St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 410- إذا كان صاحب الوزنة الواحدة حفظها وردها كما هيَ لصاحبها دون أن يبدد منها شيئًا (مت 25: 25) فلماذا يُدان ويُحكم عليه بالعذاب الأبدي؟ وهل السيد الشريف يستحل الربا (مت 25: 27)؟ وكيف يأخذ السيد من الذي ليس له سوى وزنة واحدة ويُعطيها لصاحب العشر وزنات (مت 25: 28)؟

 

س410: إذا كان صاحب الوزنة الواحدة حفظها وردها كما هيَ لصاحبها دون أن يبدد منها شيئًا (مت 25: 25) فلماذا يُدان ويُحكم عليه بالعذاب الأبدي؟ وهل السيد الشريف يستحل الربا (مت 25: 27)؟ وكيف يأخذ السيد من الذي ليس له سوى وزنة واحدة ويُعطيها لصاحب العشر وزنات (مت 25: 28)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أورد القديس متى مَثَل الوزنات بعد مَثَل العذارى، ويظهر بالمَثَلين حديث السيد المسيح عن الدينونة، فالأصحاح الخامس والعشرين هو أصحاح الدينونة. وإن كان مَثَل العذارى صوَّر لحظة حضور العريس ومكافأة الأبرار، فإن مَثَل الوزنات أوضح كيفية الاستعداد ليوم الدينونة، وحديث السيد المسيح أوضح لحظات النطق بالحكم والرد على حجج المحكوم عليهم.

 

1- إذا كان صاحب الوزنة الواحدة حفظها وردها كما هيَ لصاحبها دون أن يبدد منها شيئًا (مت 25: 25) فلماذا يُدان ويُحكم عليه بالعذاب الأبدي..؟ لم يكن جميع العبيد في القرن الأول الميلادي من الجهلاء الأدنياء، بل كان بعضهم على درجة عالية من التحضُّر والثقافة، وربما الغنى، فهم كانوا أحرارًا وتعرضوا لهجمات القراصة أو قطَّاع الطرق، الذين أسروهم وباعوهم كعبيد، ومثل هؤلاء العبيد كثيرًا ما كانوا موضع ثقة أسيادهم، مثلما كان يوسف أمينا على كل ما في بيت سيده، وكانوا يأتمنونهم على تربية الأولاد وتنشئتهم. وهذا العبد صاحب الوزنة الواحدة أُدين وحُكم عليه لعقد أسباب:

أ - هذا العبد ملك لسيده، فهو مُلزَم بتنفيذ مشيئة سيده، وعندما سلمه سيده الوزنة كان ذلك بهدف أن يتاجر بها ويربح لحساب سيده، وهذا ما فعله العبيد رفقاؤه، وعندما سلم السيد عبيده هذه الوزنات وهيَ مبالغ ضخمة جدًا لم يأخذ على أحد منهم صكًا، لأنهم كانوا موضع ثقته، فالوزنة تزن 36 كجم من الفضة تُقدَّر بستة آلاف دينار، بينما أجرة العامل طوال اليوم دينارًا واحدًا، أي أن الوزنة تساوي أجرة العامل خلال عشرين سنة على افتراض أن عدد أيام العمل في السنة 300 يومًا. كان هذا العبد موضع ثقة سيده ولكنه للأسف لم يكن أهلًا لهذه الثقة، فلم يهتم بتنفيذ إرادة سيده، بل أنه: "حَفَرَ فِي الأَرْضِ وَأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ" (مت 25: 18)، ولم يطمر فضة سيده خوفًا عليها من اللصوص كما كان يفعل أهل ذلك الزمان، إنما فعل هكذا تقاعسًا وكسلًا عن أداء المهمة المُكلف بها، وبالتالي فقد فصل نفسه عن سيده ولم يعد مُستحقًا لنعيم سيده.

