St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 243- هل يجب رفض معجزات السيد المسيح (مت 4: 24) لأنها ضد قوانين الطبيعة التي وضعها اللَّه ذاته؟ وهل يمكن أن تكون هذه المعجزات نوعًا من الإيحاءات؟

 

س243: هل يجب رفض معجزات السيد المسيح (مت 4: 24) لأنها ضد قوانين الطبيعة التي وضعها اللَّه ذاته؟ وهل يمكن أن تكون هذه المعجزات نوعًا من الإيحاءات؟

قال "باروخ سبينوزا": " إن الطبيعة لا يمكن أن تُنتَهك.. أنها تحافظ على حالة الثبات وعدم التغيُّر. في الحقيقة إذا أكد أحدهم أن اللَّه يعمل بشكل مخالف لقوانين الطبيعة، فإنه سيضطر إلى التأكيد بأن اللَّه يعمل ضد طبيعته هو، وهذا أمر سخيف ومنافٍ للعقل بشكل واضح" ( Spinaza, ATPT, 82 – 83 ) (489).

كما قال "باروح سبينوزا": " لا شيء إذًا يحدث في الطبيعة يتعارض مع نواميسها الكونية، كلاَّ، فكل شيء يتفق معها ويتبعها.. فهيَ تحفظ ترتيب ثابت وغير متغيّر!! فالمعجزة التي تتعارض مع الطبيعة أو تكون فوقها هيَ محض عبس!!" (490).

ويرى "شوبيرت أوجدن" إن الطبيعة وحدة قانونية، والمعجزة تكسر من قاعدة هذه الوحدة، ولذلك فهيَ أمر مرفوض، فيقول: " فكرة حدوث المعجزة أصبحت مستحيلة في أيامنا هذه، لأننا نعلم أن الطبيعة هيَ عبارة عن وحدة قانونية. لذا علينا أن نفهم المعجزة ونقول أنها تكسر من قاعدة هذه الوحدة أو المتوالية القانونية.. مثل هذه الفكرة ليست مقبولة على الإطلاق" ( Ogden, CWM, 33 ) (491).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أولًا: معجزات السيد المسيح وقوانين الطبيعة:

قال أصحاب هذا الرأي أن المسيح الإله المتجسد لو صنع معجزة (وبالطبع المعجزة تضاد قوانين الطبيعة) فمعنى هذا أن اللَّه يعمل ضد ذاته، فكيف يضع قانونًا ويكسره؟! من الطبيعي أن الإنسان يموت، أما القيامة من الموت والعودة للحياة فهذه ضد قوانين الطبيعة، ومن المستحيل أن يسير الإنسان على سطح المياه، فإن فعل هكذا فهو يحطم قوانين الطبيعة، وكان على هؤلاء النُقَّاد أن يدركوا:

أ - إن حقائق الإيمان المسيحي تحمل في طابعها عنصر الإعجاز، فمثلًا الميلاد العذراوي للسيد المسيح، والتجسد الإلهي، وقيامة المسيح من الأموات، وصعوده للسماء وجلوسه عن يمين الآب، ومجيئه الثاني والقيامة العامة والدينونة، كل هذه الأمور لا تخلو من الإعجاز، فالمعجزات في المسيحية مقبولة، لأن إلهنا إله المستحيلات، ولو حذفنا من المسيحية كل ما هو معجزي وخارج عن المألوف لن يتبقى إلاَّ الأكليشيهات.

ب - القانون الطبيعي ليس نظامًا مغلقًا، لأن اللَّه هو واضع هذه القوانين، وهو الحاضر العامل في الطبيعة، فمن السهل عليه التدخل في هذه القوانين الطبيعية، وهذا ما يشهد به كتابنا المقدَّس، فالنار التي تحرق تصير مثل الندى البارد حول الثلاث فتية القديسين، والأسود الجائعة لا تلتهم دانيال، والرب يسوع يسير على وجه المياه ويعطي ذات الإمكانية لبطرس الرسول، ولعازر يقوم بعد أربعة أيام، والبحر الهائج يبكم بكلمة المسيح، وبكلمة تتجمع الأسماك في شباك بطرس.. إلخ.

