St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   tradition
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب التقليد والأرثوذكسية - القمص تادرس يعقوب ملطي

4- التقليد الرسولي والإنجيل

 

 إيماننا بالمسيا المخلص، أي بإنجيل الكنيسة، هو عصب تقليدنا المقدس ومركزه. في أكثر من موضع يخبر الرسول بولس شعبه أنه يسلمهم تقليد "إنجيل الخلاص" أو "كلمة الخبر" أو "عمل الله الخلاصي"، التقليد الذي تقبله من الكنيسة، إذ يقول: " وأعرفكم أيها الأخوة بالإنجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه ... فإنى سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا: إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1كو 1:15). كما يقول : "تسلمتم منا كلمة الخبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل فيكم أنتم المؤمنين ". (1تس 13:2).

 حقًا لقد تقبل الرسل "إنجيل الكنيسة"، ليس مكتوبًا على ورق بل تسلموه شفاهًا، لكي يودعوه في الكنيسة بالتقليد الشفهي كما بالكتابي أيضًا.

 في هذا يقول C. Richardson :"قامت الكرازة المسيحية على العهد القديم والتقليد الحي ليسوع، هذا الذي تناقله فم من فم. فقد كان الشعور بالشهادة الشخصية في الكنيسة الأولى قويًا للغاية. فبايباس مثلا سجل لنا تفضيله الصوت الحي الكائن فينا على الكتب ...[6]

 لقد بدأ كثير من الباحثين في الغرب يدركون هذه الحقيقة: أن التقليد لا يقف جنبًا إلى جنب مع الكلمة المكتوبة كأنهما إثنان، إنما هما شيء واحد، ما يعلنه الكتاب تسلمته الكنيسة تقليدًا شفهيًا.

 يقول F. Bruce أستاذ الدراسات النقدية للأسفار المقدسة وتفسيرها بجامعة مانشستر: "بينما يميل مسيحيو الغرب إلى إقامة الكتاب المقدس والتقليد، الواحد مقابل الآخر كما لو أن التقليد شفهي فحسب غير المكتوب، فإنه ليس ما يمنع أن يكون التقليد مكتوبًا. فقد أخذ التقليد الرسول يشكلًا مكتوبًا في حينه. وسار كتابًا يحمل سلطانًا رسوليًا على ذات المستوى، إذ هو يشجع مسيحي سالونيكى: أثبتوا وتمسكوا بالتقاليد التي تعلمتموها سواء كان بالكلام أم برسالتنا (2تس 15:2)[7].

 وجاء في قاموس وستمنستر الجديد للكتاب المقدس:

"على أي الأحوال، أستخدم هذا التعبير "التقليد" في معني حسن عن التعليم الرسولي المسلم في الكنيسة بالكلمة الشفهية أو المكتوبة[8]

يقول J.N.D. Kelly : "لهذا عادة يقصد الآباء بالتقليد التعليم الذي عهد به الرب أو رسله للكنيسة، سواء كان مسلمًا شفاهًا أو بالكتابة ...". لقد وضح هذا التعبير تمامًا في إشارة أثناسيوس[9] للتقليد الفعلي الأصيل للكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها بأنه "الأمر الذي وهبه الرب وأعلنه الرسل وحافظ عليه الآباء[10]".

حقًا، لقد استلمت الكنيسة "كلمة الله" قبل أن تستطر على ورق، وتمتعت بالبشارة المفرحة، وتفهمت بالروح القدس المعنى العميق لكلمة الله، خلال التقليد الشفهي، تسلمته ليس فقط خلال الكلمات بل أيضًا خلال طريقة الحياة. لقد قبلت حياتها قبلما أن يكون العهد الجديد مكتوبًا أكثر من عشرين عامًا. وحينما سجل الإنجيليون والرسل العهد الجديد بوحي الروح القدس، قبلته الكنيسة وكرمته وفهمته كحياة سبق لها أن عاشتها.

 هكذا الإنجيل ليس بغريب عن التقليد، لكن الأول جزء من الأخير، كلاهما يعلنان "الحق الواحد"، ويشرحان طبيعة الكنيسة.

