St-Takla.org  >   books  >   fr-angelos-almaqary  >   john-chrysostom-virginity
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب البتولية: للقديس يوحنا ذهبي الفم - القمص أنجيلوس المقاري

34- البتولية شيء يستحق الإعجاب وتستحق أكاليل عديدة

 

1- إن كان بولس الرسول يخشى أن يمنع المتزوجين عن العلاقات الزيجية لفترة طويلة لئلا يجد الشيطان بسبب ذلك مدخلًا لنفوسهم، فكم من الأكاليل تستحقها النساء التي ليست بحاجة على الإطلاق لمثل هذا التشجيع (أي التصريح لها متى أرادت بالعودة للاجتماع سويًا مع رجلها وما يترتب عليه من تعزية وتلذذ وإطفاء للهيب الشهوة)، وهل سيواصلن الثبات إلى النهاية؟ إذ أن الشيطان لا يستخدم نفس أساليب الحروب مع الكل، بل يتنوع ويتدرج من واحد لآخر. ففي البدايات لا يضغط عليهن، لأنه بدون شك يعرف أن لهن ملجأ قريبًا منهن، فإن رأين الهجوم شديدًا عليهن، يستطعن أن يلجأن في الحال للميناء، لأن الطوباوي بولس لم يتركهن للسباحة في العمق، بل ينصحهن بعمل نصف دورة والعودة للشاطئ إن أدركهن التعب ويدعوهن للعودة للاجتماع سويًا (مع أزواجهن).

ولكن العذراء مجبرة أن تكون دائمًا في عرض البحر وأن تبحر في محيط بلا ميناء وحتى لو تصاعدت الزوابع بطريقة مخيفة، غير مسموح لها بأن ترسو في أي ميناء وليس لها أن تتذوق طعم الراحة.

 

2- وهكذا مثل قراصنة البحر، فهناك حيث توجد مدينة أو مرفأ أو ميناء لا يهاجمون السفن لأن في هذا مخاطرة فاشلة، ولكن إن اعترضوا السفينة في أعالي البحار فلن توجد إمكانية لنجدتهم، وبالتالي ستكون السفينة فريسة سهلة لوقاحتهم وسوف يستولون على كل شيء فيها ولن يتورعوا عن قتل البحارة وإلا فهم أنفسهم سيلاقون نفس المصير. وبنفس الطريقة فإن هذا القرصان المخيف (الشيطان) يهاجم العذراء بعواصف متلاحقة وأعاصير مرعبة وأمواج لا تنتهي، ويقلب سائر الأشياء من أجل أن يغرق السفينة بعنفه وحدّته، لأنه يعلم أن العذراء لن ترتكن إلى "اجتمعوا سويًا" وهي مجبرة أن تجاهد بلا هوادة وتصارع بلا تراخٍ ضد أرواح الشر.

 

3- فالعذراء مثل جندي باسل متروك خارج الحصون، وبولس الرسول من ناحيته يرفض أن يفتح لها الأبواب، حتى لو هاج العدو عليها بشراسة، وحتى لو صار في شدة تهيجه وتضييقه الحصار عليها بحيث لم يترك لها المعاند فرصة لتلتقط فيها أنفاسها.

وليس الشيطان فقط بل حدة وشدة الرغبة للشهوة والإلحاح الذي يزيد ثقله بالأكثر على من هم غير متزوجين.

وهذا هو البرهان (على ما قلته منذ قليل)، لأن الشهوات التي نستطيع أن نشبع منها لا تجعلنا في الحال أسرى رغبتنا، لأن الإحساس بالأمان (كونها في متناول أيدينا) هذا يسمح للنفس بالارتخاء. وهذا هو ما يؤكده المثل الدارج والمشهور وبكل دقة: ما هو في مقدرتنا (أي في متناول أيدينا ورهن إشارتنا)، لا يثير فينا رغبة شديدة. ولكن إن أُبعدنا عما نحن مؤهلين له منذ وقت طويل فالعكس سيحدث، وما نحتقره وهو في متناول أيدينا يثير فينا شهوة أكثر عندما تسبينا اللذة.

