![]() |
1- ولماذا الكلام عن مريم؟ أولئك الأطفال الذين كانوا يلعبون عند أبواب بيت لحم لمجرد أنهم قالوا فقط لأليشع النبي "اصعد يا أقرع" أثاروا غضب الله لدرجة أنه أطلق عليهم الدببة فقتلوهم ومزقوهم عن آخرهم (2مل 2: 23)، ولم يشفع في هؤلاء الصغار، لا حداثة سنهم ولا عددهم ولا كونهم يمزحون، بل نالوا العقوبة التي يستحقونها. لأنه لو أن الرجال الموكول لهم بمهمات عظيمة صاروا هدفًا لسخرية الصغار والكبار، فأي نفس ضعيفة البنية تقبل وتختار القيام بمهمات تعرضها للسخرية والهزء (حرفيًا الضحك)؟ أي مسيحي عادي يستطيع أن يضع همته ونشاطه في بلوغ فضيلة إن رآها تجلب عليه السخرية؟
2- ونحن اليوم نرى العالم كله يُبدي إعجابه بالبتولية، ليس فقط الذين يعيشونها بل حتى الذين سقطوا عن تلك الرتبة(55). فإن كان كثير من الناس مترددين ويقتلون الفكر بحثًا في تلك الجهود المضنية التي تتطلبها البتولية، فمن يقبل بسهولة أن يحتضنها، وبدلًا من أن يجد نفسه موضع إعجاب، يرى نفسه هدفًا للاستهزاء العام؟
إن الرجال الأقوياء الذين عاينوا السماويات ليسوا بحاجة للتشجيع من الجموع ويكفيهم كتشجيع لهم المدح من الله، ولكن الضعفاء الذين يقبلون على مثل هذه الحياة يجدون في الرأي العام المشجع لمثل هذه الفضيلة عونًا إضافيًا يستمدون منه قوة تأخذ بيدهم شيئًا فشيئًا حتى يثبتوا أقدامهم في طريقها.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
3- وليس هذا فقط من أجل الضعفاء، ولكن أيضًا من أجل خلاص المزدرين بالبتولية قد تمت مثل هذه الأحداث. وهكذا لن يستطيعوا التقدم كثيرًا في طريق الشر القائم على عدم القصاص من أخطائهم الأولى، ولكن الآن وأثناء كتابة هذه الكلمات تداعى إلى ذاكرتي تاريخ إيليا فالمصير الذي أدرك الأطفال بسبب أليشع، أصاب أيضًا فرقتين من الجند بالنار التي نزلت من السماء وأكلتهما مع رئيسيهما بسبب إيليا معلمه، لأن هؤلاء الرجال بوقاحة عظيمة جاءوا إلى إيليا لاستجواب البار، أصدروا إليه أمرًا بالنزول إليهم، وبدلًا من نزوله إليهم نزلت عليهم نار من السماء والتهمتهم مثل الحيوانات المفترسة التي أكلت الأطفال.
4- فلتتأملوا في هذا أنتم كلكم يا أعداء البتولية وضعوا بابًا وحاجزًا على أفواهكم لئلا تقولوا أيضًا بحسرة في يوم الدينونة عندما تقع أبصاركم على أولئك الذين كستهم البتولية ببهاء فائق من النور: هوذا الذين كانوا في السابق موضع سخريتنا وهدفًا لتهكمنا. يا للغباء (الذي وقعنا فيه) نحن كنا ننظر حياتهم كدرب من الجنون ونهايتهم كعار وخزي، فكيف يُحسبون الآن بين أبناء الله؟ وكيف صارت لهم شركة مع القديسين؟ لقد ضللنا بعيدًا عن طريق الحق ونور البر لم يسطع لنا، ولكن بماذا تفيدنا هذه الكلمات حينئذ وقد ضاع وانتهى وقت التوبة، والندم في مثل هذه الظروف ما جدواه؟
_____
(55) ما من شك إنه هنا يقصد ثيئودور الذي أرسل إليه القديس يوحنا فم الذهب رسالتين بعد سقوطه.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-virginity/elisha-children.html
تقصير الرابط:
tak.la/tns33r8