St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد القديم من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

281- هل أخذ سفر التكوين تصور جنة عدن من أساطير الأولين؟

 

قال النقاد توجد أسطورتان في حضارة سومر تتحدثان عن الجنة، قد اقتبس منهم سفر التكوين، الأسطورة الأولى هي أسطورة العصر الذهبي وجاء فيها "في تلك الأيام، لم يكن هناك حية ولا عقرب ولا ضبع... لم يكن هناك أسد ولا كلب شرس ولا ذئب... لم يكن هناك خوف ولا رعب... لم يكن للإنسان من منافس... وكان العالم أجمع يعيش في انسجام تام... وبلسان واحد يسبح الكل بحمد إنليل.."(1).

أما الأسطورة الثانية فهي أسطورة دلمون، وجاء فيها "أرض دلمون مكان طاهر، أرض دلمون مكان نظيف... أرض دلمون مكان نظيف، أرض دلمون مكان مضيء... في أرض لا تنعق الغربان... ولا تصرخ الشوحة صراخها المعروف... حيث الأسد لا يفترس أحدًا... ولا الذئب ينقض على الحمل... ولا الكلب المتوحش على الجدي... ولا الخنزير البرى يلتهم الزرع... حيث لا أحد يعرف رمد العين... ولا أحد يعرف آلام الرأس... حيث لا يشتكى الرجل من الشيخوخة... ولا تشتكى المرأة من العجز... حيث لا وجود لمنشد ينوح... ولا لجوال يعول"(2).

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Adam and Even in the Garden of Eden - from "The Story of the Bible". book by Charles Foster, Drawings by F.B. Schell and others, 1873. صورة في موقع الأنبا تكلا: آدم وحواء في جنة عدن - من كتاب "قصة الإنجيل"، إصدار تشارلز فوستر، رسم ف. ب. شيل وآخرون، 1873 م.

St-Takla.org Image: Adam and Even in the Garden of Eden - from "The Story of the Bible". book by Charles Foster, Drawings by F.B. Schell and others, 1873.

صورة في موقع الأنبا تكلا: آدم وحواء في جنة عدن - من كتاب "قصة الإنجيل"، إصدار تشارلز فوستر، رسم ف. ب. شيل وآخرون، 1873 م.

ج: 1- معنى كلمة "جنة" أي بستان كبير وحدقة مزهرة، ومعنى كلمة "عدن" أي بهجة وسعادة وإن كانت أسطورة دلمون قد صورت الحيوانات المفترسة على أنها آليفة بعيدة تمامًا عن طابعها الوحشي، فإن أسطورة العصر الذهبي اختلفت معها لأنها تصورت الحيوانات المفترسة والزواحف لم يكن لها وجود في جنة عدن، ويقول الخوري بولس الفغالى "تخيلت الأساطير الأشورية جنة عدن بشكل بستان سحري كانت تعيش فيه حيوانات داجنة أليفة بعد أن أبعدت الحيوانات المفترسة، وكان الإنسان في هذه الجنة لا يعرف المرض ولا الشيخوخة"(3) والتصور الأخير لا أثر له في سفر التكوين.

 

2- هناك أساطير بابلية صورت الفردوس على أنه العيش في سلام وعدالة، وازدهار بناء المدن "وزع الإله (آيا) عدله بين المخلوقات وهكذا ساد فيها العدل وساد فيها السلام، وكان الإله (آيا) يرعى بحكمته حياة الإنسان الذي يعمل بجد للآلهة ويمجدها، وقد بنى معابد ومزارات لها. الإنسان الذي خلقه (آيا) بحكمته وريث الآلهة على الأرض، فساد الخير، وكان الابن يحترم أباه، والبنت تحترم أمها، والأخ الصغير يحترم الأخ الكبير، والجاهل يخشى العارف ويهابه. كان المرء يحجم عن الشفاهة ويكرم الصغار، وكان يظهر الاحترام جليا بين البشر، وعلم (آيا) الإنسان ضرورة الحكمة والاحترام.."(4) وواضح أن هذه الصورة لا وجود لها على الإطلاق في جنة سفر التكوين، ففي جنة عدن لم يكن هناك بشر غير آدم وحواء فقط مع حيوانات الأرض وطيور السماء، ولم يكن هناك بيوت ولا مدن.

 

3- جاء في الأساطير البابلية عن الفردوس "كان العشاق يملأون الأرض، والعدالة تسود، كان الراعي يحب حقله والفلاح يحب أرضه، ولم يكن هناك سيد وعبد، ولم يكن هناك حاكم ولا محكوم، في تلك الأيام لم يكن ما هو شرير، ولم تكن الحيوانات شريرة، ولم يكن هناك خوف ولا رعب، لم يكن للإنسان ما ينافسه"(5).

والحقيقة أن سفر التكوين لم يفصح عن الحياة في جنة عدن إلا بقدر قليل، فكيف كان يعيش الإنسان في سعادة مطلقة؟ وكيف كانت علاقته بالحيوانات والطيور؟ كيف عاش ملكًا متوجًا على الطبيعة وجميع مخلوقات الأرض..؟. ولكن ما نعرفه أنه شتان بين ما جاء في سفر التكوين، وما جاء في الأساطير من خيالات وآلهة تتزواج وتلد وتتصارع، وعشاق يملأون الأرض، لأنه لم يكن في جنة عدن غير أبونا آدم وأمنا حواء فقط، فلو أن موسى النبي أخذ من هذه الأساطير فلماذا لم يذكر هؤلاء العشاق الذين يملأون الأرض؟!

 

4- جاء تصوير الأساطير للفردوس بهذه الطريقة كرد فعل للواقع المؤلم الذي عاشه الإنسان بعد السقوط، ومازال يحياه للآن، ويقول الدكتور كارم محمود عزيز "الجنة بما تحمله من معاني الخلود والرفاهية ورغد العيش، قد وردت في القصة التوراتية وفي غيرها من قصص السقوط في العالم، كمقابل للحياة البشرية بما تحمله من معاني إفناء والشقاء، فمؤلفوا أسطورة السقوط جميعهم لم يشهدوا الجنة ورغدها. ولما كان الواقع من حولهم يقدم لهم شكلا للحياة البشرية يتسم بالفناء والكد والعناء، ولما كان المعبر إلى هذا الشكل من أشكال الحياة في تصورهم هو الخطيئة والشرور، فقد كان من الضروري اللجوء إلى الخيال الأسطوري لتصور ذلك العالم الفردوسي الأول الذي عبر عنه الإنسان بخطيئته إلى حالته تلك، فقدم لهم الخيار الأسطوري صورة مثالية لما يمكن أن تكون عليه الحياة: الخلود- النعيم- رغد العيش، وهي أشكال مغايرة بالطبع لشكل الحياة الإنسانية المعاشة"(6).

ونحن نقر قول الدكتور كارم محمود هذا بالنسبة للأساطير والخيال الفكري، أما بالنسبة لما ذكره سفر التكوين عن الحياة الفردوسية وقصة السقوط، فهذه حقائق، وإن شك فيها الدكتور كارم فليرجع إلى كتابه الذي يشهد لهذه الحقائق (سورة البقرة 35- 38).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) فراس السواح- مغامرة العقل الأولى ص 191.

(2) فراس السواح- مغامرة العقل الأولى ص 192.

(3) سفر التكوين ص 80.

(4) خزعل الماجدى- إنجيل بابل ص 116، 118.

(5) خزعل الماجدى- إنجيل بابل ص 122.

(6) أساطير التوراة الكبرى وتراث الشرق الأدنى ص 165.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/281.html

تقصير الرابط:
tak.la/pa33pbc