ب - كوَّن هذا العبد معرفة خاطئة عن سيده، فهو لم يعرف سيده معرفة حقيقية لكنه عرف عن سيده، وللأسف عرف معرفة خاطئة " لأَنَّ شَعْبِي أَحْمَقُ. إِيَّايَ لَمْ يَعْرِفُوا. هُمْ بَنُونَ جَاهِلُونَ وَهُمْ غَيْرُ فَاهِمِينَ. هُمْ حُكَمَاءُ فِي عَمَلِ الشَّرِّ، وَلِعَمَلِ الصَّالِحِ مَا يَفْهَمُونَ" (إر 4: 22).. " وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً.. فَاسْمَعُوا الآنَ يَابَيْتَ إِسْرَائِيلَ. أَطَرِيقِي هِيَ غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ ؟ أَلَيْسَتْ طُرُقُكُمْ غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ ..؟ وَبَيْتُ إِسْرَائِيلَ يَقُولُ لَيْسَتْ طَرِيقُ الرَّبِّ مُسْتَوِيَةً. أَطُرُقِي غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ ؟ أَلَيْسَتْ طُرُقُكُمْ غَيْرَ مُسْتَقِيمَة" (حز 18: 25 ، 29) فالإنسان عندما يفقد الرؤية الصحيحة وروح التمييز تُعوَج طرقه وتصير لا هيَ مستوية ولا هيَ مستقيمة، والأخطر من هذا أنه يتهم اللَّه بأن طرقه غير مستوية وغير مستقيمة، تمامًا كما قال هذا العبد: "يَا سَيِّدُ عَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ" (مت 25: 24) ويقف ضد هذا الإتهام الباطل أن السيد لم يسترد، لا وزناته التي سلمها لعبيده، ولا أخذ أرباح هذه الوزنات. والحقيقة أن اتهام هذا العبد لسيده بالقسوة كان مجرد تبرير لسلوكه الخاطئ، وكأنه يريد أن يقول لسيده بما أنك قاسٍ وتأخذ ما لا تستحق فأنت لا تصلح أن تكون قاضيًا، وقديمًا قال اللَّه لأيوب: "لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي تَسْتَذْنِبُنِي لِكَيْ تَتَبَرَّرَ أَنْتَ" (أي 40: 8).. مجرد نظرة إلى أهوال الصليب ترد على إتهام هذا العبد لسيده بالقسوة!!.

جـ - قول العبد " فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ" قول مزيَّف، لأن هذا الإنسان استخدم الوزنات التي وهبها اللَّه له العقل والوقت والصحة والمال والأولاد.. إلخ، ولكنه لم يوظفها لصالح الملكوت، بل لصالح ذاته، فالعذر الذي تقدم به هذا العبد هو عذر واهي باطل صادر من قلب مخادع.

د - كشف السيد كذب هذا العبد، وأدانه من كلامه -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- قائلًا: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ وَالْكَسْلاَنُ عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ أَزْرَعْ وَأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُرْ. فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ فَعِنْدَ مَجِيئِي كُنتُ آخُذُ الَّذِي لِي مَعَ رِبًا" (مت 25: 26 ، 27).. " مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ. عَرَفْتَ أَنِّي إِنْسَانٌ صَارِمٌ آخُذُ مَا لَمْ أَضَعْ، وَأَحْصُدُ مَا لَمْ أَزْرَعْ" (لو 19: 22) وانطبق على هذا العبد قول أليفاز التيماني: "إِنَّ فَمَكَ يَسْتَذْنِبُكَ لاَ أَنَا وَشَفَتَاكَ تَشْهَدَانِ عَلَيْكَ" (أي 15: 6). فلو كان العبد مقتنع فعلًا أن سيده رجل قاسٍ لكان يجب عليه أن يفعل إرادته وينفذ وصيته تحاشيًا لغضبه، وعلى أقل الإيمان إن لم يتاجر ويربح فأنه يودع وزنة سيده التي بحوزته لدى الصيارفة فعندما يعود سيده يأخذها مع فائدتها.

هـ - مما يزيد من جرم هذا العبد أنه احتج بأنه خاف لئلا يخسر الوزنة أو جزء منها في تجارته، مع أن هذه الوزنة الإلهيَّة هيَ وزنة رابحة بطبيعتها لا تعرف للخسارة طريقًا، فهيَ أعظم من جميع الأوراق التي يتم تداولها في بورصات العالم، لأن صاحبها هو ملك الملوك ورب الأرباب، وهو الذي قال: "هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ" (إش 55: 11).

والنتيجة النهائية أن هذا العبد الكسلان المتقاعس الذي لم يحسن الظن بسيده تم تجريده من وزنته، وحُرِم من شرف خدمة سيده رب السماء، وأعطيت وزنته لمن أظهر غيرة أكثر، وطُرد من الحضرة الإلهيَّة، فلم يعد له سوى الظلمة الخارجية. لقد خسر حياته إلى الأبد، بينما لو قدمنا كل سنى حياتنا على الأرض لمُخلصنا الصالح، فإننا لم نقدم شيئًا مقارنة بالأبدية اللانهائية، وأن كل آلام الزمان الحاضر وأتعابه لا تُقاس على الإطلاق بمجد الأبدية، ويقول "القديس غريغوريوس الكبير": "إن كل أعمالنا الصالحة في حياتنا الحاضرة ضئيلة لا شأن لها إذا ما قورنت بثوابنا الأبدي. أُقيم العبد الأمين على أشياء كثيرة بعدما تغلَّب على كل المصاعب التي واجهته من الأشياء الزائلة. أنه يتمجد في النعيم الأبدي بمسكنه السماوي فقد أُدخل إلى فرح سيده لما أُخذ إلى مسكنه الأبدي وضُم إلى شركة القديسين" (91).

