St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 337- ما هو مغزى سؤال اليهود للسيد المسيح: "هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ" (مت 12: 10)؟ وهل اليهود هم الذين سألوه، أم أنه هو الذي سألهم (مر 3: 4، لو 6: 9)؟ ولماذا لم يطلب السيد المسيح من ذو اليد اليابسة الإيمان قبل أن يشفيه (مت 12: 13)؟ وهل خاف يسوع وهرب عندما تآمر الفريسيون ليقتلوه (مت 12: 14، 15) حتى أنه أوصى الذين شفاهم أن لا يظهروه؟

 

س337: ما هو مغزى سؤال اليهود للسيد المسيح: "هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ" (مت 12: 10)؟ وهل اليهود هم الذين سألوه، أم أنه هو الذي سألهم (مر 3: 4، لو 6: 9)؟ ولماذا لم يطلب السيد المسيح من ذو اليد اليابسة الإيمان قبل أن يشفيه (مت 12: 13)؟ وهل خاف يسوع وهرب عندما تآمر الفريسيون ليقتلوه (مت 12: 14، 15) حتى أنه أوصى الذين شفاهم أن لا يظهروه؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ حرم الربيون التدخل لعلاج مريض يوم السبت، إلاَّ إذا كانت حالته حرجة لا تسمح ببقائه على قيد الحياة لليوم التالي، وكان من الواضح أن هذا الرجل ذو اليد اليابسة حالته مستقرة تسمح ببقائه هكذا ليس يومًا فقط بل عدة أيام أو عدة شهور. وذكر مرقس الإنجيلي أن السيد المسيح طلب من ذو اليد اليابسة قائلًا: "قُمْ فِي الْوَسْطِ" (مر 3: 3) وذلك لكي يثير في القلوب الرحمة والشفقة، وذكر القديس لوقا أن " يَدُهُ الْيُمْنَى يَابِسَةٌ" (لو 6: 6) والجميع يعلمون مدى أهمية اليد اليمنى. ثم قال السيد المسيح: "أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ" (مت 12: 11)، وذكر مارمرقس أن السيد المسيح سألهم: "هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرّ. تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ. فَسَكَتُوا. فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ حَزِينًا عَلَـى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ" (مر 3: 4، 5).. إذًا هناك مغزى من سؤال الفريسيين (مت 12: 10) إذ أرادوا أن يمسكوا عليه شيئًا، فربما هم الذين دفعوا أمامه بهذا الرجل ذو اليد اليابسة، وترقبوا هل يشفيه في السبت، لكيما يجدوا حجة عليه أم لا. فقد كانت قلوبهم غليظة حتى أن السيد المسيح نظر إليهم بغضب حزينًا على غلاظة قلوبهم.

