St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 187- هل فكرة ولادة يسوع من عذراء مستمدة من الأساطير الوثنية؟

 

س187: هل فكرة ولادة يسوع من عذراء مستمدة من الأساطير الوثنية؟

قال "تريفو" الفيلسوف اليهودي في القرن الثاني للشهيد يوستين: " أيضًا يوجد في الأساطير قصة تتحدث عن كيفية ولادة بيرسيوس من دناي وهيَ عذراء عندما نزل عليها المدعو زيوس في هيئة وابل من المطر الذهبي. وأنتم المسيحيون يجب أن تستحوا من ترديد مثل هذه القصص، ويجب أن تعترفوا بأن يسوع هذا هو مجرد إنسان من أصل بشري.. ولكن حذار أن تتحدث عن معجزات لئلا تتهموا بالحماقة مثل الأغريق" (238).

وقال "الدكتور أحمد شلبي" عن أصحاب الأساطير الهندية: " فهم يعتقدون أن "كريشنا" المولود البكر الذي هو نفس الإله "فشنو" الذي لا إبتداء له ولا إنتهاء، تحرك حنوًا كي يخلص الأرض من ثقل حملها فأتاها وقدم نفسه ذبيحة عن الإنسان، ويصوّرونه مصلوبًا مثقوب اليدين والرجلين، ويصفون كريشنا لذلك بالبطل الوديع المملوء لاهوتًا لأنه قدم نفسه ذبيحة من أجل البشر" (239).

( راجع أيضًا يوسف هريمة - ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي المسيحي ص183).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ قال بعض النُقَّاد أن قصة ولادة يسوع من عذراء مقتبسة من الأساطير، وليس هذا فقط، بل أيضًا ولادته في كهف يوم 25 ديسمبر، وظهور نجم بعد ولادته، وسجود الذين تبعوا النجم لابن العذراء، وقد فرحت الملائكة بولادته.. إلخ مستمدة من أساطير ميثرا، وبعل، وإيزيس وأوزوريس، بل أورد "السير أرثر فندلاي" في كتابه "صخرة الحق" (16) بطلًا أسطوريًا تشابهت حياتهم مع قصة يسوع المسيح، وقد سبق الرد على هذه الأمور بشيء من التفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س94.

 

2ــ نعم معظم الديانات الوثنية كانت تؤمن بتجسد ابن الإله، فمن أين جاءت هذه الفكرة المتكررة؟.. أنها جاءت من الوعد الإلهي بأن نسل المرأة يسحق رأس الحيَّة، فبعد الطوفان تفرق أبناء نوح إلى شعوب وقبائل وهم يحملون هذه الوعود، وإذ انحرف نسلهم وعبدوا عناصر الطبيعة، وسجدوا للمخلوق دون الخالق إختلط ما لديهم من حق بما هو باطل، وخلطوا بين الحق والخرافات والمبالغات، ومن هنا كانت الأساطير، وظلت هذه الأساطير تحمل فكرة تجسد ابن الإله، كما أن شعور الإنسان القوي بمدى احتياجه لمخلص يخلصه من واقعه الأليم الذي يعيشه وينقله لحياة أفضل، زكى فكرة التجسد. وأيضًا كان دائمًا الحاكم أو الملك يدعي أنه ابن الإله، فمثلًا كلمة "فرعون" تعني ابن الإله "رع"، وبهذا كان يضفي صفة الألوهة على نفسه مما يجعل الشعب يخضع له ويهابه ويسجد أمامه ويقدَّسه، فاستفاد الملوك من هذه الفكرة في تثبيت مُلكهم، بينما فكرة التجسد في المسيحية الباعث لها محبة اللَّه اللانهائية للإنسان " لأنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ.." (يو 3: 16).

 

3ــ كيف يتغافل الدكتور أحمد شلبي ويوسف هريمة إقرار القرآن بولادة يسوع المسيح من العذراء مريم بدون زرع بشر؟!.. قال القرآن: " إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (آل عمران 46، 47).. فإن كان لليهود أو المُلحد الحق في الإدعاء بأن ولادة المسيح المعجزية أسطورة، فلا يحق هذا للأخ المسلم أبدًا، حتى لا يضع نفسه في موقف المخالف لعقيدته.

