St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   chrysostom
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

القديس يوحنا ذهبي الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته) - القمص تادرس يعقوب ملطي

1- الكنيسة في حياة الذهبي الفم

 

يرسم لنا هذا الأب -بسيرته وعظاته وكتاباته- أيقونة حية لحياة الكنيسة، تكشف لنا عن سرّ حياة الكنيسة التي لا يحصرها زمان، ولا يطويها تاريخ.

بمعنى آخر، أود أن أقف معك في هذا الكتاب لا لنتابع أحداثًا خارجية، عاشها القديس أو عاشتها الكنيسة في أيامه، انتهت وعبرت. ولا لندرس عظات وكتابات نطق بها لسانه أو سجلها لنا قلمه، بل لننطلق سويًا بالروح القدس إلى أعماق كنيسة المسيح، نتعرف على سرّ حياتها، ونقبل سماتها الحية فينا!

ففي سيرته نختبر الكنيسة السماوية المتهللة، المعاشة على الأرض وسط الآلام. فقد أحب يوحنا الحياة الملائكية، وعشق البتولية، ومارس التسبيح والترنيم، وانطلقت نفسه من يومٍ إلى يومٍ نحو الأبديات. لكنه في هذا كله لم يتجاهل واقعه، كإنسان يحمل جسدًا، ويسكن على الأرض بين البشر، لذا مارس إيمانه بالأبدية خلال واقع عملي، سواء في بيت أمه، أو ديره أو وحدته أو في دار الأسقفية ككاهنٍ أو أسقفٍ، على منبره وسط استحسان الجماهير، أو في منفاه.

St-Takla.org Image: Saint John Chrysostom, Patriarch of Constantinople, stained glass صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا ذهبي الفم، بطريرك القسطنطينية، زجاج معشق

St-Takla.org Image: Saint John Chrysostom, Patriarch of Constantinople, stained glass

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا ذهبي الفم، بطريرك القسطنطينية، زجاج معشق

انعكس ذلك على كرازته، فقد جاءت عظاته إنجيلية، وستجد المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى. في بلاغة أسلوبه، غالبًا ما يقدم لنا تفسيرًا واضحًا وبسيطًا للكتاب المقدس، يحمل المسحة الروحية السماوية، مطبقًا ذلك في الحياة العملية، متعرضًا للمشاكل الواقعية، مطالبًا سامعيه بالسلوك العملي في المسيح يسوع. فهو ليس بالواعظ الذي يسحب سامعيه إلى تأملات عقلية كثيرة، ولا يدخل بهم إلى تفاسير رمزية مبالغ فيها، ولا يحدثهم بفكرٍ فلسفيٍ عميقٍ، ولا يكلمهم بمصطلحات لاهوتية صعبة، ولا يشغل ذهنهم بمناقشات وجدال كثير مع الهراطقة، لكنه يصب كل همه في الدخول بهم إلى الإنجيل العملي، تسندهم نعمة الله الغنية.

أما عن عظاته فقد دعَّم فمه الذهبي بحياته الذهبية، فكان له قلب ناري وروح لا يهدأ، يحب خلاص النفس في غير حدود، مقدمًا حياته -بروح الكنيسة الكارزة- مبذولة من أجل كل أحدٍ. لقد انطلق بالكرازة يبعث في كل مؤمنٍ روح الكرازة والخدمة، مؤمنًا أن كل مسيحي في ممارسته لمسيحيته لابد وأن يكون خادمًا للنفوس.

كشف لنا يوحنا في رعايته روح الكنيسة التعبدية، لا يلهيه ازدحام الجماهير وتدفقهم لسماع عظاته عن النحيب عليهم من أجل قداستهم، ومطالبتهم بالروح التعبدية الهادئة المقدسة ليمارس المؤمنون حياتهم الكنسية السرائرية بخوف ورعدة!

لقد درب شعبه على حياة "الشركة مع القديسين"، يحتفل معهم بأعياد الشهداء مرتين أو ثلاث مرات كل أسبوع، يذكر عمل الله في حياتهم ويطلب صلواتهم. كما كان يلذ له أن يقرأ رسائل الطوباوي بولس في هذه التذكارات، حتى قال عنه: "استولت عليَّ لذة سماع ذلك البوق الروحي (بولس الرسول)... إني أعرف صوت صديقي، ويكاد يخيل إليَّ أني أراه أمامي، وأسمع خطابه."

هكذا في حياة الذهبي الفم نرى الكنيسة متلألئة، تحمل طلقات نامية في العبادة والكرازة. لكنها أيضًا كنيسة متألمة ومجروحة، يحاول الهراطقة والوثنيون صلبها، كما يتعرض أولادها للضعفات!(1)

تكشف لنا حياته جانبًا هامًا من جوانب "الكنيسة الحية" هو "وحدتها"، فقد هاجم الذهبي الفم بطريق أو بآخر ثنائية الغنوسيين، الذين احتقروا المادة وخاصموا الجسد. وأعلن الذهبي الفم الكنيسة بكونها كنيسة مؤمنين يعيشون علي الأرض بأجسادهم.

كما حطم الذهبي الفم كل ثنائية في الحياة الكنسية، ليس هناك حياة تأملية وأخرى عاملة، ولا حياة رهبانية وأخرى كارزة، لكنها حياة واحدة.

أحب الرهبنة وعشق الوحدة وسعى إليها، لكن في غير اعتزال قلبه للبشرية، أو تضييق أحشائه عن حملها. دخل الوحدة لا العزلة، ممارسًا "وحدة مع الله" لا "عزلة عن الناس". وعندما دعي للخدمة لم يبكِ وحدته، بل نقل معه في قلبه روح الوحدة والنسك خلال بذله في الخدمة. وعندما اُستبعد إلى المنفى نقل معه في غربته رهبنته الداخلية وكرازته!

هذه لمحات سريعة أرجو أن نتلمسها في دراستنا هذه، لكي نعيشها ونحياها، فنبدأ بسيرته، ثم منهجه وأفكاره الكنسية واللاهوتية، وأخيرًا كتاباته.

 

المؤلف

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) كثيرون في عرضهم لسير القديسين يخفون ضعفاتهم أو يحاولون تبريرهم، مع أننا لا نؤمن بالعصمة من الخطأ. على العكس فإن كشف ضعفاتهم لا يقلل من كرامتهم، بل يعطى للنفوس الضعيفة رجاء وقوة للجهاد. هذا ما انتهجه الكتاب المقدس في عرضه لسير الآباء والأنبياء والرسل.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/fr-tadros-malaty/chrysostom/eklisia.html