St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 501- لماذا انصرف يسوع مع تلاميذه إلى البحر (مر 3: 7)؟ وكيف يتعامل الإله المتجسّد مع الشياطين ويستعطفهم حتى أنه يوصيهم كثيرًا أن لا يظهروه (مر 3: 12)، وكيف يقول مرقس البشير أن السيد المسيح اختار اثني عشر ليكونوا معه (مر 3: 14) مع أنه سبق أن أختار بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا (مر 1: 16 - 20) وأيضًا لاوي (مر 2: 14)؟ ولماذا لم يختر السيد المسيح مجموعة متجانسة ليكونوا رسلًا (مر 3: 16 - 19)؟

 

س501: لماذا انصرف يسوع مع تلاميذه إلى البحر (مر 3: 7)؟ وكيف يتعامل الإله المتجسّد مع الشياطين ويستعطفهم حتى أنه يوصيهم كثيرًا أن لا يظهروه (مر 3: 12)، وكيف يقول مرقس البشير أن السيد المسيح اختار اثني عشر ليكونوا معه (مر 3: 14) مع أنه سبق أن أختار بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا (مر 1: 16 - 20) وأيضًا لاوي (مر 2: 14)؟ ولماذا لم يختر السيد المسيح مجموعة متجانسة ليكونوا رسلًا (مر 3: 16 - 19)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- لماذا انصرف يسوع مع تلاميذه إلى البحر (مر 3: 7)؟.. انصرف يسوع مع تلاميذه بعيدًا عن المجمع في مدينة كفرناحوم واتجه إلى بحر الجليل بسبب الازدحام الشديد الذي لاقاه في كفرناحوم بسبب المعجزات التي أجراها وأدهشت الجميع. وأيضًا لأن الفريسيين تشاوروا مع الهيرودسيين واتخذوا قرارهم " لِكَيْ يُهْلِكُوهُ" (مر 3: 6) بينما ساعة موته لم تكن قد جاءت بعد، ولذلك انصرف بعيدًا عنهم والكلمة اليونانية التي تُرجمت إلى انصرف هيَ كلمة تستخدم في حالات الخطر، وتعني "انسحب". وفي موقف آخر بينما كان يُعلم في الهيكل: " فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَمْ يُلْقِ أَحَـدٌ يَدًا عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ" (يو 7: 30)، ومنذ فجر حياته عندما أراد هيرودس الكبير أن يهلكه هرب مع العائلة المقدَّسة إلى أرض مصر لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، وعندما طلبت العذراء مريم أن يصنع شيئًا لمن ليس لهم خمر قال لها: " مَا لِي وَلَكِ يَاامْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ" (يو 2: 4) وفي نفس الوقت قد أرسى السيد المسيح للكنيسة مبدأ هامًا وهو الهرب من وجه الشر، وبينما الكنيسة تهرب من الشر فأنها تنمو وتزداد فعندما ترك السيد المسيح المجمع مبتعدًا عن هؤلاء الأشرار لم تتعطل خدمته بل أقبل إليه جمع كثير: " وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ أُورُشَلِيمَ وَمِنْ أَدُومِيَّةَ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وَالَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ جَمْعٌ كَثِيرٌ إِذْ سَمِعُوا كَمْ صَنَعَ أَتَوْا إِلَيْهِ" (مر 3: 7 - 8). ولاحظ تركيز مرقس البشير على عبارة " جَمْعٌ كَثِيرٌ" حتى أنه يكررهـا في آيتين متتاليتين (مر 3: 7 - 8) فأنها تشير إلى اتساع نطاق الخدمة: "لأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَفَى كَثِيرِينَ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِ لِيَلْمِسَهُ كُلُّ مَنْ فِيهِ دَاءٌ" (مر 3: 10)، فلمسة منه تُذهب البرص، وتوقف نزيف الحياة. لقد كان السيد المسيح كارزًا جماهيريًا، فهو جاء للمرضى وما أكثرهم: "إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضًا" (لو 12: 1). والهروب من وجه الشر هو ما فعلته الكنيسة الأولى في أورشليم عقب استشهاد أسطفانوس: " فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ" (أع 8: 4) فاتسع نطاق الخدمة (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ4 س337).