 

St-Takla.org Image: "And as I knew that I could not otherwise be continent, except God gave it, and this also was a point of wisdom, to know whose gift it was: I went to the Lord, and besought him, and said with my whole heart" (Wisdom 8:21) صورة في موقع الأنبا تكلا: آية "ولما علمت باني لا اكون عفيفا ما لم يهبني الله العفة وقد كان من الفطنة ان اعلم ممن هذه الموهبة توجهت الى الرب وسالته من كل قلبي قائلا" (سفر الحكمة 8: 21)

St-Takla.org Image: "And as I knew that I could not otherwise be continent, except God gave it, and this also was a point of wisdom, to know whose gift it was: I went to the Lord, and besought him, and said with my whole heart" (Wisdom 8:21).

صورة في موقع الأنبا تكلا: آية "ولما علمت باني لا أكون عفيفا ما لم يهبني الله العفة وقد كان من الفطنة ان اعلم ممن هذه الموهبة توجهت الى الرب وسألته من كل قلبي قائلا" (سفر الحكمة 8: 21).

4- وهذا هو السبب الأول الذي لأجله ينعم المتزوجون بالهدوء، وهوذا الثاني: إن حدث أحيانًا ولهيب اللذة صار على أشده، فإن إتمام اللقاء الجنسي لن يتأخر عن أن يطفئ هذا اللهيب، بينما العذراء ليس لها من شيء تطفئ به هذه النار وهي تراها تمتد وترتفع وكل ما في حيلتها هو أن تحارب هذه النار دون أن تدعها تحرقها. هل هناك شيء أكثر عجبًا من أن تحمل في الداخل مثل هذا اللهيب الشاسع ولا تحترق؟ وأن يرعى هذا اللهيب في أعماق نفسها وتحفظ فكرها بلا دنس؟ لأنه لا يوجد من يسمح للعذراء بأن تلقي عنها الجمر المحترق، وهذا ما صرح به كاتب سفر الأمثال أنها مجبرة أن تحتمل هذا معنويًا، لأنه شيء غير وارد طبيعيًا (أي حسيًا)، فماذا قال: "أويمشي إنسان على الجمر ولا تكتوي رجلاه؟" (أم 6: 28).

حسنًا، أنظر هوذا العذراء تمشي وتحتمل هذه التجربة. "أيأخذ إنسان نارًا في حضنه ولا تحترق ثيابه؟" (أم 6: 27)، والعذراء لا تحمل النار في ثيابها بل فيداخل نفسها، تلك النار المتوهجة المضطرمة، ومع هذا فهي تحتمل وتحتوي ذلك اللهيب.

 

5- أتوسل إليك، هل تجرؤ بعد هذا أن تقارن الزواج بالبتولية، أو حتى على الأقل تساويهما؟ بالطبع لا، فإن الطوباوي بولس لم يسمح بهذا بل أكّد على الهوة الكبيرة التي تفصلهما: "إن بين الزوجة والعذراء فرقًا. غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسدًا وروحًا، وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي زوجها" (1كو 7: 34). وأيضًا قال عن المتزوجين ووهبهم هذا العرض "فليجتمعوا سويًا" - اسمعه وكأنه يؤنبهم من جديد إذ قال "ثم تجتمعوا أيضًا معًا لكي لا يجربكم الشيطان" (1كو 7: 5)، وهو يريد أن يُظهر بصورة جلية أن المشكلة لا تكمن تمامًا في تجربة الشيطان، ولكن بالأولى في ضعفنا وهو يقدم السبب الأول بهذه الكلمات "لسبب عدم نزاهتكم".