2- هل السيد الشريف يستحل الربا..؟ في العهد القديم سار اللَّه مع الإنسان خطوة تجاه طريق الكمال، فأوصى الإنسان اليهودي أن لا يأخذ ربا من أخيه اليهودي، وسمح له فقط أن يأخذ ربا من الغريب: "لاَ تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا.. لِلأَجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا وَلكِنْ لأَخِيكَ لاَ تُقْرِضْ بِرِبًا لِيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ" (تث 23: 19 ، 20)، فمن المعروف حرص اليهودي الشديد على أمواله ومحاولة استثمارها بأكبر عائد ممكن، فكان من الصعب أن تمنع الوصية الربا على إطلاقه، ولذلك سمح اللَّه لليهودي أن يُقرض ماله بالربا للأجنبي دون اليهودي، ولا يُعد ذلك عنصرية من اللَّه وتحيُّزًا لشعبه، إنما كان هذا من قبيل التدرج في طريق الكمال. أما في العهد الجديد فاتسعت الوصية حتى أن السيد المسيح أوصى قائلًا: "وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ" (لو 6: 34).. " مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت 5: 42) (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ7 س882).

والكلمة اليونانية التي تُرجمت هنا "ربا" هيَ كلمة "Tokw" وكانت تُعني من قبل الولادة، ثم صارت تعبر عن النتاج، ثم أصبحت تعني الفائدة كنتاج لرأس المال، ولذلك فضل البعض ترجمتها إلى "فائدة" بدلًا من "ربا". وكانت الفائدة الشهرية تُقدّر بنسبة 1%، أي 12% سنويًا تُصرف كل شهر، وفي المعاملات والصفقات التجارية وصلت نسبة الفائدة السنوية من 24% إلى 40% سنويًا (راجع دكتور موريس تاوضروس - المدلولات اللاهوتية والروحية في الكتاب المقدَّس بحسب إنجيل متى ص178).

 

3- كيف يأخذ السيد من الذي له سوى وزنة واحدة ويُعطها لصاحب العشر الوزنات..؟ السيد في مَثَل الوزنات يُشير للَّه، وما أبعد أحكام اللَّه عن الفحص وطرقه عن الإستقصاء، فكل ما يفعله إنما يفعله بحكمة إلهيَّة عجيبة، واحتج البعض متهمًا اللَّه بالقسوة في هذا التصرُّف قائلًا كيف يأخذ ممن ليس له سوى وزنة واحدة ويُعطي من معه الكثير. والسؤال هنا هل العبد الذي له الوزنة الواحدة كان أمينًا عليها حتى يستحقها؟!.. بالطبع لم يكن أمينًا حتى أنه طمرها في التراب، فهو لا يُريدها، والوزنة في الأصل هيَ ملك للسيد، فهل عندما يسترد السيد ماله يصير قاسيًا؟!!. ثم أن السيد حرُّ في التصرف في ماله كما يشأ، فعندما احتج الذي عمل في الحقل من الساعة الأولى من الصباح على الأجرة المتفق عليها، لأن السيد منح صاحب الساعة الحادية عشر أجرة مماثلة لأجرته، قال له السيد: "يَا صَاحِبُ مَا ظَلَمْتُكَ أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ. فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هذَا الأَخِيرَ مِثْلَكَ. أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ" (مت 20: 13 - 15). إن الطبيعة تعلمنا أن العضو الذي لا نستخدمه يضعف ويضمر، والعضلة التي لا نحركها تضعف، وعندما احتقر عيسو المستبيح البكورية كانت من نصيب يعقوب المجاهد، وعندما لم يكن شاول أمينًا على المُلك الذي أٌقيم عليه أُنتزع منه وأُعطي لداود بن يسى.

ويعلق "البابا شنوده الثالث" على قول السيد المسيح: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ" (مت 25: 29) فيقول: "أي من له إيمان وله حُب للعمل الصالح، أو له عمل صالح أيضًا، يُعطيه اللَّه نعمة ليزداد بها في الإيمان وفي الأعمال معًا.. أما الذي ليس له إيمان، فالأعمال التي يعملها بدون إيمان، فهذه تُنزع منه، وليست لها قيمة بدون إيمان.. كذلك النبي الذي ليست له أعمال صالحة، فالإيمان الذي عنده بدون أعمال، الذي قيل عنه "إيمان بدون أعمال ميت". هذا الإيمان الميت يُنزع منه.. أنه مجرد إيمان إسمي أو عقلي أو شكلي.. هذا يُنزَع منه" (92).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(91) التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - 1 - ب - الإنجيل كما دوَّنه متى 14 - 28 ص333.

 (92) سنوات مع أسئلة الناس جـ3 ط 1990م ص73.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/410.html