1- وبعد أن قال "ليس للمرأة سلطان على جسدها" تابع فقال: "لا يسلب(58) أحدكم الآخر، إلا أن يكون على موافقته إلى حين لكي تتفرغوا للصوم والصلاة ثم تجتمعوا معًا. هنا كثيرون من بين الذين اعتنقوا البتولية يخجلون ولربما تضايقوا للتساهل الكبير الذي أبداه بولس الرسول هنا، ولكن لا تخافوا ولا داعي للغباء!(59)
فما من شك أنه للوهلة الأولى يبدو وكان هذا الكلام لصالح المتزوجين، ولكن الفحص الدقيق يُظهر أن هذه الكلمات تتماشى مع نفس الخط السابق الذي انتهجه بولس الرسول. من يفحص في عجالة هذه الكلمات ببساطة وهي مقتطعة عن بقية النص تظهر له هذه الكلمات وكأنها بالأولى تناسب وسيطة زواج (أي الخاطبة) وليس رسولًا، ولكن من يريد أن يستخلص جيدًا المعنى من مجمل النص سيلاحظ كيف أن هذا التعليم موافق لكرامة الرسول.
![]() |
لماذا يعود بولس الرسول مجددًا لهذا الموضوع؟ ألم تكن الكلمات السابقة كافية لتشرح فكره وهو موفور الكرامة ويكون إرشاده في نطاق محدود؟ ماذا أضافت زيادة على الصيغ "ليوف الرجل المرأة حقها الواجب"، أو أيضًا "ليس للرجل سلطان على جسده". ما الجديد الذي أضافته هذه الكلمات "لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون على موافقة إلى حين"، بدون شك لم تضف شيئًا، ولكن ما قاله هناك بطريقة مختصرة ومستورة وضحه هنا وشرحه.
2- وهو بتصرفه هكذا يتشبه بقديس الله صموئيل النبي الذي بحزم جازم أعلن للشعب قضاء الملكية ليس كأنه شيئًا مقبولًا ولكن كشيء بغيض بالنسبة له(60). ومن الواضح أنه كان يكلّمهم بطريقة هي في حقيقتها محاولة لإثنائهم عن رغبتهم التي في غير محلها، وبنفس الطريقة يسعى بولس الرسول بكل مثابرة وبمنتهى الوضوح ويشدد على آذاننا بطغيان الزواج ويبتغي من خلال كلماته أن ينجي سامعيه منه. فعندما يقول "ليس للمرأة تسلط على جسدها" يضيف "لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون بموافقة لكي تتفرغوا للصوم والصلاة". ألا ترى وكأنه على غير علمهم ودون أن يخدعهم يقتاد المتزوجين لممارسة البتولية (الأوقع ضبط النفس)؟ ففي البداية يمدح البتولية ببساطة قائلًا "إنه حسن للرجل ألا يمس امرأة" وهنا يضيف هذه الكلمات "لا يسلب أحدكم الآخر إلا أن يكون بموافقة".
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
3- ولماذا أيضًا اتخذت كلماته صيغة الحث والحض وليس صيغة الأمر؟ لأنه لم يقل "اسلبوا أحدكم الآخر ولكن باتفاق لتتفرغوا للصلاة": ولكنه قال "لا تسلبوا أحدكم الآخر، إلا أن يكون باتفاق".
لأن هذه الطريقة من التعبير أخف ثقلًا وهي تُظهر بطريقة أحسن فكر السيد (الرب)، لأنه لم يطالب بشدة بمثل هذا المسلك الذي أعطاه، خصوصًا وأن إنجاز هذه النصيحة يتطلب مستوى روحي عالي. وهو ليس بهذه الطريقة فقط يشجع سامعيه، ولكنه أيضًا يتكلم باختصار عن المواقف والوصايا الصعبة، وقبل أن ينفّر منه سامعيه، يعود إلى موضوع أكثر قبول ويؤجل ويرجئ بالأولى هذا الموضوع.
_____
(58) يوجد كثير من الرجال والسيدات الذين يجهلون وصية بولس الرسول للمتزوجين بأن جسد الزوج هو ملك للزوجة وجسد الزوجة هو ملك للزوج، فيمنع نفسه عن الطرف الآخر وبذلك يدفعه إلى علاقات جنسية فاضحة، وهذا الطرف الممتنع سيُدان عن زنا الطرف الآخر. وأحيانًا يكون أحد الطرفين لديه رغبة جنسية طاغية، فإن مانع الطرف الآخر -مع أن جسده ليس ملك له بل للطرف الآخر وذلك بحسب الوصية- فهذه خطية، وإن كان الطرف الذي لديه رغبة جنسية يخجل من كثرة الصد، ربما يلتجأ إلى علاقات جنسية محرمة أو غير شرعية، لذلك يلزم للطرف الآخر أن يسهّل ويسرع من تلقاء نفسه إلى طلب هذا اللقاء من تلقاء نفسه ليحمي الطرف الآخر من الزنا بكافة أشكاله.
(60) فعلًا موضوع الملكية كان شيء غير مقبول أمام الله حين طلب إسرائيل هذا الأمر والله اعتبر أن الرفض ليس لصموئيل بل له هو شخصيًا، ولكن الأمر مختلف هنا، فالزواج تشريع من الله ومقبول منه.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-virginity/exhortation.html
تقصير الرابط:
tak.la/m6psty6