 

6- من لا يحمّر خجلًا(63) عند سماعه هذه الكلمات؟ من لا يبذل قصارى جهده للهروب من ملامة عدم التعفف؟ لأن هذا النصح ليس للكل ولكن لمن انجذبوا بالكلية للأرضيات. وهو يقول لنا إن أردت أن تكون عبدًا للذّات وإن أردت أن تكون منقادًا دائمًا بالتمام للذّات الجسدية وغير موله إلا بها، فاجتمع إلى زوجتك سويًا... ولو لم يكن مبيت النية على توبيخ النفس الشهوانية لما استخدم بولس الرسول تعبير "عدم نزاهتكم" الذي هو بالحق معبّر تمامًا ويتضمن توبيخًا شديدًا. لماذا لم يقل "من أجل ضعفكم"؟ لأن هذا التعبير يشير إلى الإهمال والتهاون، بينما عبارة "عدم نزاهتكم" تشير إلى اكتمال الانحلال الأخلاقي، وهكذا إذن فإن عدم النزاهة يعني عدم القدرة على تحاشي الزنا والركض كل الأوقات للزوجة ولملذات المباشرات الجنسية معها.

 

7- بماذا يجيب الآن من يصرحون أن البتولية شيء غير لازم ونافلة لأنه كلما كثر عدد من يحياها كلما كثر مدحها، بينما الزواج يُستعمل حتى التشبع وهوذا أكبر وسيلة تأكيدية لسحب كل مدح للزواج "ولكن أقول هذا على سبيل الأذن لا على سبيل الأمر" (1كو 7: 6)، وهكذا فحيث هناك إذن وترخيص فلا مكان لمدح.

أينعم! ولكن هو يقول أيضًا في حديثه عن العذارى "ليس عندي أمر من الرب فيهن ولكني أعطي رأيًا" (1كو 7: 25)، أليس هذا رفض (من الرب) لحالة البتولية؟

لا على الإطلاق، فعن البتولية أعطى رأيًا وعن تلك أعطى "على سبيل الأذن" فهو لم يأمر هذا ولا ذاك ولكن لأسباب مختلفة- فهنا لكي الذي يريد أن يرتفع فوق عدم النزاهة لا يعوقه -فإن كان سجين أمر فهو مجبر، وعن تلك لكي الذي لا يستطيع أن يرتفع إلى مستوى البتولية لا يكون مُدان إن تعدى هذا الأمر، وهو يقول فأنا لن أأمر أن تستمروا عذارى لأني أخشى (وأعلم) صعوبة هذا الوضع، وأنا لن أأمر بأن تكون للمتزوج علاقة زيجية مستمرة مع امرأته إذ أني لا أريد أن أكون مشرّع لعدم النزاهة- لقد قلت "اجتمعوا سويًا" لكي أمنعكم من الانحدار لأسفل وليس لكي أكبح حماسكم للصعود إلى أعلى.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

8- ليس معنى هذا أن ننصاع لما يجيزه بولس الرسول، فليس المغزى العميق لما يريده الرسول هو أن يتلذذ الرجل في كل لحظة بزوجته، "فعدم نزاهتكم" تكون قاعدة للضعفاء(64) فقط.

أتريد أن تعرف ما هي إرادة بولس؟ اسمع هذه الكلمات "لأني أريد أن يكون جميع الناس كما أنا" (1كو 7: 7)، أي يحيون في البتولية، وبالتالي إن أردت أن يكون الجميع يحيون في البتولية فأنت تريد أن لا يتزوج أحد، ولكنه يقول: لم أمنع أحدًا يريد الزواج مطلقًا، ولم أوجه إليه أي لوم. لقد أعلنت أمنيتي ببساطة: إنني أرغب بحرارة أن يكون الكل مثلي، ولكن مع ذلك سمحت بالزواج بسبب الزنا، وهوذا لهذا السبب قلت في البداية "إنه حسن للرجل ألا يمس امرأة".

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(63) إن أسلوب القديس في الفقرة 5، 6 دفاعي محض ضد أعداء البتولية ولا يقصد إطلاقًا أن الجماع والتلذذ الجنسي بين الرجل وزوجته شيء يدعو للخجل أو يقلل من طهارة المضجع.

(64) المقصود بالضعفاء الطرف الذي يريد التلذذ بالجماع بكثرة شديدة.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-virginity/admirable-worthy.html

تقصير الرابط:
tak.la/rpc3w8w