 

2- كيف يتعامل الإله المتجسّد مع الشياطين ويستعطفهم حتى أنه يوصيهم كثيرًا أن لا يظهروه (مر 3: 12)؟.. قال مرقس البشير أن الشياطين كانت تصرخ وتقول: " إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ الله. وَأَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ" (مر 3: 11 - 12) وغالبًا أن الشياطين لم تكن تقصد المعنى اللاهوتي كما نعرفه نحن الآن، إنما كانت تقصد المعنى المشاع لابن الله، مثلما كانوا يدعون الإمبراطور بأنه ابن الله، وأيضًا فرعون مصر معنى اسمه ابن الإله رع إله الشمس، كما أطلق العهد القديم لقب "ابن الله" على:

أ - الملائكة: "عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي الله" (أي 38: 7).. " جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ" (أي 1: 6).

ب - شعب إسرائيل: " إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ" (خر 4: 22).

جـ - سليمان الملك: " أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا" (2 صم 7: 14).

د - شعب الله: " رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ" (إش 1: 2).. " وَالآنَ يَارَبُّ أَنْـتَ أَبُونَا" (إش 64: 8).

هـ - اليتامى: " كُن أبًا لليَتامى وبمنزلةِ رجل لأمِّهم، فتكون كابن العليِّ، هو يحبك أكثر من أمِّك" (سي 4: 10 - 11).

والحقيقة أن الشيطان كان متشكّكًا في هوية وشخصية يسوع المسيح، وحاول جاهدًا أن ينتزع اعتراف يسوع بأنه ابن الله، لذلك أخذت الشياطين تصرخ وتصيح: " إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ الله"، والسيد المسيح لم يجبهم لا بالإيجاب ولا بالسلب، إنما " أَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ" والفعل المستخدم في الأصل اليوناني يحمل عدة معانٍ، فيقول "دكتور موريس تاوضروس": "من معاني الكلمة أيضًا: ينذر. يحذر. يزجر. يعنف. ينتهر. وفي الاستعمال الكلاسيكي كان معناها الرئيسي هو التعنيف بشدة على الأعمال غير الجديرة" (273). فالسيد المسيح هنا انتهر الشياطين التي "حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ" (مر 3: 11) وهذا واضح من الآيات المثيلة في الإنجيل، إذ كانت الشياطين ترتعب منه وتصرخ مثلما فعل مجنون كفرناحوم الذي صرخ: " آهِ مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا. أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوسُ الله. فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلًا: اخْرَسْ وَاخْرُجْ مِنْهُ" (مر 1: 24 - 25). وفي موقف آخر نجد السيد المسيح: " انْتَهَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ قَائِلًا لَهُ: أَيُّهَا الرُّوحُ الأَخْرَسُ الأَصَمُّ أَنَا آمُرُكَ اخْرُجْ مِنْهُ وَلاَ تَدْخُلْهُ أَيْضًا" (مر 9: 25).

ويقول "الأب متى المسكين": " تجبَّر الشيطان على الإنسان بقوته الفائقة.. فكانت الأرواح النجسة إذا دخلت إنسانًا تسوقه كما يسوق الإنسان البهيمة، ليسير إلى ما لا يريد أن يذهب ويعمل ما لا يريد أن يعمل ويقول بغير ما يشاء أن يقول، يضحك ويبكي بغير هواه لأنها ذات طبيعة متسلطة أقوى من طبيعة الإنسان. فالروح النجس إذا دخل إنسانًا يمتلك كل ملكاته، لذلك يُقال عن الذي به روح نجس أنه مسكون.. لكن المسيح هو الأقوى.. جاء الأقوى الذي يستطيع أن يربطه مرغمًا صارخًا منهزمًا ويسوقه حيث لا يشاء، إلى الظلمة والمصير المشئوم. فالأرواح النجسة عندما كانت تنظر إلى المسيح كانت ترتعب وتقع على الأرض وتصرخ معترفة لقوته وسلطانه "أَنْتَ ابْنُ الله".." (274).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

