St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   faith-vs-allowance
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الإيمان والإباحة (أو نظرة المؤمن للدفاع عن النفس والغير والوطن في القانون المصري، وفي العهدين القديم والجديد) - القمص تادرس يعقوب ملطي، ماجد سامي سوس المحامي

11- الباب الرابع: الإيمان والإباحة في عصور ما بعد الإمبراطور قسطنطين

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

الدفاع عن النفس

بعد تحول الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية لم يعد التساؤل إن كان الاشتراك في الحرب له ما يبرره أم لا، إنما ما هي الشروط التي تتحكم في إعلان الحرب.

يقول Roland H. Bainton في مقاله "الكنيسة الأولى والحرب": [تميل الطوائف البروتستانتية إلى اعتبار العصر الأول للمسيحية كجنة عدن التي منها سقطت الكنيسة تدريجيًا. وقد صور الرافضون لاستخدام العنف قسطنطين بالحية التي أفسدت الكنيسة بتذوقها الثمرة الممنوعة للقوة السياسية والسلاح الحربي. تاريخ المسيحية الحديث في علاقته بالحرب يدعى في الحقيقة سقوط المسيحية(102).]

يوسابيوس القيصري (حوالي 260-340م)

يتطلع يوسابيوس القيصري إلى قسطنطين كوكيل الله على الأرض.

[كما أن مخلص كل البشر العام القائم بدور الراعي الصالح يواجه الوحوش المفترسة، مستخدمًا قوته الإلهية غير المنظورة قاهرًا الأرواح المتمردة التي تضرب بسهامها في الهواء وتهاجم نفوس البشر، هكذا أيضًا صديق المخلص (قسطنطين) المسلح ضد أعدائه بلواءات مُقدمة له من الأعالي من قِبل المخلص، يُخضع أعداء الحق المنظورين في المعركة ويؤدبهم(103).]

وفي حديثه عن المعركة المشهورة التي فيها غلب قسطنطين ماكسينتيوس Maxentius عند  Milvian  Bridge في 312 ق.م. يقول:

[كما أنه في أيام موسى نفسه وجنس العبرانيين خائفي الله القدامى دفع الله مركبات فرعون وفرسانه إلى البحر الأحمر وغَّرقهم هناك وغطتهم الأعماق (خر4:15-5)، هكذا أيضًا غطس مكسينتيوس في الأعماق كحجر مع جنوده وحراسه، إذ كان يقوم بدور من ينسحب من القوة الإلهية المرافقة لقسطنطين عابرًا النهر أمامه(104).]

            [جعله الله ملكًا منتصرًا دائمًا وغالبًا مجيدًا على أعدائه، لم يسمع أحد مثله في الفكر البشري. إذ هو محبوب من الله ومطوَّب بطريقة فائقة؛ كان مكرمًا وسعيد الحظ، إذ اخضع بسهولة عظيمة أممًا كثيرة أكثر من أي إمبراطور سابق له، واحتفظ بالإمبراطورية غير مصدعة حتى النهاية(105).]

يقول يوسابيوس القيصري بأن قسطنطين كان يصلي إلى السيد المسيح حليفه قبل دخول المعركة(106).

صور قسطنطين ولوسينيوس  Licinius كحليفين للقدير، إذ كانا يدافعان عن روما من الطغاة مثل مكسينتيوس ومكسيمين(107).

وضع قسطنطين علامة المسيحية  Labarumعلى أعلام الجنود لتهبهم النصرة(108)، بل ودعي الأساقفة أن يشاركوه في تحركــه، لأنه أراد الربط بين التحرك العسكري والعبادة الإلهية(109)، و"أن يحاربوا معه بصلواتهم لله(110)".

يقدم يوسابيوس القيصري حلًا لوجود اتجاهين بين المسيحيين من جهة الالتحاق بالجيش. الأول من أجل الشعب الذين يمكن أن يشتركوا في زيجات طاهرة، وحروب عادلة وأعمال مدنية، والثاني للكهنة تتطلب البتولية والفقر والتحفظ من العالم والتكريس الكامل لله(111).

مجمع آرل  Arles عام314

[الذين يلقون أسلحتهم في وقت السلام ينفصلون عن الجماعة] قانون 3.

ربما يعنى بعبارة "في وقت السلام" في غير وقت الاضطهاد، حيث يُطالب المسيحيون ألا يتركوا الخدمة العسكرية. وكما يقول Roland H. Banton(112) أن هذا الأمر اختلف في تفسيره كثير من الشرَّاح. لكن أغلب الدارسين يرون أنه لا يقصد بوقت السلام عدم دخول الجيش في حرب بل سلام الكنيسة، كما في عصر قسطنطين. أما في وقت الاضطهاد فيمكنهم ترك الخدمة لكي لا يشتركوا في تقديم الذبائح الوثنية.