جـ- ما كنا نراه مستحيلًا بالأمس مثل إنشطار الذرة نراه متحققًا اليوم، ويقول "فنسنت تايلور": " الوقت متأخر هذه الأيام أن يقول من ينادي بأن المعجزات مستحيلة. هذه المرحلة من النقاش تعتبر من الزمن الماضي، فالعلم يتواضع الآن.. خلال الخمسين سنة الماضية ترنحنا من جراء الاكتشافات العظمى والتي كان يُنظر إليها في وقت ما بأنها مستحيلة. لقد عشتُ حتى سمعنا عن تحطيم الذرة.. عندما تتحقق شروط معينة فإن المعجزات ليست مستحيلة.." ( Toylar, TFGT, 13 ) (492).

د - ليس من الضروري تحطيم قوانين الطبيعة لكيما تتم المعجزة، إنما تتم بإضافة قوة جديدة، فمثلًا طبقًا لقانون الجاذبية كل ما نقذف به لأعلى يرتد إلينا على الأرض، ومع هذا فقد استطاع الإنسان أن يطلق مركبات الفضاء التي تخترق المجال الجوي وتتحرَّر من الجاذبية الأرضية، ويقول "سير جورج ستوكس" أستاذ العلوم الشهير: " ربما الحدث الذي تدعوه معجزة قد حدث ليس بإيقاف مفاعيل القوانين بعملية عادية، لكن بواسطة إضافة قوية لشيء ليس عاديًا في هذه العملية الطبيعية" ( Stokes, ISBE, 2036 ) (493).

كما يقول "سير جورج ستوكس" أيضًا: ".. إنه في حالة حدوث شيء خارج عن مسار الطبيعة المعتاد، أن يتضمن هذا إيقاف عملها ولو وقتيًا، إذ يمكن أن يكون ثمة قانون آخر تدخَّل في الأمر مما نتج عنه هذا الحدث غير المعتاد، دون أي تعطيل للمسار الطبيعي. فيمكن أن الحادث الذي نسميه " معجزة " أو " أعجوبة " قد حدث، ليس بتعطيل القوانين السارية عادة، بل بتدخل قوة غير معتادة، أو معتادة ولكنها ذات طبيعة لا تدرك" (494).

هـ- لا تمثل القوانين الطبيعية إله آخر بجوار اللَّه، إنما هيَ من وضع اللَّه وتخضع له، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ويقول "القس بيشوي عوض": " فهل هذا يعني أن الناموس المذكور (القوانين الثابتة) أضحى إلهًا آخر مستقلًا أو معادلًا مع اللَّه، يفلت من كل إشراف، فلا يجوز بحال ما التدخل في إطلاق سيره !! وهل يقف اللَّه من هذا الناموس موقف المتفرج أو العاجز عن أن يضع إزائه أمرًا أو شيئًا؟!! أما القول بأن هناك مضادة أكيدة بين المعجزات والنواميس الطبيعية في الكون، فهو قول غير صحيح. فقانون الجاذبية يعمل في الأرض.. فإذا خرج الشيء لسبب ما عن دائرة هذا الناموس إنعدم الوزن، وامتنع عن السقوط.. ومن هنا يُفهَم أن الناموس باقٍ في حدوده الخاصة، حتى تعمل إرادة قوية على التخلص من تأثيره، دون أن يقال أن هناك تحطيمًا أو قضاءً على هذا الناموس.

وقد استطاع الإنسان بإرادته الحرة أن يصنع ما يشبه العجائب والمعجزات دون أن يُقال أنه حطَّم ناموس الجاذبية أو قضى عليها، إذ أمكنه أن يبعث بالصواريخ المواجهة لتدور حول القمر.. هل إرادة اللَّه لا تملك في قدرتها الكاملة أن تعلو أو تسود على أي ناموس معروف أو غير معروف. أن أية معجزة بالنسبة للَّه هيَ السيطرة البسيطة العادية على أي ناموس" (495) (راجع كتابنا: مدارس النقد - عهد قديم جـ 2 س81).

و- المعجزات التي أجراها الرب يسوع تشهد لطبيعته الإلهيَّة، إذ أجراها بقوته الخاصة وسلطان لاهوته، وهو قال: " الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي" (يو 5: 36).. " صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا" (يو 14: 11).. " وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيه" (يو 10: 38)، وعندما جاء تلميذا يوحنا المعمدان للسيد المسيح سألانه عما إذا كان هو النبي أم ينتظرون آخر: " فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" (مت 11: 4 - 6).

