St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 662- كيف نسب الله لنفسه الغيرة (خر 20: 5)؟

 

ج: 1- بعد أن نهى الله عن عبادة التماثيل والسجود لها قال الله " لأني أنا الرب إلهك إله غيور" (خر 20: 5) وقوله "لأني" توضح السبب في غيرة الله أن جبله على صورته ومثاله، وملَّكه على الخليقة.. فهل يترك الإنسان هذا الإله المحب ويعبد الأصنام والأوثان؟! كما نلاحظ في العبارة السابقة أن الله يخاطبنا الله بلغتنا البشرية الضعيفة التي ندركها، فهو يريد أن يوضح لنا أنه لا يمكن أن يسمح لأي كائن أن يشاركه الربوبية.

 

2- المقصود من الغيرة هنا ليس القلق والاضطراب والخوف من أن يأخذ أحد مكانه في الربوبية، ولكن المقصود إظهار عظم محبة الله للإنسان، وحرصه على خلاصه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وجاء في غوامض العهد القديم " لا يُخفى أن لفظة " غيرة " تحتمل معنيين متمايزين يختلف أحدهما عن الآخر اختلافًا تامًا، فالمعنى الواحد يُراد به الظن الرديء والشُبه الباطلة ثم المنافسة الناشئة عن الخوف والقلق من أن يحل أن شخص آخر محلنا في قلب من نحبه، هذا هو معنى كلمة غيرة المتبادرة إلى الذهن، وهذا ما نجل الله تعالى عن الانتساب به. أما المعنى الآخر فهو الحرص الزائد في المحافظة على الحقوق والخوف الشديد من ضياع الكرامة والدفاع عن الشرف، وهذا كل ما يراد من نسبة الغيرة إلى الله.. أنه من الضروري جدًا أن يكون الوحي الذي من الله قريبًا لإفهام البشر، ولا يمكن ذلك إلاَّ باستعمال الألفاظ البشرية.. (وهذا) مثله في ذلك مثل عالم كبير يريد مخاطبة طفل صغير.. فليس من الصواب أن يخاطبه باصطلاحات العلماء العميقة.. لذلك يضطر إلى التكلم معه بأبسط الألفاظ التي يستطيع فهمها.. وأما النقطة التي تحتاج إلى زيادة بيان وفهم فهي أنه في حين أن كلمة غيرة تحتمل أحيانًا معنى غير لائق فهي لا يُقصد بها دائمًا الشهوة الردية، لأنه يحق للرجل أن يكون غيورًا على مواهبه وعلى ما أؤتمن عليه وعلى صيته وعلى الذين يحبهم. لذلك فلا غرابة إذا نسبنا الغيرة إلى الله ونحن لا نريد بها إلاَّ كل معنى طاهر"(1).

 

3- كلمة " غيور " في اللغة العبرية " قَنْا " وتعني " أحمر قاني " حيث أن الانفعالات تؤثر على لون الوجه، مثل قولنا " أحمرَّ وجهه غيظًا " فيقول أحد رهبان دير القديس أنبا مقار " وجدير بالملاحظة أن هذا اللفظ العبري " قَنْا " لم يستعمل في الكتاب المقدَّس، إلاَّ في وصف الله، ولم يُستعمل قط في وصف الإنسان، وهو تمييز يشهد على دقة الوحي الكتابي في التعبير عن الانفعال الذي تشير إليه هذه الكلمة وكيف أنه يختلف في نوعيته عن الانفعالات البشرية"(2).

 

4- يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على هذه الغيرة فيقول " قال الله هذا لكي نتعلم شدة حبه. فلنحبه كما يحبنا هو، فقدم ذخيرة حب كهذه، فإننا إن تركناه يبقى يدعونا إليه، وإن لم نتغير يؤدبنا بغضبه، ليس من أجل التأديب في ذاته. أنظر ماذا قال في حزقيال عن المدينة محبوبته التي احتقرته: هأنذا أجمع جميع محبيك ضدك وأسلمك ليدهم فيرجمونك بالحجارة ويذبحونك فتنصرف غيرتي عنك، فاسكن ولا أغضب بعد (راجع خر 16: 37-42) ماذا يمكن أن يُقال أكثر من هذا بواسطة محب متقد احتقرته محبوبته ومع هذا يعود ويحبها مرة أخرى بحرارة؟! لقد فعل الله كل شيء لكي تحبه.."(3).

 

5- يقول العلامة أوريجانوس " يُدعى الله " إلهًا غيورًا " لأنه لا يحتمل أن ترتبط النفس التي وهبت ذاتها له بالشياطين. ولا يحتمل أن يرى النفس التي دُعي لها عريسًا وزوجًا أن تلهو مع الشياطين وتزني مع الأرواح النجسة وتتمرغ في حمأة الإثم، وإن حدثت هذه المصيبة، فعلى الأقل يريدها أن ترجع وتتوب.. إذًا الله الغيور، يبحث عنك ويشتهي أن ترتبط نفسك به ويحفظك من الخطية ويقومك ويؤدبك ويغضب عليك.. والخلاصة إن كان يستخدم تجاهك نوعًا من الغيرة فتيقن أنه بالنسبة لك هو رجاء خلاصك"(4).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) الغوامض المتعلقة بالمبادئ العمومية الأدبية الواردة في العهدين القديم والجديد جـ 1 ص 27 - 29.

(2) شرح سفر التكوين ص 458.

(3) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير سفر الخروج ص 133.

(4) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير سفر الخروج ص 134.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/662.html