يفسر البعض هذا القانون بأنه يخص وقت السلام للدولة حيث يلتزم المسيحي بالبقاء في الجيش لممارسة أعمال الشرطة مثل الحراسة وحفظ الأمن، لكن متى اشتعلت الحرب فله أن يتخلى عن ذلك حتى لا يلتزم بقتل الغير. اعتمد المفسرون هنا على مثال عملي مثل الأب مارتن أسقف تور Tours الذي عند قبوله الإيمان بقى في الجيش لمدة عامين حتى اشتعلت الحرب عندئذ ترك الخدمة، وذلك في أيام(113)   .Sulpicius Severus

إذا رجعنا إلى خطاب الإمبراطور قسطنطين كما سجله يوسابيوس(114) حيث يعلن عن الذين تركوا الخدمة العسكرية أثناء الاضطهاد (ربما في عصر دقلديانوس وغاليريوس) حتى لا يمارسوا العبادة الوثنية يمكن أن يرجعوا إلى الخدمة العسكرية في وقت السلام.

مجمع نيقية

في سنة 325م في مجمع نيقية  صدر قانون يخالف ما صدر في مجمع آرل:

[الذين استجابوا لدعوة النعمة وعبَّروا عن إيمانهم بنزع لباس العسكرية لكن بعد ذلك ككلاب عادوا إلي قيئهم عندما قدموا مالًا وهدايا لكي يعودوا إلى الجيش يلزم أن يبقوا بين الموعوظين ثلاث سنوات وبعد ذلك بين المتوسلين 10سنوات أخرى.] قانون12

يبدو أن النص يُقصد به معالجة الأمر بطريقة عامة، لكن غالبًا ما يعالج خدمة الجيش في أيام  Valerius Licinius مقاوم قسطنطين هذا الذي ترك المسيحية واضطهد الكنيسة وصار خطر الوثنية والارتداد له اعتباره في أيامه. وكأن قانون 12 يخص حالة خاصة.

قوانين هيبوليتس [عام 336-340]

          جاء في القانون 14 من هذه القوانين المنسوبة للقديس هيبوليتس لا يجوز للمسيحي أن يلتحق بالجيش بإرادته، إنما يخضع إن أُلزم بذلك. يلزم أن يكون معه سيف، لكن يلزم ألا يُؤمر بالقتل.

القديس باسيليوس (حوالي 326-379)

[لم يحسب أسلافنا القتل في الحرب جريمة قتل، بل كما أفهم سمحوا بذلك للذين يحاربون في جانبٍ من الاعتدال والتقوى. ومع ذلك حسن أن يُنصح الذين تلطخت أياديهم أن يمتنعوا عن الشركة لمدة ثلاث سنوات(115).]

            لقد رفض القديس باسيليوس أن تمتد أيدي من استخدم العنف إلى المقدسات. هذه الحساسية نجدها في المعاصر له القديس أمبروسيوس الذي يصر ألا يستخدم الكهنة العنف تحت أي ظرف.

في رسالة وجهها القديس باسيليوس إلى جندي كتب:

          [تعرفت على شخص أوضح لي أنه يمكن لمن هو في مهنة عسكرية أن يحتفظ بحب كامل لله، وأن المسيحي يلزم أن يُوصف لا بحسب الملابس التي يرتديها بل بحسب وضع نفسه(116).]

            [لا نفترض في الإنسان أنه يقتل، لكن قتل العدو في المعركة قانوني وممدوح. لذلك فالأفراد الذين يميزون أنفسهم في الحرب يُحسبون أهلًا لكرامات عظيمة(117).]

القديس أمبروسيوس أسقف ميلان (حوالي 339-397)

أقيم أسقفًا عام 374 حينما كان يشغل مركزًا عامًا ربما كان حاكمًا على ولاية Aemilia-Liguria في شمال إيطاليا، لذلك جاءت كتاباته عن استخدام العنف لأجل ممارسة العدل تمهد لما تحدث عنه القديس أغسطينوس فيما بعد بأكثر اتساع في هذا الشأن.

[الشجاعة التي تستخدم في الدفاع عن الإمبراطورية ضد البرابرة أو لحماية الضعفاء في مداخل بيوتهم أو للتحالف ضد اللصوص أمر عادل تمامًا(118).]

