![]() |
1- كيف إذن خطر ببال أهل كورنثوس أن يُطرح هذا الموضوع للسؤال؟ لقد تفهموا بقدر من أنه يصح بل يجب عليهم أن يدركوا درجة عالية من الفضيلة من حيث كونهم وُهبوا عطية عظيمة. وهنا يجدر بنا أن نتساءل: لماذا لم يقدم لهم من قبل الرسول مثل هذه النصيحة؟ لو كانوا قد سمعوا عنها كلامًا مشابهًا من قبل لما استدعى الأمر أن يكتبوا له من جديد بخصوص هذا الموضوع.
وبالحق فهنا أيضًا نستطيع أن نرى عمق حكمة بولس الرسول، فهو ليس اعتباطًا ولا بدون سبب تحاشى أن يحدثهم عن هذا الموضوع، بل انتظر حتى وجد الرغبة في المتقدمين (روحيًا) والذين لمّحوا لهذا الموضوع فيتحادث إلى نفوس توّاقة لفكرة البتولية، فيستطيع حينئذ الاستفادة بأن يلقي فيهم (في قلوبهم) بذار كلماته، والدوافع الطيبة لمستمعيه ستعطي لنصحه فرصة عظيمة لتقبله. ومن ناحية أخرى فالرسول أراد إظهار عظمة وجلال تلك الموهبة (لذلك انتظر حتى بدأوا هم بالسؤال).
2- وبالمقابل لم ينتظر تحركهم العام العشوائي، بل بنفسه أخذ السبق، ليس في صيغة أمر أو وصية، ولكن على الأقل في هيئة تحريض ونصح. وبينما رفض أن يكون هو المبادر للكلام عنها، فقد أظهر لنا بجلاء واضح كيف أن البتولية تتطلب جهودًا جبارة وجهادًا شديدًا. وهنا أيضًا نجده في تصرفه هكذا يتشبه بربنا في كل شيء، لأن الرب لم يتكلم عن البتولية إلا عندما سأله تلاميذه.
3- عندما قالوا له: "إن كان هكذا حال الرجل مع المرأة فمن الأفضل عدم الزواج"، فأجاب "يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات" (مت 19: 10). إن كان فيما يختص بعمل حسن وفضيلة أيً كانت، لم يعطها الصفة الإلزامية كوصية، بل ينتظر الدوافع الحسنة لمن يود أن يعملها، وبطريقة أخرى ودون أن يتشككوا، فهو يعد قلوبهم وأرواحهم لكي يريدوها.
وهذا هو بالضبط سلوك المسيح، فهو لم يكلمهم عن البتولية، ولكن يلهمهم محبة البتولية. فهو لم يحدثهم إلا عن الزواج مبينًا لهم مصاعبه ولم يزد في الكلام. وهذه طريقة مملوءة حكمة، والتلاميذ وإن كانوا لم يسمعوا شيئًا عن الامتناع عن الزواج، فهم قالوا من تلقاء ذواتهم: إنه من الأصلح عدم الزواج.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
4- ولهذا السبب فبولس الذي بدوره يتشبه بالمسيح يقول: "بالنسبة للأمور التي كتبتم لي عنها"وكأنه بهذه الطريقة يبرر نفسه في أعينهم ويقول لهم: "بالنسبة لي أنا لا أجرؤ أن ادعوكم لمثل هذه الفضيلة العالية لأنها صعبة المنال، ولكن بما أنكم كنتم سباقين في حديثكم إليّ عنها في رسالتكم، فما عاد هناك مجال للتردد لإعطائكم هذه النصيحة "إنه من الأفضل للرجل ألا يمس المرأة".
لماذا وقد كتب له أهل كورنثوس عن مواضيع كثيرة، فلماذا لم يفكر على الإطلاق في إضافة هذه الملاحظة؟ (كان هذا) للسبب الذي ذكرته بكل بساطة: ليتحاشى لئلا لا تُقبل نصيحته، فهو يذكّرهم بالرسائل التي سبق أن أرسلوها، وحتى حينئذ لم يُبدِ أي حماس في نصيحته لهم بالرغم من الفرصة الذهبية التي سنحت له، بل على العكس فقد كان في منتهى الحذر متشبهًا أيضًا في هذه النقطة بالمسيح، لأن المخلص عندما أنهى كلامه عن موضوع البتولية، أضاف قائلًا "من يريد أن يفهم فليفهم" والرسول بولس ماذا قال: "بالنسبة للأمور التي كتبتم لي عنها فمن الأفضل للرجل ألا يمس امرأة".
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-virginity/corinthians.html
تقصير الرابط:
tak.la/d6kk24d