St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 489- هل الله يرسل ملاكه ليهيئ الطريق أمام نفسه (مر 1: 2) أم أمام غيره؟ وهل الله في حاجة لمعونة الملاك؟ وكيف يتكلَّم كل من إشعياء ومرقس عن إعداد طريق الرب في البرية "صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ" (إش 40: 3، مر 1: 3) مع أن البرية لا يسكنها إلاَّ وحوش الأرض؟ وهل معمودية يوحنا تغفر الخطايا (مر 1: 4)؟ وهل كانت لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟ وما هيَ علاقة الماء بالعبادة ومغفرة الخطايا؟

 

س489: هل الله يرسل ملاكه ليهيئ الطريق أمام نفسه (مر 1: 2) أم أمام غيره؟ وهل الله في حاجة لمعونة الملاك؟ وكيف يتكلَّم كل من إشعياء ومرقس عن إعداد طريق الرب في البرية "صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ" (إش 40: 3؛ مر 1: 3) مع أن البرية لا يسكنها إلاَّ وحوش الأرض؟ وهل معمودية يوحنا تغفر الخطايا (مر 1: 4)؟ وهل كانت لليهود فقط أم للأمم أيضًا؟ وما هيَ علاقة الماء بالعبادة ومغفرة الخطايا؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- هل الله يرسل ملاكه ليهيئ الطريق أمام نفسه (مر 1: 2) أم أمام غيره؟ وهل الله في حاجة لمعونة الملاك؟.. لا يحتاج الله لمعونة ملاك، ولا لرئيس ملائكة، ولا لجيش من الملائكة لأنه قادر على كل شيء، ولكن لأن الله صالح بطبيعته لذلك خلق الكائنات العاقلة لتنعم بالوجود معه، ولأن الله مُحب بطبيعته لذلك فهو يحب أن يشرك خلائقه معه في العمل، وهذا يُفسر لنا لماذا أرسل الله الأنبياء، مع أنه هو قادر على أن يقوم بالعمل كله بدون الأنبياء، فهو القادر على كل شيءـ ولكن الله يحب أن يَشرِك عبيده الأنبياء معه في العمل ويكافئهم على هذا العمل، ولذلك أقام الله أنبياء ورسلًا وكارزين وخدام.. إلخ. ومن محبته أعتبرهم ليسوا عبيدًا بل شركاء معه في العمل: " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِـنْ أَبِي" (يو 15: 15). وخدمة الملائكة واضحة منذ فجر البشرية، فعندما هربت هاجر من مذلة سيدتها سارة لها ظهر لها ملاك الرب وطمأنها (تك 16: 7 - 14)، وعندما طردها إبراهيم مع ابنها إسماعيل ونفذ منها الماء أنقذها ملاك الرب (تك 21: 17 - 19) وأنقذ الملاكان لوط وأسرته (تك 19: 15 - 17) ويعقوب الذي أمضى ليلة صعبة في الصحراء كانت الملائكة تحوطه (تك 28: 12).. إلخ. وفي ملء الزمان ظهرت خدمة الملائكة أكثر فأرسل الله رئيس الملائكة جبرائيل لزكريا الكاهن ثم لمريم العذراء، كما ظهر ملاك ليوسف النجار يطمئنه من جهة الحبَّل الإلهي، وعندما وُلِد المخلص أسرعت الملائكة لتبشر الرعاة، وملائكة أخرى تحيط بالمزود تسبح وليد المزود، وقال بولس الرسول عن الملائكة: " أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ" (عب 1: 14).

إذًا لا عجب أن يرسل الله يوحنا السابق الصابغ ليعد الطريق أمامه، وهذا ما أخبر عنه ملاخي النبي قبل أن يُولَد يوحنا بمئات السنين: "هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي" (ملا 3: 1). لقد كان شعب الله، بل العالم كله، في حاجة شديدة لشخصية مثل شخصية يوحنا المعمدان لتوقظ الإنسان، فقد ضرب الفساد شعب الله حتى امتد للهيكل فصيَّروه بيت تجارة ومغارة لصوص، أما روما سيدة العالم فقد وصفها الفيلسوف سينيكا أنها بؤرة فساد، وقال عنها جوفينال " أنها بركة قذرة كانت أوحال الشرق والغرب تصب فيها" (راجع وليم باركلي - تفسير العهد الجديد - إنجيل مرقس ص 23).