          تحدث عن الشجاعة في الحروب قائلًا:

[إنها تفضل الموت عن العبودية والعار(119).]

[ليس شيء يسير ضد الطبيعة مثل استخدام العنف مع آخر من أجل نفعه الخاص. تحثنا المشاعر الطبيعية بأنه يجب أن نتطلع لما هو للغير، وأن نخفف أعباء الآخر، وأن نبذل كل جهودنا لأجل نفعه. أي إنسان ينال شهرة مجيدة لنفسه إن صارع من أجل السلام الجامعي مخاطرًا بنفسه. كل واحد يعتقد أنه بالأكثر يكون ممدوحًا أن يحمي بلده من الخراب عن أن يحمي نفسه من الخطر، وأن يسلم نفسه للموت من أجل وطنه، لهو أمر أسمي من أن يقود حياة سالمة مريحة مع كل الملذات التي تحويها(120)].

            من الخطأ أن نظن أن القديس أمبروسيوس قد ختم بالموافقة على قبول المسيحية  كل الممارسات الرومانية ومبادئها متجاهلًا الوصايا الإنجيلية الخاصة بالسلام والاحتمال، فمن كلماته:

[كل هدف الفضيلة والشجاعة الجسدانية هو تأسيس السلام عندما تنتهي الحرب.]

[الشجاعة العسكرية نفسها غالبًا ما تكون ضد السلام(121).]

[غير مسموح للمسيحي أن يحجب حبه حتى عن أعدائه(122).]

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الدفاع عن النفس

          [حقًا حتى إن واجه إنسان لصًا مسلحًا لا يقدر أن يرد اللطمة باللطمة إلا في حالة دفاعه عن نفسه، وذلك في ضعف من جهة فضيلة الحب. يعالج الإنجيل هذا الوضع بطريقة واضحة تمامًا: "رد سيفك إلى مكانه، لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون" (مت52:26). من هو مكروه أكثر من اللص، المضطهد الذي اقترب من المسيح لموته. لكن المسيح الذي يبحث عن  شفاء كل أحدٍ بجراحاته لم يرد أن يحمى نفسه بإصابة مضطهديه بضرر(123).]

          في رأيه أن دفاع الإنسان عن نفسه لا يمكن قبوله لأنه حتمًا يحطم فضيلة الحب، التي تُدعى التقوى، وتوحد الإنسان مع الله، وهي أساس كل الفضائل الأخرى(124).

          الأمر مختلف عند القديس أمبروسيوس إن كان بخصوص الدفاع عن طرف ثالث مظلوم.

          [كل إنسانٍ لا يمنع الضرر عن صاحبٍ له، إن كان في وسعه ذلك، يكون مخطئًا على نفس المستوى كمن يسبب ضررًا. بهذا المبدأ أكد القديس موسى شجاعته. فإنه إذ رأى يهوديًا يؤذيه مصري دافع عن ذاك الذي من بني جنسه حتى قتل المصري وأخفاه في الرمل(125).]

          هكذا يميز القديس أمبروسيوس بين دفاع الإنسان عن نفسه، ودفاعه عن آخر.

          يميز القديس أمبروسيوس بين كراهية الشر وكراهية الأشرار:

[يلزم تفسير كلمات (مز113:119) لتعني أنه كان يكره الشر ذاته لا فاعلي الشر الذين بالرغم من أفعالهم  يمكن أن يتغيروا بالكرازة بالإنجيل(126).]

          يعتقد القديس أمبروسيوس أن يد الله كانت تعمل في جيوش الإمبراطورية. ففي عام 378م إذ كان Gratian يساعد خاله Valensضد الغوصيين الذين كانوا أريوسيين. جاء في مقاله On the Faith:

[لست أريد أن أعوقك بكلمات كثيرة أيها الإمبراطور، إذ أنت في حالة حرب ومشغول بالنصرة على البرابرة. سرْ إذن في حماية درع الإيمان، ممسكًا بسيف الروح.

          سرْ نحو النصرة التي سبق أن تُنُبأ عنها في الأيام الماضية بواسطة الكتب المقدسة. فإنه في تلك الأيام تنبأ حزقيال عن الدمار الذي نعاني منه والحروب مع الغوصيين (حز39 10-12)(127).]

            لكن إذ حدث على خلاف ما توقع القديس أمبروسيوس في بداية أسقفيته، إذ انهزم الجيش الروماني في Hadrianople قبل مجيء جراتيان Gratian وفرقه، اكتشف القديس خطأ فكره، ولم يعد يربط بين الحرب والإيمان.