3- كيف يقول مرقس البشير أن السيد المسيح أختار الاثنى عشر رسولًا (مر 3: 16 - 19) بينما سبق أن اختار بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا (مر 1: 16 - 20)، وأيضًا لاوي (مر 2: 14)؟.. لم يقل مرقس الإنجيلي أن السيد المسيح أختار الاثنى عشر في وقت واحد، لأنه أختارهم في عدة أوقات، ثم أقامهم في وقت واحد ليرسلهم للكرازة: " ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا" (مر 3: 13 - 14)، فهؤلاء الرسل أولًا كانوا قد أستمعوا إلى كرازة السيد المسيح قبل أن يدعوهم، وكانوا يشتهون أن يكونوا معه، وثانيًا عندما دعاهم واحدًا فواحدًا وبعضهم اثنين اثنين لبوا الدعوة على الفور وتبعوه، وثالثًا أقامهم في وقت واحد رسلًا ليرسلهم ليكرزوا. ويوضح "الأب متى المسكين" منهج القديس مرقس في تسجيل هذا الجزء فيقول: "يهمنا هنا أن نوضح الفاصل بين (مر 1: 1 - 3: 6)، وما يأتي بعده (3: 7 - 6: 13).

أما الجزء الأول من الإنجيل وهو (1: 1 - 3: 6) فهو امتداد (1: 14، 15) الذي يقول فيه: "وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ الله.. إلخ".

أما الجزء الثاني مباشرة من الإنجيل وهو (3: 7 - 6: 13) بما فيه من اختيار الاثنى عشر فهو امتداد (1: 16 - 20) الذي يقول فيه: "وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ.. إلخ".

وبهذا يتضح أمامنا المنهج التنسيقي في ذهن ق. مرقس عند كتابة إنجيله، فهو كأنه وضع في الأصحاح الأول فهرسًا توضيحيًا لما سيجيء حتى أصحاح (6: 13)" (275).

وقد أراد مارمرقس أن يُلقي الضوء على السيد المسيح وهو يؤسس شعب الله الجديد، كنيسة الله الجامعة الرسولية، فهو يعيد تشكيل الأسباط الاثنى عشر عن طريق دعوة الرسل الاثنى عشر، أنه يشكّل إنسانية جديدة، شعب جديد يضم كل من اليهود والأمم، وقال السيد المسيح أنه في مجيئه الثاني سوف يُجلس هؤلاء الرسل على اثنى عشر كرسيًا يدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر، وفي وصف أورشليم السمائية تجد على أبوابها أسماء الأسباط " وَعَلَى الأَبْوَابِ اثْنَا عَشَرَ مَلاَكًا وَأَسْمَاءٌ مَكْتُوبَةٌ هِيَ أَسْمَاءُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ" (رؤ 21: 12)، وأساسات السور عليها أسماء رسل المسيح: " وَسُورُ الْمَدِينَةِ كَانَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَسَاسًا وَعَلَيْهَا أَسْمَاءُ رُسُلِ الْخَرُوفِ الاثْنَيْ عَشَرَ" (رؤ 21: 14).

 