 

2- كيف يتكلَّم كل من إشعياء ومرقس عن إعداد طريق الرب فـي البرية (إش 40: 3، مر 1: 3) مع أن البرية لا يسكنها إلاَّ وحوش الأرض؟.. قال كل من إشعياء النبي ومرقس البشير: " صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ"، والمعنى الحرفي للبرية هنا المقصود "برية اليهودية" كقول متى الإنجيلي: " وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ" (مت 3: 1)، فبرية اليهودية القفرة كانت مكان سكنى يوحنا المعمدان ومنطقة خدمته وكرازته، وكان الناس يأتون إليه من كـل حدبٍ وصوبِ، ويقول "وليم باركلي": " فقد سكن في برية اليهودية التي تقع بين أورشليم مركز اليهودية والبحر الميت، وهيَ صحراء مروّعة إذ تعتبر من أقسى صحاري العالم، فالأحجار الجيرية التي تتوهج في حرارة الشمس فتؤذي الأرجل والأعين تملؤها، ومسطحها الغير مستوي الذي يرتفع فيصل إلى ارتفاع مرتفعات البحر الميت ثم ينخفض فجأة إلى مستوى البحر الميت الذي يُعد من أكثر أمكنة العالم انخفاضًا، يجعل منها مكانًا غير مريح بـل يجعله من أقسى الأمكنة وأشدها شظفًا، ولهذا سُمي في العهد القديم "حسمون" أي الخراب والدمار.. في هذا المكان المُوحش سكن يوحنا المعمدان بعيدًا عن قصور الملوك, وفيه أيضًا كان يسمع صوت الله" (211).

وبالرغم أن يوحنا المعمدان كان كاهن ابن كاهن إلَّا أنه لم يذهب ليخدم في الهيكل، بل جعل من البرية هيكلًا لخدمته التي قدمها لليهود والأمم على السواء. وأيضًا تشير البرية إلى برية هذا العالم التي كثيرًا ما يتوه فيها الإنسان بين الطرق الوعرة والمنحنيات الخطرة وتربص عدو الخير، فإن لم يكن الإنسان يقظًا حريصًا على حياته الروحية فأنه يتعرَّض للتيهان والضياع.

وقول كل من إشعياء النبي ومرقس البشير " صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ" يعكس صوت الأسد الذي يدوي في البرية، ولعل هذا هو السبب الذي جعل الكنيسة ترمز لإنجيل مرقس بالأسد، كما أن هناك قصة حدثت مع مرقس البشير عندما كان يسير في الصحراء مع أبيه أرسطوبولس، وهجم عليهما أسد ولبؤة فطلب أرسطوبولس من ابنه أن يهرب ويتركه للأسد، حتى لا يفترسهما معًا، أما مرقس الرسول فصلى لإله السماء فانشق كل من الأسد واللبؤة ونجى مرقس وأبيه. وأيضًا اتخذ أهل البندقية مرقس الرسول شفيعًا لمدينتهم، فهو الذي كرز لهم بالإيمان المسيحي، وفي ساحة المدينة أقاموا تمثالًا للأسد كناية عن مرقس البشير وإنجيله، وجاء في سفر الرؤيا: " وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ. وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ وَالْحَيَوَانُ الثَّانِي شِبْهُ عِجْل وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ" (رو 4: 6 - 7).

 