          أما بالنسبة للهراطقة فقد حسب سقوط الهراطقة تحت التأديب مثل دفع غرامات و مصادرة ممتلكاتهم أمر شرعي، لكنه رفض تمامًا الحكم بإعدامهم(128).

          [عندما يحكم على مجرم بالإعدام يُعاقب الإنسان لا الخطية، عندما تُجنب الخطية جانبًا فإن المغفرة للشخص تعادل عقاب الخطية(129).]

          في عام 390م عندما ذبح ثيؤدوسيوس 7000 شخصًا في تسالونيكي ليعاقب المدينة على قتل القائد الروماني هناك. حرم القديس أمبروسيوس الإمبراطور بسبب استخدامه العنف والظلم حتى يعلن توبة علنية، فإنه في رأيه للتأديب حد لا نتجاوزه.

في الرسالة (3:25) يوضح القديس أمبروسيوس أن الرحمة أفضل من العنف، إذ نترجى دائمًا توبة المخطئين ورجوعهم. وفي موضع آخر يمنع القديس كهنته من الاشتراك في أعمال العنف للتأديب.

[الاهتمام بأمور الحرب تبدو غريبة عن نظامنا، لأننا نهتم بأمور النفس أكثر من الجسد، ونشاطنا لا يرتبط بالأسلحة بل بأعمال السلام(130).]

[على أي الأحوال لا تنتصر الكنيسة على القوى المضادة لها بواسطة أسلحة وقتية بل أسلحة الروح، القادرة في نظر الله على هدم حصون ومرتفعات الشر الروحية (راجع 2كو4:10) سلاح الكنيسة هو الإيمان، سلاحها هو الصلاة الذي يغلب المقاوم(131).]

القديس أغسطينوس (354-430م)

          لا يوجد كاتب في الكنيسة الأولى ساهَم في تطور النظرة نحو الحرب والعنف والخدمة العسكرية مثل القديس أغسطينوس الذي يدعى "مؤسس نظرية الحرب العادلة(132)"، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى.

                يمكن تلخيص نظرته في الحرب واستخدام القوة في النقاط التالية:

          أولًا: يرى أن استخدام القوة أو السلطة أمر هام لبنيان الدولة، ولحماية المجتمع من الأشرار، بل ولنمو الأبناء. فالحزم ضروري بالنسبة للملك والقاضي ورجل الشرطة وحتى للأب الصالح المملوء حبًا نحو أبنائه.

          [بالتأكيد ليس باطلًا أن لنا مؤسسات مثل قوة الملك، عقوبة الإعدام التي يحكم بها القاضي، خُطاف منفذي عقوبة الإعدام، أسلحة الجنود، عنف السادة حتى حزم الأب الصالح. كل هذه الأشياء لها وسائلها ومبرراتها ودوافعها ومنافعها. عندما يخافونهم الأشرار ينضبطون ، ويتمتع الصالحون بسلام أعظم وهم وسط الأشرار(133).]

ثانيًا: يبغي المسيحي الأمور الصالحة في المدينة الأرضية كما في المدينة السماوية. وفي رأيه أن سلام المدينة الزمنية قد لا يتحقق بدون الدخول في حرب ونوال نصرة على الأعداء المقاومين، عندئذ يحل السلام كأمر صالح. لكن هذا السلام يتحوّل إلى بؤس، أو يزيد الإنسان بؤسًا متى انشغل بالأمور الزمنية الصالحة، متجاهلًا المجد السماوي، أو حاسبًا الخيرات الزمنية أفضل من البركات الأبدية.

[لكي تبلغ أقل درجةٍ من الفائدة تطلب (المدينة الأرضية) سلامًا أرضيًا وتصارع لكي تبلغ هذا بالحرب. إن حلت النصرة واختفي مقاوموها يحل السلام الذي لا تملكه الأطراف المتحاربة حينما كانوا يتحاربون ضد بعضهم البعض في موقف مؤلم وذلك لاحتياجهم إلى أمور لم يستطع الكل أن ينالوها. هذا هو نوع السلام الذي تجلبه النصرة المجيدة كما يدعونها. حينما تحل النصرة على الذين حاربوا في قضية عادلة، من يشك أن مثل هذه النصرة يُحتفل بها. من يشك في أن السلام الناتج هو أمر مرغوب فيه. هذه البركات بدون تساؤل هبات من الله.