ربما يتساءل أحدهم إن كان التقليد الشفهي قد توقف بظهور أسفار العهد الجديد. لكننا نجيب بأن الرسل أنفسهم قد ذكَّروا المؤمنين بالتقليد الشفهي حين كتبوا رسائلهم للجماعات المسيحية الأولى، إذ من خلاله يستطيعون أن ينالوا فهمًا للحق المسيحي: "إذ كان لي كثير لأكتب إليكم لم أرد أن يكون بورقٍ وحبرٍ، لأني أرجو أن آتى إليكم فمًا لفم ليكون فرحنا كاملًا" (2 يو 12).

"وكان لي كثير لأكتبه لكنني لست أريد أن أكتب إليك بحبرٍ وقلمٍ. ولكنني أرجو أن أراك عن قريب فنتكلم فمًا لفم" (3 يو 14،13).

"أما الأمور الباقية فعندما أجئ أرتبها "الكلمة اليونانية تعنى "أطقسها" " (1 كو 34:11).

"لأجل هذا تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم في كل مدينة قسوسًا" (تي 5:1).

في مواضع كثيرة يوصي الرسول بولس تلاميذه أن يحفظوا التقليد، ويودعوه أناسًا آخرين، وأن يتمسكوا بالتقاليد التي تعلموها بالكلام أو برسالته وأن يتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منه" (2 تس 6:3). كما حذرنا من كل تقليد بشري مقاوم للإيمان "حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (كو 8:2).

علاوة على هذا، ففي الكنيسة الأولى قبل البعض المسيحية في أمم كثيرة بالرغم من عدم وجود ترجمة للكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين، وبهذا لم يكن في قدراتهم أن يتعلموا الحق منها بل من التقليد الشفهي[11].

 القديس إيرنياؤس في القرن الثاني هو أول من ناقش موضوع التقليد. لقد أثار تساؤلًا مفترضًا: لو لم توجد أسفار مقدسة ماذا كان يحدث؟ إلى أي شخص نلتجئ؟ "أما كنا نلجأ إلى الكنائس الأكثر قدمًا، التي عاش فيها الرسل، ونأخذ عنها ما هو ثابت وأكيد..؟! أي بديل لذلك؟ لو أن الرسل أنفسهم لم يتركوا لنا أي كتابات، أما كنا ملتزمين أن نعتمد على تعاليم التقليد التي قدموها لأولئك الذين عهدوا إليهم بالكنائس[12]؟!".

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

التقليد يحفظ الكتاب المقدس

 الكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة الذي تسلمناه خلال التقليد الكنسي، فإنه بالتقليد قننت الأسفار المقدسة وتأكد لنا أنها الأسفار الموحى بها.

 + بالتقليد عرفت الأناجيل الأربعة، وإنها وحدها صحيحة.

العلامة أوريجينوس

 + تعلم بالجهاد ومن الكنيسة ما هي أسفار العهد القديم؟ وما هي أسفار العهد الجديد؟

القديس كيرلس الأورشليمي[13]

 + ما كنت أؤمن بالإنجيل ما لم يقنعني بذلك صوت الكنيسة الجامعة.

القديس أغسطينوس[14]

إذا حاولنا أن نحذف العوائد غير المكتوبة لأنها ليست بذات أهمية فلننتبه إلى أننا نسيء إلى البشارة في أهم أركانها، ونجعل الكرازة الإنجيلية اسمًا لغير مسمى.

القديس باسيليوس الكبير

 جدير بالذكر أن التقليد الكنسي يشهد للكتاب المقدس، وأن الكتاب المقدس نفسه هو جزء من التقليد الكنسي، هذا لن يقلل من قيمة الكتاب بكونه فريدًا التقليد يحفظ للكتاب طبيعته ككلمة الله، الإعلان الإلهي الأبدي، الموجه لا إلى الدهر الحاضر فحسب، بل وإلى الدهور المقبلة.