4- لماذا لم يختر السيد المسيح مجموعة متجانسـة ليكونوا رسلًا (مر 3: 16 - 19)؟.. ربما النظرة السطحية للآباء الرسل ترى أنهم مجموعة غير متجانسة وغير متوافقة معًا، منهم صيادين غير مثقفين، ومنهم عشار باحث عن الثروة حتى لو كان هذا على حساب وطنه وقوميته، ومنهم الغيور الذي يستحل دماء الرومان ويدعو للكفاح المُسلح، مستعد أن يدفع حياته من أجل وطنه ودينه، آه لو جاءت الفرصة المؤاتية لسمعان الغيور هذا قبل دعوته والتقى مع متى العشار لقضى عليه، منهم بطرس المندفع الذي يعترف بالمسيح ربًا وإلهًا ومسيحًا تارة، وتارة أخرى يُنكر أنه يعرفه، منهم يعقوب ويوحنا ابني الرعد إذ لهمـا غير نارية (مر 9: 38، 10: 37، لو 9: 54)، منهم يهوذا الأسخريوطي الذي كان يومًا إنسانًا صالحًا، ومحبة المال جعلته يُسلّم معلمه وينتحر ويهلك بخطيته.. إلخ. هذه هيَ النظرة السطحية للرسل. ولكن نظرة أعمق نجد أن هناك أمور عظيمة قد جمعتهم ووحدتهم وأعطتهم وحدانية القلب الواحد، نذكر من هذه الأمور ما يلي:

أ - جميعهم من اليهود، يؤمنون بالإله الواحد، يدينون بنفس المعتقدات الدينية، يقدّسون كتابًا مقدَّسًا واحد، لهم تاريخ واحد، وآباء يفتخرون بهم، يتحدثون نفس اللغة الأرامية.

ب - جميعهم كانوا يحلمون بمجيء المسيا المخلص، وعندما رأوا يسوع وسمعوا تعاليمه وشاهدوا معجزاته توسموا فيه أنه هو المسيا مشتهى الأجيال، فأحبوه من كل قلوبهم وعندما دعاهم لبوا الدعوة على الفور سائرين نحو المجهول إذا لم يكن لسيدهم مقرًا فليس له أن يسند رأسه، ولم يكن له وظيفة، وليس من الأثرياء ولا من أصحاب الأملاك. يقول "وليم ماكدونلد": "عندما ندرس قصة الاثنى عشر، فأننا ندرس مغامرة أولئك الشبَّان، فنراهم يتبعون قائدهم إلى المجهول، غير عارفين بوضوح من هو، أو لماذا يفعلون ذلك، أو إلى أين يقودهم، لكنهم ينجذبون إليه تمامًا كالمغناطيس، يأخذهم ويمسكهم ويشدهم شيء لا يُقاوم في جوهره، يسخر الأصدقاء منهم، ويتآمر الأعداء ضدهم، يعيشون في شكوك أحيانًا تُزعج قلوبهم، حتى يكاد كل منهم يتمنى لو لم يكن مرتبطًا بهذا الأمر، لكنهم مع ذلك يلتصقون به خارجين من حطام آمالهم إلى ولاء أفضل، مكتسبين الاسم العظيم "جماعة الرسل المجيدة" ويجدر بنا أن نتأملهم لأننا قد نلتقط العدوى من روحهم ونمضي في آثار خطواتهم مع المسيح" (276).

جـ - جميعهم ارتضوا أن يكون لهم معلم وسيد واحد، وإذا كان الجنود في الجيش الذين يأتون من بيئات مختلفة ولهم ثقافات مختلفة ينصهرون معًا في بوتقة واحدة، وكل جندي يحارب بجوار زميله، وكل منهم مستعد أن يدفع حياته من أجل زملائه، فما بالك بتلاميذ المسيح الذين تبعوه بكل قلوبهم وتعاليمه السامية صقلت قلوبهم، ومعجزاته الباهرة أدهشتهم، بل أنهم أخذوا سلطانًا منه للعطاء بلا حدود، لشفاء الأمراض، وإخراج الشياطين.. لقد تآلفت قلوبهم معًا مثل أوتار في قيثارة تعزف أروع الألحان وأعذبها.