3- هل معمودية يوحنا كانت تغفر الخطايا؟ وهل كانت لليهود أم للأمم أيضًا؟.. قال مرقس البشير: " كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (مر 1: 4) فكل من كان يتقدم ليوحنا المعمدان ليعمده كان يقدم توبة عن خطاياه واعترافًا وإقرارًا بها: " وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مر 1: 5) (راجع أيضًا مت 3: 6)، فكان يعمدهم في المياه بالتغطيس كعلامة على قبول توبتهم، وبناءً على إيمانهم وتوبتهم فهم يستحقون المغفرة، والمغفرة تتم بناءً على سفك الدم: " وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب 9: 22) وبلا شك أن دم التيوس والعجول لا يُطهِر الإنسان: " لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا" (عب 10: 4) فالدم الوحيد الذي يغفر الخطايا هو دم يسوع المسيح ابن الله الحي: " وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا " (عب 9: 12).. " وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو 1: 7).. إذًا نستطيع أن نقول أن معمودية يوحنا كانت إعدادًا لمعمودية العهد الجديد المؤسسة على دم المسيح، التي هيَ موت وقيامة مع المسيح، كما نستطيع أن نقول أن معمودية يوحنا تهب الإنسان الوعد بالمغفرة ومعمودية المسيح هيَ وسيلة الحصول على تلك المغفرة.. فهل معنى هذا أن الذين اعتمدوا من يوحنا كانوا في حاجة إلى معمودية المسيح؟ هذه حقيقة لا جدال فيها، وما بالك بالذين اعتمدوا بمعمودية يوحنا وماتوا قبل أن يُصلَب المسيح ويقوم وتنتشر الكرازة؟ مثل هؤلاء مثل كل المؤمنين في العهد القديم الذي ماتوا على رجاء ولم يبصروا خلاص المسيح، فهؤلاء يخلصون أيضًا، فمعمودية يوحنا تشبه ذبائح العهد القديم، كما أنها تشبه الحيَّة النحاسية، فكل من ذبائح العهد القديم والحيَّة النحاسية اكتسبت قوتها في كونها رمز لصليب المسيح. ويوحنا المعمدان ذاته قال لمن عمدهم: " يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مر 1: 7 - 8).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

ويقول "القديس جيروم" عن يوحنا ومعموديته: " كما كان هو سابقًا للمسيح، كانت معموديته تمهيدًا لمعمودية الرب" (212). كما يقول "القديس جيروم": " لم تكن معمودية يوحنا لغفران الخطايا بقدر ما كانت معمودية التوبة لغفران الخطايا، أي لغفران آتْ من خلال تقديس المسيح" (213). وأيضًا يقول "القديس جيروم": " لا يمكن لأية معمودية أن تُدعى كاملة إلاَّ إذا كانت مرتبطة بصليب المسيح وقيامته" (214).

ويقول "القديس أمبروسيوس": " لا جدوى من التوبة من دون النعمة ولا جدوى من النعمة بدون التوبة. فالتوبة تدين الخطيئة، والنعمة تستأصلها، وهكذا جاء يوحنا الذي كان رمز الشريعة معمدًا بمعمودية التوبة، أما المسيح، فقد كان ليقدم النعمة" (الرسالة 84) (215).

ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: " كان يوحنا يمهد الطريق لذلك الذي سيأتي بعده بأن يبشر الناس بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، داعيًا إياهم إلى ضرورة تجديد قلوبهم للتوبة عن خطاياهم ليمكن أن يغفرها الله لهم. ومعمدًا إياهم، أي غاسلًا أجسادهم بالماء، ليكـون تطهيـر أجسادهم مقدمة ورمزًا لتطهير أرواحهم" (216).

ومعمودية يوحنا كانت متاحة للجميع سواء يهود أو أمم، وإن كانت الغالبية العظمى من اليهود إلَّا أنه كان قد جاء إليه بعض الأمميين مثل الجنود كقول القديس لوقا: " وَسَأَلَهُ جُنْدِيُّونَ أَيْضًا قَائِلِينَ وَمَاذَا نَفْعَلُ نَحْنُ. فَقَالَ لَهُمْ لاَ تَظْلِمُوا أَحَدًا وَلاَ تَشُوا بِأَحَدٍ وَاكْتَفُوا بِعَلاَئِفِكُمْ"
(لو 3: 14)، وكان هناك تيار حتى لو كان ضعيفًا للأمم الداخلين للإيمان اليهودي وهم ما دعوا باليهود الدخلاء (مت 23: 15، أع 2: 10، 13: 43).