لقد تجاهلوا أحكام الشريعة التي أوصت: "إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ" (خر 23: 5).. " لاَ تَنْظُرْ حِمَارَ أَخِيكَ أَوْ ثَوْرَهُ وَاقِعًا فِي الطَّرِيقِ وَتَتَغَافَلُ عَنْهُ بَلْ تُقِيمُهُ مَعَهُ لاَ مَحَالَةَ" (تث 22: 4)، وجاءت هذه الوصايا في المُطلّق دون أن تستثني فعل ذلك يوم السبت. فالإنسان اليهودي إذا سقط خروفه في حفرة يوم السبت يسرع لإنقاذه، لأن الشريعة توصي بهذا، وأيضًا حتى لا تلحقه خسارة مادية نتيجة نفوق خروفه هذا، وجميع الطوائف اليهودية قبلت هذا ومارسته بإستثناء جماعة الأسينيين الذين كانوا يرفضون إنقاذ الحيوان متى سقط في حفرة يوم السبت، بل يتركونه للموت، وقال البعض أنه يمكن تقديم الماء له والطعام ويتم إنقاذه بعد انقضاء السبت.. فأي جمود هذا؟! وتارة أخرى قبل أن يشفي السيد المسيح رجل مستسق: كَلَّمَ النَّامُوسِيِّينَ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قِائِلًا هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السَّبْتِ. فَسَكَتُوا" (لو 14: 3، 4). ثم ما هو الخطأ الذي ارتكبه السيد المسيح حتى تشاوروا عليه ليهلكوه؟! هل قوله للرجل مدَّ يدك يستوجب كل هذا؟!! أليس جميعهم يمدُّون أيديهم في السبوت؟!! هل مد اليد يكسر وصية السبت؟!! أما الفريسيون فقد كان لهم منطقهم الغريب، حتى أنه بعد أن خلق السيد المسيح عينين للمولود أعمى: "قال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من اللَّه لأنه لا يحفظ السبت" (مت 9: 16). وبسبب مثل هذا التفكير غير المنطقي عندما هجم جنود أنطيوخس الرابع على المكابيين يوم سبت وهم محصنين في الجبال أعملوا فيهم السيف دون أي مقاومة، لأنهم فضلوا أن يذبحوا ولا يكسروا وصية السبت، وخشى متاتيا الكاهن من فنائهم في أيام السبوت فأصدر أوامره بأنه يحق لليهودي الدفاع عن نفسه متى هوجم من الأعداء في السبوت (1 مك 2: 31 - 38)، واستغل القائد الروماني "بومبي" أيام السبوت في الهجوم على أورشليم وكبد اليهود خسائر فادحة، ويحكي "يوسيفوس" المؤرخ اليهودي عن أحداث مثل هذه تكررت في تاريخ اليهود، فقد كان اليهود مهووسون بحفظ وصية السبت، وبالغوا في هذا إلى أقصى درجة، حتى أنه إذا أصيب أحد بجرح غائر في وجهه جاز له فقط وضع ضمادة على الجرح دون استخدام أية أدوية، وإلاَّ أعتبر هذا كسر لوصية السبت.

 

2ــ تتكامل الأناجيل فيما بينها، فبعضها يكمل البعض، وإذا وضعنا الروايات الثلاث التي سجلها الإنجيليون الثلاث متى ومرقس ولوقا متجاورة، تتضح لنا تفاصيل القصة، ففي البداية أراد اليهود أن يجدوا حجة لكي يشتكوا عليه: "فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ. لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ" (مت 12: 10)، فماذا كان رد السيد المسيح عليهم؟

أ - سألهم: "أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟" (مت 12: 11).. " هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ. تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟" (مر 3: 4) وهو ما جاء في إنجيل لوقا: "ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَسْأَلُكُمْ شَيْئًا: هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ. تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلاَكُهَا؟" (لو 6: 9).

ب - أجاب على تساؤلهم قائلًا: "فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ" (مت 12: 12).

وكما اعتدنا من القديس متى الاختصار لذلك ذكر السؤال الأول والإجابة فقط.

 

3ــ السيد المسيح: "قَالَ لِلإِنْسَانِ مُدَّ يَدَكَ. فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى" (مت 12: 13)، فقد شفاه دون أن يسأله عما إذا كان يؤمن أنه يقدر أن يشفيه. لم يطلب منه الإيمان لأنه يعلم مدى إيمانه، فهو فاحص القلوب والكُلى وهو العارف بإيمانه. كما أن دليل إيمانه واضح للعيان، إذ بمجرد أن قال له: "مُدَّ يَدَكَ " آمن وصدق ومدَّ يده وهو على يقين أن يده اليابسة التي لم تتحرك من قبل قادرة أن تتحرك الآن بعد أن شفاه المسيح بالكلمة دون أن يلمسه. لم يقل للرب يسوع: أشفي يدي أولًا حتى أستطيع أن أحركها، بل آمن وصدق ووثق وأيقن فعادت يده صحيحة وانتهت متاعبه ومعاناته خلال سنين هذه عددها، ومع هذا فإن القلوب الصخرية لم تلين ولم تتعجب ولم تُبهت بل إزدادت صخريتها، وبدأت تفكر في القضاء على الراعي الصالح.