د - جميعهم كانوا في مرحلة الشباب، تدور أعمارهم في فلك الثلاثين أو أقل قليلًا أو أكثر قليلًا، أصغرهم ذاك الذي كان يسوع يحبه، يوحنا الحبيب، وأكبرهم بعد يهوذا الأسخريوطي بطرس الرسول، فبدأت المسيحية حركة شبابية تفيض بالحيوية وانضم لها الشاب الممتلئ غيرة نارية شاول الطرسوسي.. تصوَّر هؤلاء الرسل في عنفوان شبابهم وهم يسيرون، يتقدمهم الراعي الشاب الصالح، فوق تلال الصباح، فهوذا شمس البر تشرق والشفاء في رسلها. هذا الراعي الصالح الذي رسمت نبوّة داود النبي صورته قبل مجيئه بألف عام: " شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ" (مز 110: 3). ويقول "وليم ماكدونالد": " لم يستطع أحد أن يفهم كالمسيح قلب الشاب في مرحه وبسالته، في كرمه وأمله، في وحشته المفاجئة وأحلامه الملازمة له وصعوباته الخفية وتجاربه الشديدة. ولم يدرك أحد بوضوح كالمسيح أن سنى الشباب هيَ أفضل فرصة لتعامل الله مع النفس، عندما تنشط الأفكار الهاجعة، ويبدأ العالم ينكشف للعيان" (277).

هـ - جميع أسمائهم تحمل معاني رائعة:

(1) بطرس: ومعنى اسمه صخرة، وكان اسمه أولًا سمعان إشارة للاستماع.

(2) يعقوب: أي المتعقّب أو المجاهد المتعلم، وهناك اثنين باسم يعقوب وهما يعقوب ابن زبدي أخو يوحنا، ويعقوب ابن حلفى أخو يهوذا.

(3) يوحنا: أي الله حنان.

(4) أندراوس: أي رجلًا حقًا، واسمه يشير للقوة والبسالة إشارة لالتصاقه بالرب بشجاعة.

(5) فيلبس: أي فم المصباح إشارة إلى إشراقه بالنور.

(6) برثولماوس: أي ابن من يتعلق بالماء ربما إشارة لتمتعه بالولادة الجديدة من خلال مياه المعمودية، وهو نفسه نثنائيل.

(7) متى: أي هبة أو عطية، وكان اسمه قبل الاختيار لاوي.

(8) توما: أي الأعماق أو التوأم.

(9) تداوس: أي يحرس القلب أو الساهر بقلبه، ودُعي لباوس وهو يهوذا ابن حلفى.

(10) سمعان القانوني: وسمعان تشير للاستماع أو الطاعة، ولقبه القانوني أي الغيور.

(11) يهوذا: أي الحمد، وهو يهوذا الأسخريوطي.

حقًا أن جميع المسيحيين بلا استثناء مدينين لهذه المجموعة الرائعة مجموعة الرسل المجيدة، فهم الذين نشروا الإيمان المسيحي وقادوا حركة الكرازة، وقد انضم إليهم بولس الرسول، فشهدوا للمسيح بحياتهم ومعجزاتهم حتى النفس الأخير، ومهروا شهادة صدق إيمانهم بدمائهم، وما زالت شباكهم تصطاد النفوس من سطوة هذا العالم المضطرب لحساب ملكوت المسيح، ويقول "القديس أمبروسيوس": "اختارهم ليرسلهم فيزرعون الإيمان خلال الكرازة بمعونة الله لأجل خلاص البشر في كل المسكونة. تأمل حكمة الله فأنه لم يختر الحكماء ولا الأغنياء ولا النبلاء بل اختارهم من العشارين والخطاة حتى لا يظنوا أنهم بقوتهم جذبوا القلوب، وأيضًا كي لا يجتذبهم سحر السلطة والمال بل نصرة الحق" (278). والمُلفت للنظر ويُظهِر مدى نزاهة قلم مرقس البشير وأخوته، أنه بالرغم ما فعله يهوذا الأسخريوطي إذ خان سيده وسلَّمه للموت، لكن عندما يذكرون اختيار السيد المسيح للاثنى عشر لا يسقطون اسمه. ويقول "الأب متى المسكين": "ويتعجَّب جميع العلماء كيف صار يُذكر يهوذا الأسخريوطي هنا بين التلاميذ حتى بعد الخيانة دون كشف شخصيته، مما يُعطي لتاريخ إنجيل مرقس أصالة فائقة في أمانة النقل والتدوين والتقليد الإنجيلي" (279).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/501.html