أما إذا كنت تتطلع بالأكثر إلى الأمور الصالحة العلوية التي هي جزء من المدينة السماوية تكون النصرة الأكيدة في سلام دائمٍ وسامٍ.

أما إذا كانت تلك الأمور الصالحة الأرضية تُشتهى بطريقة يُظن فيها أنه لا يوجد غيرها، أو تقيَّم أكثر من تلك التي نؤمن أنها الأسمى، فالبؤس يحل بالتأكيد أو يزداد البؤس الحال فعلًا(134).]

[أي شخص يتطلع نحو الشئون البشرية وإلى الطبيعة التي نشترك فيها جميعًا يدرك معي أن كل إنسان يشتهي السلام كما يطلب كل أحد الفرح. حتى الذين يختارون الحرب لا يطلبون شيئًا سوى النصرة، بهذا فإن هدفهم هو السلام المجيد خلال الحرب. لأنه ما هي النصرة إلا الغلبة على المقاومين، وإذ يحدث هذا يحل السلام. حتى هؤلاء الذين يهدفون نحو اختبار مهارتهم العسكرية بممارستهم للأوامر أو انشغالهم بمعركة، فإنهم يحاربون لأجل السلام. هكذا من الواضح أن السلام هو النهاية المرجوة من الحرب. في ذات فعل المحاربة يتمتع الإنسان بالسلام، ومن الجانب الآخر لا يصنع أحد سلامًا لكي توجد حرب(135).]

ثالثًا: إذ يدخل القائد في المعركة ضد العدو المقاوم يشتهي البلوغ إلى السلام، وإن اضطر أن يقتل فليكن بسبب الضرورة لا بشهوة داخلية للانتقام والقتل. ربما يقصد هنا أن الحرب لأجل حفظ الدولة من اعتداءات العدو، لا للرغبة في القتل ذاته وتحطيم الغير. في خطاب وجهه إلى Boniface  القائد الروماني، في عام418، كتب:

[ ليكن السلام هدفك، لتكن الحرب ضرورة حتى يحررك الله من الضرورة ويحفظك في سلام.

ليس أحد يتبع السلام لكي يثير حربًا، بل يثير حربًا لكي يبلغ سلامًا يقول الرب "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (مت9:5).

إن كان السلام هو البُعد المبهج لسعادة الإنسان الوقتية، كم بالأكثر يكون عذبًا السلام الإلهي الذي ينتمي لسعادة الملائكة الأبدية؟!

هكذا ليكن بسبب الضرورة لا بشهوة فيك أن تقتل العدو المحارب ضدك.(136)]

          رابعًا: إن كانت الحرب تتم تحت ضرورة، فإنه إن وُجدت وسائل سلمية وأمكن تحقيق تعهدات وتحالفات فإن هذا يُحسب أمرًا مجيدًا. كتب رسالة إلى داريوس السفير المبعوث إلى شمال إفريقيا في شتاء 9/428 للدخول في حوار وتحقيق اتفاقيات بين المحكمة الملكية وجماعة ثائرة يقودها Boniface:       

          [منع الحرب بالحوار وطلب السلام وبلوغه بوسائل أكثر مجدًا من بلوغه بالحرب وقتل الناس بالسيف.

إن كان الذين ينشغلون بالصراع هم صالحين بلا شك إن كانوا يجاهدون من أجل السلام لكنهم يفعلون ذلك بسفك الدماء. فمهمتك هي أن تمنع سفك الدماء. هذه هي سمتك الصالحة التي على خلاف الآخرين الذين يطلبون القتل(137).]

          إذ رأى القديس أغسطينوس جيوش الوانداليين Vandal المخربة لروما قد عبرت في آخر أيامه إلى شمال أفريقيا تمررت نفسه بسبب سفك الدماء. فكتب ليوضح أنه حتى أن وُجد القائد الحكيم نفسه ملتزمًا بأن يدخل في حرب عادلة بسبب ظلم الغير، فإنه يدخلها وهو مرّ النفس، لأن قلبه لن يجد سعادة في قتل الناس بل حزنًا. القائد الذي يدخل الحرب ويتهلل بقتل الغير ولو كان في حرب عادلة هو إنسان بائس لأنه يحمل قلبًا بلا مشاعر آدمية. هذا ما سجله في كتاب "مدينة الله".