 

 إن كان التقليد يشهد للكتاب المقدس، لكنه ليس بالحكم عليه. على العكس إننا نتقبل التقليد متى تأسس على الكتاب، ولا يمكننا أن نقبله متى تعارض مع الكتاب[15].

 علاوة على هذا، يعطى الكتاب المقدس لكل مؤمن، لكي يختبره ويتذوقه شخصيًا مدركًا قيمته ووحيه، لكن لا يستطيع أحد بذاته أن يقرر الوحي الإلهي للكتب المقدسة وحلول الروح القدس في الكتاب، إنما هو عمل الروح القدس الحي في الكنيسة. ليس هذا بالعمل الشخصي الذي يقرره الإنسان بذاته إنما يلتزم بحكم الكنيسة[16].

 

 أخبرًا، فإن هذه العلامة الوثيقة بين الكتاب المقدس والتقليد لا تطفئ الإحساسات الشخصية نحو الكتاب المقدس، بل بالعكس يؤكد التقليد الكنسي هذا الاتجاه الشخصي، مطالبًا إيانا أن نعيش في الكتاب دون اعتزالنا الكنيسة.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

بالتقليد حفظت كلمات المسيح وأعماله:

 بالتقليد تسلمنا الأناجيل المقدسة التي تحوى أعمال السيد المسيح وكلماته، لكن ليست كل أعماله ولا كل أقواله، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. إذ يختم معلمنا يوحنا الحبيب إنجيله بقوله: "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة لست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو25:21).

 لقد سمع التلاميذ والرسل أقوالًا كثيرة، حفظوها وعاشوها، لكن لم يسجلوها بكليتها في الأناجيل، نذكر على سبيل المثال ما قاله الرسول بولس:

 "هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (1كو14:9).

 "أما المتزوجون أوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها" (1كو10:7.

 لقد تقبل الرسول بولس هذه الوصايا والأقوال الربانية عن التلاميذ والرسل الذين سمعوا الرب، وبالروح عاشوها وحفظوها وأودعوها آخرين.

 أما من جهة أعمال المسيح فإننا نجد الرسول بولس يقول: "لأنني تسلمت من الرب ما تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا أن الرب Kyrios يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزًا..." (2كو23:11). لم يستلم الرسول هذا العمل من الرب مباشرة ليلة آلامه، لكن كما يقول [17] Cullmann Oscar إن كلمة "كيريوس" هنا تشير إلى "التقليد الشفهي" الخاص بالرب يسوع. حقًا لقد تقبل الرسول رؤى وإعلانات مباشرة، لكنه تسلم هذا العمل من الرب خلال الكنيسة. والعجيب أن الليتورجيات الأولى، كتلك التي وردت في "التقليد الرسولي للقديس هيبوليتس" حملت عبارات الرسول بولس في "الرشومات" أو "قصة التأسيس"... ولعل سر هذا إن التقليد الرسولي لهيبوليتس قد عكس لنا تقليدًا عامًا في الكنيسة، عنه أخذ الرسول بولس، وعنه أيضًا أخذت الليتورجيات الرسولية جميعها.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

[6] C. Richardson: Early Christian Father, p 957

[7] F.F.Bruce, P37

[8] New Westminister Dictionary of the Bibel, p 957.

[9] Athanasius : Ad Serap. 1:28

[10] J. Kelly, p30,31.

[11] P.E. Hallett: A Catholic Dictionary, London 1951, p782.

[12] St. Irenaeus: Adv. Haer 3:4:1. J.F. Bethume – Baker: An Introduction to the Early History

 of Christian Doctrine, London 1920,p 55- 56.

[13] Catech. 4:33 N. & P.N. Frs, Series 2, vol 7, p 27.

[14] Contra Epist. Manichae quam V Cant Fundamenti 6.

حبيب جرجس: الصخرة الأرثوذكسية، القاهرة 1969، ص 125.

[15] Sergius Bulgakov: The Orthodox Church, N.Y. 1935, p 21.

[16] Ibid

[17] Scottish Journal of Theology 3 (1950), p180.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/tradition/bible.html