St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 274- كيف يستطيع الإنسان أن لا يعرف شماله ما تفعل يمينه (مت 6: 3)؟ وهل شمال الإنسان منفصلة عنه، كيف يستطيع الإنسان أن يخفي ما يفعله عن نفسه؟ وهل المقصود بهذا هو العطاء بلا حساب؟ وهل يمكن أن يكون المقصود بالشمال الزوجة لأن النساء أكثر بُخلًا من الرجال؟

 

س274: كيف يستطيع الإنسان أن لا يعرف شماله ما تفعل يمينه (مت 6: 3)؟ وهل شمال الإنسان منفصلة عنه، كيف يستطيع الإنسان أن يخفي ما يفعله عن نفسه؟ وهل المقصود بهذا هو العطاء بلا حساب؟ وهل يمكن أن يكون المقصود بالشمال الزوجة لأن النساء أكثر بُخلًا من الرجال؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

 ج: كان صندوق العطاء في الهيكل يوضع على يمين الداخل، فيضع الإنسان تقدمته باليد اليمنى في السر دون أن يشهرها في الإتجاه الأيسر، وهكذا فعلت الأرملة التي ألقت بفلسين في الخزانة دون أن يلحظها أحد، غير أن علام الغيوب علم بها فامتدحها لأنها أعطت أكثر من الجميع إذ أعطت كل احتياجاتها. واليد اليمنى ترمز للعطاء، فهيَ التي تمتد لتقديم المعونة للمحتاجين وتقديم العون للساقطين، وتضمد جراحات المجروحين، وفيما يفعل الإنسان الخير يجب أن لا يُعرّف القريبين منه جدًا مثل الواقفين على يساره، حتى لا ينال الإعجاب والمديح وبهذا يستوفي أجره، وما أبخثه من أجر يتبخَّر مع الهواء في لحظات ويضيع تعب الإنسان هباءً. بل يجب أن الإنسان لا يمعن التفكير فيما يفعله من خير فيُعجَب بنفسه ويرضي ذاته ويسقط في الكبرياء وعبادة الأنا، وهذا ما يرمز له الشمال. يقول "القديس أغسطينوس": "فشمالهم هو " رغبتهم في المديح" واليمين هو " تنفيذ الوصايا "، وعلى هذا فامتزاج الاثنين معًا يعني تعريف الشمال ما تفعله اليمين" (651).

 ويقول "القمص تادرس يعقوب": "فإن كان اليمين يشير إلى نعمة اللَّه التي تعمل فينا، فإننا نفسد هذا العمل إن قدمناه ليس من أجل اللَّه وإنما لإشباع الأنا بإعلان العمل للشمال ! حقًا أن الشمال أو "الأنا" هو أخطر عدو يتسلل إلى العبادة ذاتها والسلوك الصالح ليحطم ما تقدمه نعمة اللَّه لنا خلال يميننا، وتفقده جوهره خلال الرياء الممتزج بالكبرياء" (652).

 

2ــ ليس المقصود أن يخفي الإنسان عن نفسه ما يفعله من خير، لأن ما تفعله سواء اليد اليمنى أو اليسرى فأياه الإنسان يفعل، وعقل الإنسان وفكره هو الذي يحرك هذه وتلك، ولكن المقصود أن يخفي الإنسان ما يفعله من خير ولا يتباهى به أمام الآخرين، وأيضًا قول السيد المسيح لا يعني أننا نُعطي بلا حساب وبلا تفكير. يقول "الأب متى المسكين": "وقوله: "فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" ليس أن نكبش المال ونعطيه دون أن نعرف مقداره، فهو نوع من الهبل، لأنه قد يكون أكثر جدًا من حاجة المُعطى له، كما يكون سببًا في طمع الناس وجشعهم. ولكن السر في قوله: "فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ" هو بقصد عدم الإعلان لدرجة أن اليد الشمال لا ترى ما تعمله اليمين، وبالتالي لا يرى الناس ما تعمله. لأنه إذ رأت اليد الشمال ما في اليمين يراه الناس بالضرورة، ولكن حينما تخبئه في اليد اليمنى وتعطيه دون أن يظهر البتة يكون فعلًا هو عطاء الخفاء، فالقصد الأساسي هو عدم رؤية الناس ما تعطيه وليس عدم معرفتك أنت.. وهناك فرق بين الحكمة في العطاء والجهالة في التبديد، وخاصة إذا كان المال ليس مالك الشخصي" (653).

 

3ــ الصدقة نوع من العبادة، وعندما تحدث السيد المسيح عن الممارسات الروحية وضع الصدقة في المقدمة ثم الصلاة ثم الصوم، فالصدقة تعبر عن إحساسنا بالآخرين إذ نلمس احتياجاتهم، والصلاة هيَ الصلة مع اللَّه، والصوم يمثل التعامل مع أجسادنا، بل هناك من يصوم ليُعطي طعامه لآخر أكثر احتياجًا، وعندما يمارس الإنسان فضيلة العطاء بسرور تفيض عليه السماء بالبركات، فالعطاء هو شركة حب بين المُعطِي واللَّه والمُعطَى له، ولهذا يجب أن تكون دوافع العطاء طاهرة ونقية، فمن يُعطي يجب أن يُعطي بمحبة للَّه وللإنسان، لا يتمعَّن فيما فعله من خير، لئلا يشعر بالتفضل على الآخرين ويأخذه العجب بنفسه ويسقط في البر الذاتي، بل يضع نصب عينيه قول مخلصنا الصالح: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا" (لو 17: 10).. نفعل الخير ونضع ختمًا على أفواهنا، فلا نعرف شمالنا ما تفعله يميننا، عالمين أن عملنا ليس باطلًا: "لأَنَّ اللَّه لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ اسْمِهِ إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ الْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ" (عب 6: 10)... عجبًا لإنسان يفعل الخير فيُصوّر المحتاجين مع عطاياه وينشرها في وسائل الإعلام، حتى لو كان هذا بهدف تشجيع الآخرين على فعل الخير، لأن هذا يُعد عثرة لهؤلاء المحتاجين وأطفالهم إذ يقابلون أصدقائهم بنفس منكسرة، فيسخطون على اليوم الذي تلقوا فيه مثل هذه المساعدات.

 

4ــ القول بأن المقصود بالشمال الزوجة قول ساذج يُنقِص من حق المرأة، فكثيرًا ما تتفوق النساء في الحنان والعطاء والشفقة عن الرجال، كما أنه في سر الزيجة المقدَّس قد صار الرجل وزوجته جسدًا واحدًا، وإذا تصوَّر الرجل أن امرأته هيَ شماله، فبهذا يضعها في مرتبة أدنى ومكان لا يليق بها لأنه مكتوب جلست الملكة عن يمين الملك (راجع مز 45: 9)، كما يضع نفسه في مرتبة أفضل منها وكأنه هو الذي ينفذ الوصية بمفرده، وكأن الوصية قد أُعطيت للرجال دون النساء، ولو كانت المرأة تمثل شمال الرجل، فهل الرجل أيضًا يمثل شمال المرأة؟!

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(652) تفسير إنجيل متى ص136.

(653) الإنجيل بحسب القديس متى ص261.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/274.html