          [ما لم تكن الحروب عادلة لا يريد أن يثيرها (الرجل الحكيم)، بل وفي مثل هذه الظروف لا يريد أن ينشغل في الحرب نهائيًا. إنه خطأ الجانب الآخر هو الذي يُلزم الحكيم أن يثير حروبًا عادلة، وحتى إن كانت هذه الأخطاء تثير صراعات لا يمكن تجنبها فإنها تسبب حزنًا، لأن الإنسان مسئول عنها. ليحزن كل شخص عندما يفكر في الصدمة الحقيقية والشرور القاسية التي تحدث هنا، وليعرف حاله البائس. كل إنسان يدخل في هذه الأمور أو يفكر فيها بدون حزن في قلبه فإنه بالحق بائس بالأكثر عندما يظن إنه سعيد، لأنه لا يحمل مشاعر إنسانية(138).]

          خامسًا: وإن كان القديس أغسطينوس يميز بين الحروب العادلة والحروب الظالمة، إلا إنه يرى أنه بسبب الخطية توجد الأفعال الظالمة للغير ويلتزم الحكيم بإثارة الحرب أو الدخول فيها. الخطية ليست من جانب واحد بل من الجانبين مثير الحرب والملتزم بالدخول .الأول يخطئ بممارسته الظلم، والثاني يدخل في الحروب كتأديب إلهي عن خطايا ارتكبها.

[إنه لأمر رديء للصالحين أن يكونوا تحت إصبع صانعي الشر(139).]

          سادسًا: حتى إن كانت الحرب ضرورة يلتزم بها الحكيم ليصد أعمال الشر من جانب الآخر، فإنه إن انتصر لا يفتخر لأنه عمل صلاحًا، لأنه كان الأفضل لو عولج الأمر بدون سفك دم.

[لا يقل لي أحد: "هذا الإنسان أو ذاك لأنه حارب مع هذا وذاك وغلب(140).]

St-Takla.org Image: Offertory dish with The Head of Saint John the Baptist, unknown artist, 1500, Embossed, chased, engraved and gilded copper, acquired on 1897 (photo 1) - Palazzo Madama e Casaforte degli Acaja, Turin (Torino), Italy. It was a Roman gate at the 1st century, and later expanded to a castle by House of Savoy at the 14th century. - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 9, 2014. صورة في موقع الأنبا تكلا: طبق تقديم الذبيحة عليه رأس القديس يوحنا المعمدان، لفنان غير معروف، 1500 م.، مزخرف ومرصع ومنقوش ومطلي بالنحاس، استحواذ سنة 1897 (صورة 1) - صور قصر مدام: قصر المدام (بالازو ماداما) ومنزل أكاجا ومتحف الآثار القديمة، تورينو (تورين)، إيطاليا. والمنطقة كان بها بوابة رومانية من القرن الأول، تم توسعتها إلى قصر من قبل بين سافوي (آل سافوي) في القرن الرابع عشر. - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 9 أكتوبر 2014.

St-Takla.org Image: Offertory dish with The Head of Saint John the Baptist, unknown artist, 1500, Embossed, chased, engraved and gilded copper, acquired on 1897 (photo 1) - Palazzo Madama e Casaforte degli Acaja, Turin (Torino), Italy. It was a Roman gate at the 1st century, and later expanded to a castle by House of Savoy at the 14th century. - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 9, 2014.

صورة في موقع الأنبا تكلا: طبق تقديم الذبيحة عليه رأس القديس يوحنا المعمدان، لفنان غير معروف، 1500 م.، مزخرف ومرصع ومنقوش ومطلي بالنحاس، استحواذ سنة 1897 (صورة 1) - صور قصر مدام: قصر المدام (بالازو ماداما) ومنزل أكاجا ومتحف الآثار القديمة، تورينو (تورين)، إيطاليا. والمنطقة كان بها بوابة رومانية من القرن الأول، تم توسعتها إلى قصر من قبل بين سافوي (آل سافوي) في القرن الرابع عشر. - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 9 أكتوبر 2014.

          سابعًا: الحروب ضرورة في كل العصور.

          مع حديث القديس أغسطينوس عن بركات السلام ومرارة الصراعات والحروب الأهلية والخارجية يتساءل في إحدى رسائله (35:10:199) إن كان قد وُجد وقتٌ ما لم يعانِ منه العالم من الحروب في موضع أو آخر. وجاءت إجابته في كتاب "مدينة الله"، بأن هذا يتحقق بالتمتع برؤية الله مصدر السلام وجهًا لوجه في أورشليم العليا، في الحياة الأبدية.

          [الموضع الذي وُعد به بهذا النوع من السلام والأمان هو المسكن الأبدي. لقد تهيأت للنفوس الأبدية في أورشليم الأم الحرة، حيث يسكن شعب إسرائيل في المعنى الحقيقي للكلمة، لأن كلمة "إسرائيل" تعني "رؤية الله"(141).]