 

4ــ من قال أن يسوع قد اضطرب أو خاف أو انزعج؟ إنه الأسد الخارج من سبط يهوذا.. انظر كيف طهَّر الهيكل إذ قلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وطرد الذين يبيعون ويشترون، وقد فعل هذا لوحده بسلطان، حتى أن الكهنة سألوه: بأي سلطان تفعل هذا؟! نظرة إلى تصديه للكتبة والفريسيين وصب الويلات عليهم تعرف من هو هذا؟ نظرة إلى ثبات جأشه في المحاكمات وحتى الصليب تعرف أنه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه، في شجاعة ورضى، عن الخراف.. جاء في رسالة بيلاطس البنطي إلى معلمه سينيكا المطوَّلة: ".. وكانت إجابات يسوع المقتضبة تفيد أنه يعلم أننا راغبون في إلصاق التهمة به، وكان يتكلم في جراءة بالغة ودون أدنى خوف أو اضطراب.. ورغم أنه كان يرى نفسه محاطًا بأعداء وقد أعدوا العدة لقتله، رغم هذا كان يقف جامدًا كالصخر لا يلين.." (881).

لقد انصرف السيد المسيح من المكان لأنه عرف بمؤامرتهم، وأنه لو بقى أمامهم فأنهم سيهيجون عليه الغوغاء والأوباش وهو لا يريد أن تتطوَّر الأمور إلى التصادم، لأن وقت الصدام لم يحن بعد، فما زال أمامه عملًا يجب أن يستكمله في الكرازة والتعليم، لهذا آثر الانصراف من المكان كما فعل وهو طفل صغير إذ هرب من هيرودس فترك بيت لحم وجاء إلى أرض مصر، فالسيد المسيح يعلمنا أن الاستهتار والاستخفاف بالمخاطر لا تُعد نوعًا من الشجاعة إلاَّ في وقت الشهادة. وأيضًا عندما انصرف تبعته الجموع فلم تتعطل خدمته، وفي حكمته أوصى الذين شفاهم أن لا يظهروه، حتى لا يزيد من مشاعر الغضب عند الفريسيين، كما أن السيد المسيح لم يصنع المعجزات للتفاخر والتباهي إنما الدافع لهذا هو تحنُّنه على هؤلاء المرضى الذين شوَّههم المرض، فقد خلق آدم صحيحًا معافى لا يعرف المرض والمرض لا يعرفه، إنما كل هذه الأمراض والعاهات والتشوهات لهيَ وليدة الخطية، وهو قد جاء إلينا ليحمل خطية العالم كله!!!

 ويقول "القمص تادرس يعقوب": "وقد دافع البابا أثناسيوس الرسولي عن هروبه من أمام وجه الأريوسيين، وجاء في قوانين القديس بطرس خاتم الشهداء لأنه لا يليق إثارة المقاومين حتى لا تلتهب نار الضيق، فيقول.. " لعلهم لم يعرفوا أن رب البيت ومعلمنا الأعظم كثيرا ما كان ينسحب بعيدًا عن الذين ألقوا له الشباك بل وأحيانًا لا يسير علانية بسببهم وفي وقت آلامه إنسحب، ولم يسلم نفسه لهم منتظرًا مجيئهم إليه بسيوف وعصي، قائلًا له: "كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي" (مت 26: 55)، وهم: أسلموه "إلى بيلاطس (مت 27: 2).. وما حدث معه تكرر مع تلاميذه المتمثلين به، متذكرين كلماته الإلهيَّة التي نطق بها ليثبتنا وقت الإضطهاد، قائلًا: "احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ لأَنَّهُمْ سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ" (مت 10: 17). يقول أنهم يسلموننا لا أن نسلم نحن أنفسنا. أنكم تُقدمون أمام ولاة وملوك من أجلي، لا أنتم الذين تقدمون أنفسكم، أنه يريدنا أن نعبر من موضع إلى موضع حيث يوجد المضطهدون وذلك من أجل اسمه..

قابل السيد المسيح ثورة الأشرار وطلبهم هلاكه بالانصراف من موضع الشر لا ليستكين وإنما ليقدم الحب للجميع خلال العمل بلا إنقطاع، يسكب عطفه وحنوه على كل أحد، عاملًا بوداعة، مهتمًا بكل نفس مهما كانت محطمة وأيا كانت جنسيتها" (882).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(881) ترجمة جاد المنفلوطي - رسائل من بيلاطس البنطي إلى سينيكا الفيلسوف الروماني ص106.

(882) تفسير إنجيل متى ص272.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/337.html