 

4- ما هيَ علاقة الماء بالعبادة ومغفرة الخطايا؟.. اُستخدم الماء منذ القدم للنظافة والطهارة الجسدية التي تشير للطهارة الروحية، ومن أمثلة ذلك:

أ - طلب يعقوب من عائلته أن يتطهروا ويبدلوا ثيابهم لأنه سيقدم ذبيحة للَّـه: " فَقَالَ يَعْقُوبُ لِبَيْتِهِ وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ اعْزِلُوا الآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ" (تك 35: 2).

ب - قبل أن يتسلم موسى الوصايا: " فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى اذْهَبْ إِلَى الشَّعْبِ وَقَدِّسْهُمُ الْيَوْمَ وَغَدًا وَلْيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ.. فَانْحَدَرَ مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الشَّعْبِ وَقَدَّسَ الشَّعْبَ وَغَسَلُوا ثِيَابَهُمْ" (خر 19: 10 - 14).

جـ - استخدم شعب الله الماء في التطهير الطقسي من النجاسة بالاستحمام بالماء (لا 15: 7 ، 17؛ عد 19: 10).

د - أمر الرب موسى أن يضع بجوار خيمة الاجتماع مرحضة من نحاس ويملأها بالماء: " فَيَغْسِلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْهَا. عِنْدَ دُخُولِهِمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يَغْسِلُونَ بِمَاءٍ لِئَلاَّ يَمُوتُوا" (خر 30: 19 - 21).

هـ - استخدم الكتاب الألفاظ الدالة على الاغتسال للإشارة للطهارة والنقاوة الروحية، فقال داود النبي: " أَغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ" (مز 26: 6).. " اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.. طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز 51: 2، 7)، وقال الرب لشعبه: " اِغْتَسِلُوا. تَنَقَّوْا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ. كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ" (إش 1: 16)، وقال الرب لأورشليم: " اِغْسِلِي مِنَ الشَّرِّ قَلْبَكِ يَا أُورُشَلِيمُ لِكَيْ تُخَلَّصِي" (أر 4: 14).

وأفرط الفريسيون في الاغتسالات واهتموا بها أكثر من اهتمامهم بالداخل، وأدانوا التلاميذ لأنهم يأكلون بأيدي دنسة أي غير مغسولة بالطريقة التي يرونها صحيحة، كما اهتموا بغسل الكؤوس والأباريق والآنية والأسرة، وقد كشف السيد المسيح رياؤهم هذا (مر 7: 1 - 9). وعندما كان يريد أحد من الأمم أن يتهوَّد كان يختتن، وإن كان مختتنًا أصلًا فأنهم كانوا يعمدونه بالماء، والجديد الذي فعله يوحنا المعمدان أنه كان يقبل توبة اليهود واعترافاتهم ويعمدهم بمعمودية التوبة بتغطيسهم في الماء. ويقول "ميمونيدس": " متى أراد أممي أن يدخل إلى عهد إسرائيل ويضع نفسه في حماية العظمة الإلهيَّة، عليه أن يختن ويعتمد ويقدم ذبيحة وإن كانت امرأة فعليها أن تعتمد وتقدم ذبيحة" (217).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " ارتبطت المياه بالعصر المسياني كأحد ملامحه الرئيسية. وفي العهد الجديد ارتبطت بحياة السيد المسيح، ففي نهر الأردن تجد الكنيسة لها موضعًا في المسيح يسوع الذي يهبها البنوة.. في أول خدمته الجماهيرية استخدم الماء ليحوله خمرًا يُفرِح قلوب أصحاب العرس والمدعوين (يو 2: 1 - 11)، وعندما أعلن خطبته للأمم كعروس له خلال السامرية تم ذلك عند بئر يعقوب (يو 4)، حتى عندما علَّم عن عمل المحبة تحدث عن كأس الماء البارد الذي يُقدَم لطفل فقير (مت 10: 42). وفي لحظات موته فاض من جنبه دم وماء، وعندما أشار إلى موضع الفصح أعطى جرة الماء علامة لمعرفة الموضع (مر 14: 13)، وأخيرًا عندما أوصى تلاميذه قبيل صعوده سألهم أن يعمدوا جميع الأمم. وكما يقول العلامة ترتليان: {بالقدرة نعمة المياه في نظر الله ومسيحه لتثبيت المعمودية! لن تجد المسيح بدون المياه}" (218).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/489.html