          ثامنًا: الواجب العسكري لا يفقد المؤمن صلاحه.

          [إنه ليس الواجب العسكري بل حقد القلب هو الذي يعوق عمل الصلاح(142).]

تاسعًا: إذ تشكك القائد الروماني Boniface  في خلاصه بسبب أتباع ماني الذين حسبوا الالتحاق بالجيش يضاد الإيمان قدم له القديس أغسطينوس أمثلة من العهدين القديم والجديد مثل موسى النبي وداود الملك وقائد المائة (مت5:8-13)، وكرنيليوس في سفر أعمال الرسل (ص10)، والجنود الذين جاءوا إلى القديس يوحنا المعمدان (لو14:3)، هؤلاء جميعًا لم يكن في ذهنهم قط الامتناع عن استخدام القوة للدفاع كما ظن ترتليان.

[لا تظن أنه يستحيل على شخصٍ أن يخدم الله وهو يمارس واجبه في الجيش.

القديس داود الذي سرّ الله به كان رجل حرب، وكان صالحًا أكثر من كثيرين من الأبرار في عصره.

نفس الحقيقة بالنسبة لقائد المائة الذي قال للرب: "لست مستحقًا أن تدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة فقط فيبرأ غلامي".

نفس الأمر بالنسبة لكرنيليوس الذي أُرسل له ملاك من قبل الله يقول: "يا كرنيليوس صدقاتك مقبولة وصلواتك مستجابة"، وأيضًا لدينا الرجال الذين جاءوا ليعتمدوا من يوحنا القديس السابق للرب وصديق الموعود به، رجل أشار إليه الرب نفسه: "ليس من بين مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان". عندما سأل هؤلاء الرجال يوحنا ماذا يجب أن يفعلوا أجاب: "لا تظلموا أحدًا، ولا تشوا بأحد، واكتفوا بعلائفكم". بقوله أنهم يكتفوا بأجرتهم بالتأكيد لم يخبرهم أنهم لا يقدرون أن يبقوا كجنودٍ(143).]

عاشرًا: القتل بأمرٍ إلهيٍ أو كتنفيذٍ للقانون

لقد وُجدت الوصية الإلهية: "لا تقتل". وفي نظر القديس أغسطينوس (القرن الرابع/الخامس) أن لهذه الوصية استثناءات، مثل أمر الله بالقتل كتحقيق للعدالة الإلهية أو للتأديب. وأيضًا حينما يصدر القاضي حكمًا بالإعدام منفذًا القانون في عدالة، أو من يقوم بالتنفيذ. وهكذا عندما يقرر رئيس دولة القيام بالحرب لأجل الدفاع عن وطنه، فإن القائد أو الجندي إذ يطيع الرئيس لا يُحسب قاتلًا.

[القانون الإلهي الذي تحدثنا عنه قبلًا يضع بعض الاستثناءات للقاعدة التي تمنع القتل، وتضم قائمة الاستثناءات بعض الأشخاص الذين أمر الرب، سواء في الناموس أو بالأمر الصريح أن يُقتلوا. وأي شخص يُفوَّض من قبل الرب لتنفيذ ذلك لا يُعتبر قاتلًا لأنه مجرد مثل السيف في يد  من يستخدمه.

هكذا هؤلاء الذين قاتلوا في حروب الرب بناءً على أوامره أو الذين دفعوا بالمجرمين إلى الموت بصفتهم الرسمية كممثلي الدولة لتنفيذ القوانين بعد محاكمتهم محاكمة عادلة، كل هؤلاء لم يكسروا الوصية التي تقول: "لا تقتل".

إذ أنه فيما عدا تلك المواقف التي تعيِّنها الوصية الإلهية -لأن الله هو مصدر كل عدل- أو تلك التي يحتِّمها القانون المتّبع يعتبر كل من يقتل نفسه أو يقتل غيره مذنبًا بجريمة القتل(144).]

[يختلف الأمر كثيرًا لأي أسباب أو تحت أي سلطة يشن البعض الحروب، لأن الترتيب الطبيعي للأمور التي تهدف إلى سلام البشرية يتطلب أن تكون سلطة اتخاذ قرار الحرب والتخطيط لها في يد  رئيس الدولة. وبالتالي يجب على الجنود بدورهم، لأجل الحفاظ إلى السلام والأمن، أن يقاتلوا في الحرب التي تقرر قيامها(145).]

