة بدون صليب الجلجثة "وكأن بطرس يُجرّب يسوع كما جرَّبه الشيطان على جبل التجربة، فقد كان يطلب لسيده المجد وأن يملك على قلوب البشر بدون ألم وبلا صليب. لقد وضع بطرس نفسه في موقف أنه يفهم ويدرك أكثر من معلمه.. وكأنه يقول له أن لا داعي للصلب والموت لخلاص العالم.. كان بطرس هنا يتكلم نيابة عن الشيطان، وبفكر الشيطان يقاوم فكرة خلاص الإنسان.. لم يكن فكر بطرس هنا متفقًا مع فكر الله، ولا اختياره متفقًا مع اختيار الله.. كانت أفكار بطرس واختياراته عالمية ومرضية للذات، وليست روحية ومرضية للَّـه. كان يستخدم الحجة البشرية، وليس حجة الله. كان موت ابن الله عن طريق إراقة دمه عن خطايا العالم أمرًا كريهًا بالنسبة لبطرس، ففي ذهنه كان هذا المفهوم لا يتناسب مع الله (376).

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي أن السيد المسيح عندما بدأ يتحدث عن أنه ينبغي أن يتألم: " وقد تحدث بهذا صراحة وبعبارات واضحة ومن غير أمثال ولا تشابيه كما كان يفعل من قبل، فصدمت هذه الحقيقة تلاميذه، ولم يستطع بطرس أن يقاوم انفعاله، فأخذ معلمه على حدة وراح يكلمه بعنف، مستنكرًا أن يحدث هذا لمعلمه، محاولًا أن يصده عن هذا الطريق المهين الذي قال أنه سيسلكه فغضب مخلصنا.. ثم زجر بطرس قائلًا: "أغرب عني يا شيطان، لأنك لا تفكر فيما للَّـه، بل فيما للناس"، أي أنه لم يفهم مقاصد الله وغاياته ولا يحسب لها حسابًا، كما أنه لا يفهم طبيعة ملكوت المسيح.. وقد نعته بالشيطان لأنه أراد أن يحول بينه وبين طريق الفداء.. فهو قد فعل ما سبق أن فعله الشيطان" (377).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/517.html