St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 191- هل بطن العذراء حوت غير المحوى وغير المحدود؟ وهل معنى التجسد أن الناسوت حوى كل اللاهوت، فلم يعد أي وجود لللاهوت خارج نطاق الناسوت المحدود؟

 

س191: هل بطن العذراء حوت غير المحوى وغير المحدود؟ وهل معنى التجسد أن الناسوت حوى كل اللاهوت، فلم يعد أي وجود لللاهوت خارج نطاق الناسوت المحدود؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ القول بأن بطن العذراء حوى اللَّه قول خاطئ تمامًا، لأنه كيف يحوي المحدود (بطن العذراء) غير المحدود (اللاهوت)؟!.. فما هو إذًا التعبير الصحيح؟.. التعبير الصحيح أن اللاهوت حلَّ في بطن العذراء، وبطن العذراء لم يحد ولم يحصر ولم يحيّز اللاهوت، فقد حلَّ اللاهوت في بطن العذراء لمدة تسعة أشهر، وفي نفس الوقت كان يملأ كل مكان وزمان. من الممكن أن نقول أن بطن العذراء حوى الابن الكلمة من جهة الناسوت وليس من جهة اللاهوت، ونحن ندرك أن بداية الناسوت كان في بطن العذراء مريم، فجسد المسيح له بداية، فهو لم يكن له أي وجود قبل أن يتكوَّن في أحشاء البتول، أما من جهة اللاهوت فهو الأزلي، وهو الذي في زمن معين خلق الإنسان، وفي ملء الزمان إتخذ جسدًا من أمنا العذراء القديسة الطاهرة مريم.

 

2ــ أيضًا التجسد لا يعني على الإطلاق أن الناسوت حدَّ وحصر وحيَّز اللاهوت داخله، ولا يعني أنه لم يعد هناك وجود للاهوت خارج إطار الناسوت.. في التجسد إتحد اللاهوت بالناسوت، دون أن يتحوَّل اللاهوت إلى ناسوت، ودون أن يتحوَّل الناسوت للاهوت.. لم يتلاشئ الناسوت في اللاهوت كقول أوطيخا أن الطبيعة البشرية تلآشت في الطبيعة اللاهوتية مثل اختفاء نقطة الخل في المحيط، فهذا غير صحيح، إنما إتحد اللاهوت بالناسوت مع احتفاظ كل طبيعة بكافة خصائصها فاللاهوت أزلي غير محدود غير متناهي مالئ كل زمان ومكان.. إلخ، والناسوت له بداية، ومحدود يجوع ويعطش ويتعب ويستريح وينام ويتألم.. إلخ، ولأن الناسوت محدود، لذلك نجد أن يسوع المسيح عندما كان يوجد في مكان لا يمكن أن نراه في أي مكان آخر بحسب ناسوته، فلو كان طفلًا في حجر العذراء، أو طفلًا في مصر، أو صبيًا في الناصرة، أو رجلًا في أورشليم، أو في بيت زكا، فحيثما وجد في مكان لن نجده قط في أي مكان آخر بالناسوت، بينما اللاهوت هو مالئ الكل، وهو الذي قال: " لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِـي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20).

وقد مهد العهد القديم للتجسد الإلهي، وهيئ ذهن البشرية لقبول هذا الأمر، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فتارة يظهر لإبراهيم في شكل رجل، وتارة يظهر ليعقوب في شكل رجل يصارعه حتى مطلع الفجر، ويظهر لموسى في أرض مديان ويكلمه من وسط شجرة عليقة خضراء تشتعل فيها النيران ولم تحترق، فصارت رمز لحلول نار اللاهوت في أحشاء البتول، ويحل على الجبل يتحدث مع موسى، حينئذ: " صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ وَصَوْتُ بُوق شَدِيدٌ جِدًّا.. وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَادًا جِدًّا" (خر 19: 16 - 19).. فهل عندما حلَّ اللَّه على الجبل، خلى الوجود كله من وجوده؟!.. بالطبع لا، فهو يملأ كل الوجود وفي نفس الوقت كان له حضور مميز على الجبل. إذًا اللَّه مالئ كل مكان وزمان ولكن قد تجد له حضور واضح في مكان معين وفي لحظة من الزمان معينة، كما ظهر كملاك الرب لجدعون ولنوح.