[إذا قام جنديٌ بقتل عدوه طاعة لأوامر رؤسائه الشرعيين، لن يحاكمه أي قانون بتهمة القتل، بل على العكس فإنه إن لم يفعل ذلك حوكم بتهمة العصيان والتقصير في القيام بالواجب. لكنه، على الجانب الآخر، إذا قام بقتل أحدٍ بناءً على قراره الشخصي وبملء إرادته يرتكب بذلك جريمة قتل. يُعاقب على هذا الفعل الذي إذا قام به بإرادته، بينما يعاقب إن أهمل في القيام بذات الفعل بأمر الآخرين(146).]

[أنا لا أستحسن أن يقتل أحد الآخر مخافة أن يُقتل هو نفسه إلا إذا كان جنديًا أو يحتل وظيفة رسمية، لأنه بذلك لا يتصرف بناءً على إرادته بل من أجل الآخرين أو من أجل الوطن الذي يحيا فيه، بشرط أن تكون له السلطة الشرعية للقيام بهذا وأن يتصرف وفقًا لمركزه(147).]

القديس يوحنا كاسيان

ورد في كتابه "المؤسسات"، الكتاب الرابع عن جاحدي العالم (الحياة العامة والفضائل اللائقة بها)، الفصل 23 أنه إذ يكتب لتدريب الذين يجحدون هذا العالم، يقول أن الراهب يبدأ بالاتضاع الحقيقي والطاعة الكاملة حتى يصعد إلى مرتفعات الفضائل الأخرى أيضًا، وقد وجد من اللازم تقديم عينات قليلة لتصرفات بعض الشيوخ الذين سموا في هذه الفضيلة. المثل الأول في ذلك هو الأب يوحنا الذي عاش بجوار ليكوبوليس (أسيوط) في منطقة طيبة والذي بلغ إلى درجة النبوة من أجل طاعته العجيبة، وصارت له شهرة حتى بين ملوك هذا العالم، فإن الإمبراطور ثيؤدوسيوس لم يكن يجسر أن يعلن الحرب ضد الطغاة الأقوياء جدًا دون تشجيع كلمات هذا الأب، واثقًا أنها صادرة كما من السماء فينال نصرات على أعدائه في المعارك التي تبدو لا رجاء فيها.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(101) Juluis the Verteran, 1:4-3:5.

(102)  Everett  Ferguson: Studies in Early Christianity, vol. 16, p. 190.

(103) In Praise of constantine 2:3.

(104) Ecclesiastical History 9:9:5-8(cf. Life of Constantine 1:49).

(105) Life of Constantine 1:64.

(106) E.H.9:9:2.

(107) E.H. 9:9:1-2.

(108) Life of Constantine 2:7; 4:21.

(109) Life of Constantine 4:56:2.

(110) Ibid. 4:56:3.

(111) Demonstratio Evangelica 1:8:29-30.

(112) Studies in Early Christianity, vol. 16, p. 204.

(113) Vita Martini 1:1-4.

(114)  H.E.2:33.

(115) Letter 188:13.

(116) Letter 106.

(117) St. Basil: Letter to Amun. PG 26:1173 (Before 356).

(118) On the Duties of the Clergy 1:27:129.

(119) On the Duties of the Clergy 1:41:201.

(120) On the Duties of the Clergy 3:3:23.

(121) Discourse on Psalm 118:21,17.

(122) Discourse on Psalm 118:12:51.

(123) On the Duties of the Clergy 3:4:27.

(124) Discourse on Ps. 118:18:45; On Ps. 36:37.

(125) On the Duties of the Clergy 1:36:178.

(126) On  Ps. 15:22.

(127) On the Faith 2:16:136-143.

(128)  Letter  24:12 ; 26:3.

(129) Letter 26:20.

(130) On the Duties of the Clergy 1:35:175.

(131) On Widows, 8:49.

(132)  Louis J.Swift: The Early Fathers on War and Military Service (Message of the Fathers of the Church, 19), Delaware 1983, p. 40.

(133)  Letter 153:6:16.

(134)  City of God 15:4.

(135)  City of God 19:12.

(136)  Letter 189:6.

(137)  Letter 229:2.

(138)  City of God 19:7.

(139)  City of God 4:15.

(140)  City of God 3:14.

(141)  City of God 17:13.

(142)  Sermon 302:15.

(143)  Letter 189:4.

(144) City of God 1.21;cf. Against Faustus 22.70.

(145) Against Faustus 22.75.

(146) City of God 1.26.

(147) Letter 47.5.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/faith-vs-allowance/after-constantine.html