 

4ــ كاتب إنجيل متى هو القديس متى، وهو يهودي حتى النخاع، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. عاش في أرض فلسطين بعيدًا عن الأساطير الهندية والمصرية والإغريقية، وقبل أن يلتقي بالسيد المسيح كان المال هو محور إهتمامه، كيف يجمعه وكيف يصرفه، فما باله بالأساطير؟!. واليهودي بطبيعته لا يطيق عبادات الأمم ومعتقداتهم، بل ينظر إليها نظرة وضيعة، عالمًا أنها من وحي الخيال الشيطاني، فكل آلهة الأمم شياطين، وخلف كل وثن شيطان، فكيف يتصوَّر أحد أن القديس متى اليهودي، والذي تتلمذ على يد معلم الفضيلة الأول الرب يسوع لمدة ثلاث سنوات، أنه يقبل هذا الفكر ويقتنع به ويسجله في إنجيله وهو أسطورة خيالية شيطانية؟!!.. وأين كان الروح القدس والقديس متى يسجل أساطير في إنجيله؟!!.. ألم يكن الروح القدس شريكًا كاملًا للقديس متى في كتابة إنجيله؟!!.. ألم يحفظ الروح القدس الكاتب من الزلَّل وقد عصمه من الخطأ..؟!! وهب أن الروح القدس ترك القديس متى ليهوي في هذه السقطة الشنيعة (وهذا ضرب من المستحيل) فسجل ما سجل من أساطير، فكيف قبلت الكنيسة بما فيها الآباء الرسل هذا الإنجيل الذي قال عنه يوسف هريمة أن الفكر الأسطوري الخرافي ملأ خيال كاتب إنجيل متى؟!!.. أن التلاميذ لم يكونوا اثنين أو ثلاثة بل أثنا عشر تلميذًا، وبالإضافة إلى سبعين رسولًا، فكيف صمت كل هؤلاء ولم يعترضوا على ما كتبه القديس متى من أساطير؟!!.. وإن كان القديس متى سقط في هذه الهوة الأسطورية فلماذا تبعه لوقا مؤكدًا نفس الفكرة، بل أنه يذكر سؤال العذراء للملاك وشرح الملاك لها (لو 1: 34، 35)؟!!.. وكيف صمتت صاحبة القضية العذراء القديسة الطاهرة مريم؟!!، بل أن القديس لوقا إستمد قصة بشارة الملاك للعذراء من العذراء نفسها، ولا أحد يتصوَّر أن العذراء الطاهرة القديسة مريم، التي إصطفاها اللَّه مع نساء العالمين أنها كذبت على القديس لوقا.. أي مسيحي أو مسلم يقبل هذا الإفتراء على العذراء مريم التي باركت أرض مصر مع ابنها ويوسف النجار، قديمًا منذ نحو ألفي عام، وحديثًا بالظهورات المتكررة لها سنة 1968م بكنيستها بالزيتون، وسنة 1986م بكنيسة القديسة دميانة بشبرا، وسنة 2000م بكنيسة مارمرقس بأسيوط.

 

5ــ يقول "ر. ت. فرانس": " والقول أن موضوع الميلاد العذراوي إنما هو وليد خيال القديس متى أو أسلافه جاء على أساس ما ورد في (إش 7: 14) تم دحضه وليس بافتراض أنه حقيقة معروفة في إنجيل متى فحسب، بل بظهوره في صيغة مغايرة للغاية في (لو 1: 26 - 56، 2: 5). هذا بالإضافة إلى أن ما جاء في (مت 1: 22 ــ 23) متضمنًا نبوة إشعياء، من الجلي أنه كان إضافة توضيحية للقصة، والتي كانت تتدفق بسلاسة من (مت 1: 21 - 24) دون هذين العددين (مت 1: 22، 23)، ولم تكن وليدة إيحاء منها. والإقتراحات القائلة أن هذا الأمر مأخوذ عن قصص وثنية لآلهة تتزوج بنساء، تتجاهل أسلوب هذه القصص المختلف من ناحية، واستحالة قبولها في إطار فلسطيني يهودي، من ناحية أخرى، ومع ذلك فروايات الإنجيل مصطبغة تمامًا بالصبغة اليهودية من ناحية المحتوى والأسلوب أيضًا" (240).