ويقول " كوليردج " Coleridge: " كثيرًا ما أؤكد أن المعجزات التي أجراها المسيح، كمعجزات وكإتمام للنبؤات، كآيات وعجائب، كانت تعلن وتثبت بما لا يدع مجالًا للشك، طبيعته الإلهية وسلطانه الإلهي. لقد كانت أمام كل الأمة اليهودية دلائل صادقة قوية على أنه قد جاء الذي سبق أن وعَدَ به الآباء وأعلن لهم " هُوَذَا إِلهُكُمُ.. يَأْتِي.. هُوَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُكُمْ" (إش 35: 4)، لذلك فأنني أقبلها كبراهين على صدق كل كلمة قالها أو علَّم بها.. كانت إعلانات عن ذلك الذي قال " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو 11: 25)" (496).

ومن علامات المسيا التي أخبر بها إشعياء النبي صنع المعجزات العظيمة: " حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِـذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَس" (إش 35: 5، 6). وقال يوحنا الحبيب: " فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ وَقَالُوا أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا هذَا" (يو 7: 31). (راجع كتابنا: مدارس النقد - عهد قديم جـ2 س64).

 

ثانيًا: هل معجزات السيد المسيح نوع من الإيحاءات؟

من المستحيل أن تكون معجزات السيد المسيح نوعًا من الإيحاءات للأسباب الآتية:

أ - شفى السيد المسيح جميع الأمراض بدون استثناء، مهما كانت هذه الأمراض مستعصية، فالمقعد الطريح الفراش منذ ثمانية وثلاثين عامًا إشتد وقام، والأعمى الذي فقد بصره أعاد إليه بصره.

ب- كان المرضى مختلفي الأعمار، والثقافات، والبيئات الاجتماعية التي عاشوا فيها..إلخ فمن المستحيل أن يسقطوا جميعًا تحت تأثير الإيحاء، وهل مجنون كورة الجدريين الذي كان عليه لجيئون وكان يقطع القيود ويمزّق ثيابه، يمكن أن يعود إلى هدوءه ويجلس لابسًا وعاقلًا بواسطة الإيحاء، وكيف نجح معه الإيحاء وهو أساسًا فقد تركيزه وإختل توازنه العقلي من جراء الأرواح الشريرة التي سكنته.

جـ- جرت بعض المعجزات من على بُعد كبير مثلما شفيت ابنة المرأة الكنعانية (مر 7: 9) وابن خادم الملك (يو 4: 50) دون أن يلتقيا بالمسيح، بل بمجرد أن نطق بكلمة من فيه المقدَّس تمت المعجزة.

د - كان الشفاء يتم في لحظة بمجرد النطق بكلمة، فالأبرص يطهر بمجرد كلمة "أريد فأطهر"، فهل يصلح الإيحاء في شفاء البرص؟! وفي لحظة؟! وهل يصلح الإيحاء في إقامة المفلوج الذي حمله أصدقاؤه الأربعة، فينهض ويحمل سريره ويمشي دون أن يحتاج إلى أي علاج طبيعي.

هـ- كيف ينجح الإيحاء في تحويل الماء إلى خمر؟! أو كيف ينجح في خلق عينين، بكل ما تحتويه العين من تركيبات معقدة؟!!

و- كيف ينجح الإيحاء مع إنسان قد مات وقد تعطلت جميع حواسه، وكم أقام السيد المسيح من موتى سجلت الأناجيل منهم ثلاث حالات فقط، ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر، وفوق كل هذا عندما أقام السيد المسيح نفسه.. هل كان يستخدم الإيحاء مع نفسه؟!!

ز - كيف ينجح الإيحاء مع الطبيعة مثل الرياح التي يأمرها فتسكن؟!! وكيف ينجح الإيحاء مع الأسماك، يأمرها فتتجمع في شبكة بطرس؟!! وكيف ينجح الإيحاء مع النبات، يلعن شجرة التين فتيبس؟!! (راجع كتابنا: مدارس النقد - العهد القديم س72).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(489) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص585.

(490) أورده القس عبد المسيح بسيط. الكتاب المقدَّس يتحدى نقَّاده ص7.

(491) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص329.

(492) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص231.

(493) المرجع السابق ص583.

(494) دائرة المعارف الكتابية جـ 5 ص193.

(495) المعجزة في المفهوم المسيحي ص14، 15.

(496) دائرة المعارف الكتابية جـ 5 ص194، 195.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/243.html