 

3ــ يمكن أن نورد بعض التشبيهات التي تقرب لنا فكرة إتحاد الناسوت باللاهوت، وفي نفس الوقت فإن الناسوت لم يحد ولم يحصر ولم يحيّز اللاهوت:

أ – المصباح الزجاجي: عندما نضئ المصباح فإن زجاج المصباح لا يحجز النور داخله، إنما يشع النور لينير المكان كله، فيمكنك أن ترى النور داخل المصباح وخارجه أيضًا، تراه داخل المصباح متجسدًا في الفتيل المشتعل، وتراه خارج زجاج المصباح منبعثًا من داخل المصباح.

ب – الهواء في الرئتين: يملأ الهواء الرئتين ولا يفرغ من الغلاف الجوي، فوجوده داخل الرئتين يؤدي عمله لا يمنع من وجوده خارج الرئتين.

جـ - الشمس التي تسطع في الحجرة: عندما تشرق الشمس بأشعتها الذهبية وتدخل إلى حجرة تبدد الظلمات، وتطهر الحجرة من الميكروبات والجراثيم، والحجرة لا يمكن أن تحد أو تحصر أو تحيّز الشمس التي تنتشر في كل مكان.

د – الزجاجة المليئة بماء البحر: لو ملأنا زجاجة فارغة من ماء البحر، فالماء الذي في الزجاجة هو نفس ماء البحر، ولكن ليس كل ماء البحر في الزجاجة، فالزجاجة لم تحوي داخلها كل ماء البحر.

هـ - الموجات الصوتية والضوئية: تنتشر حولنا وتملأ الهواء ومع هذا فإننا لا نسمع الموجات الصوتية، ولا نرى الموجات الضوئية، ولكن إذا ضبطنا التليفاز على هذه الموجات فإن هذه الموجات تتجسد في شكل صوت وصورة، والتليفاز لا يحد ولا يحصر ولا يحيَّز هذه الموجات، فالموجات تجدها متجسدة في التليفاز، وفي نفس الوقت تملأ الفراغ المحيط.

وجميع هذه التشبيهات نذكرها مع الفارق الشاسع بينها وبين إتحاد اللاهوت بالناسوت، فمثلًا مليارات من البشر تمتلأ رئاتهم بالهواء، كما يمكن أن الشمس تدخل إلى ملايين الحجرات، وأيضًا يمكننا أن نملأ ملايين الزجاجات من ماء البحر.. إلخ، ولكن شخص الرب يسوع هو شخص واحد وحيد فريد ليس له مثيل ولا نظير، فالرب الإله تجسد مرة واحدة لم ولن تتكرر قط.

 

4ــ يقول "البابا أثناسيوس الرسولي": "1ــ لأنه لم يكن محصورًا في الجسد - كما قد يتوهم البعض - أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدرته وعنايته.. وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره)، ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شيء وعنايته بكل شيء، وواهبًا الحياة لكل شيء..

2ــ وهكذا حتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له فقد كان من الطبيعي أن يمنح الحياة للكون كله في نفس الوقت..

3ــ أما كلمة اللَّه فلم يكن كذلك في جسده البشري، إذ لم يكن مقيدًا بسبب الجسد، بل بالحري كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل كان موجودًا بالفعل في كل شيء..

4ــ وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة اللَّه يحيي كل الأشياء وكابن كان كائنًا مع أبيه.. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أي تغيير (من جهة طبيعته الإلهيَّة).." (تجسد الكلمة 17: 1، 2، 4، 5) (253).

ويقول "القديس يعقوب السروجي": "خرج الكلمة من الآب وآتى وحلَّ في الصبية.. وكان في الصبية وفي نفس الوقت كان في أبيه.. فلم ينقسم عن أبيه، بل هو في حضن الآب منذ الأزل. قبلت العروش الرسالة المكتوبة، وحلَّ هناك كالمحدود وهو غير محدود.. من يستطيع أن يفحصك أيها غير المحوي؟.. أتيت من مكان إلى مكان آخر ظاهر، وأنت في الموضعين لم تتركهما.. بالفعل ممتلئ منك المكان الذي أرسلك ويحبك، وخبرك ظاهر في المكان الذي قَبِلكَ ويكرّمك.. جعلت لك جسمًا لتظهر به في كل الأرض، ولم تترك مكانك الأصلي في السماء" (254).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(253) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس - تجسد الكلمة ص48، 49.

(254) تأملات في البشارة والتجسد الإلهي ص7، 8.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/191.html