 

6ــ يقول "الدكتور القس حنا جرجس الخضري": " يحذر "بارت" من التفكير في وجود توافق أو تشابه بين ميلاد المسيح العذراوي وبين الأساطير التي تتحدث عن مواليد عذراوية أخرى في التاريخ، لأن هذه الأخيرة ما هيَ إلاَّ خيالات بشرية وأساطير منسوجة من خيوط العنكبوت التي لا يمكن أن يكتسي بها إنسان، ويؤكد بشدة أيضًا على أنه ليس من حقنا أسطرة (Mythologisem) هذه القصة لأن موضوعها هو اللَّه نفسه، وهو المصدر لصحتها. ومادام اللَّه هو المصدر أو العامل فليس من حقنا أن نبحث عن بعض العوامل الطبيعية أو البيولوجية التي تؤيد هذه المعجزة.. أشياء لا يمكن أن نفهمها بعقولنا، بل علينا أن نقبلها بالإيمان..

ويحذرنا "بارت" من خطر آخر خاص بمفهوم حلول الروح القدس على مريم العذراء لكي تتم عملية التجسد.. أن النصوص الكتابية في العهد الجديد التي تتكلم عن الميلاد العذراوي، وعن التدخل الإلهي بخصوص هذا الموضوع، لا تشير من قريب أو بعيد عن زواج مقدَّس بين اللَّه ومريم، فهذه الفكرة لا تستحق إلاَّ أن تُرفَض رفضًا كليًا وجزئيًا لأنها فكرة وثنية، فاللَّه يعمل كخالق وليس كعشيق. والواضح كل الوضوح أن العهد الجديد والكنيسة لا يشيران، من قريب أو من بعيد، إلى أن علاقة الروح القدس بمريم كانت علاقة زواج على طريقة الأساطير القديمة، مثل الزواج المقدَّس. كذلك لا يوجد أي لاهوتي مسيحي جاد علّم بأن الروح القدس هو أب يسوع بحسب هذا المفهوم" (241).

 

7ــ لا يظن أحد أن نواميس الطبيعة ستقف عائقًا ضد مشيئة اللَّه وإرادته، لأن اللَّه هو الذي سنَّ هذه القوانين والنواميس الطبيعية، وهو المتحكم فيها، فلا يظن أحد أن هذه النواميس هيَ بمثابة إله آخر يُعبَد، إنما هيَ جميعها في يد اللَّه القدير، الذي قال لإبراهيم التي مات مستودعها من جهة الإنجاب: "هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ" (تك 18: 14).. اللَّه القدير الذي تجسد في شكل طفل رضيع وهو الإله الأزلي غير المحدود هل يعجز عن أن يولد من مريم العذراء بدون زرع بشر؟!!. يقول "الدكتور القس حنا جرجس الخضري": " في ملء حريته ومحبته أصبح طفلًا رضيعًا، ولكن ظل على ما كان عليه قبل أن يوجد في بطن مريم العذراء، أن اللَّه الذي ما زالت نواميس الطبيعة خاضعة له وطوع أمره وليس العكس. وبهذا السلطان وُلِد المسيح من العذراء" (242).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(238) القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد - الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى ص224.

(239) مقارنة الأديان 2 - المسيحية ص167، 168.

(240) التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص75.

(241) تاريخ الفكر المسيحي - يسوع المسيح عبر الأجيال جـ 1 ص196، 197.

(242) المرجع السابق ص190.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/187.html