St-Takla.org  >   books  >   pope-sheounda-iii  >   good-thursday
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب تأملات في يوم خميس العهد - البابا شنوده الثالث

2- تأمل في آلام المسيح

 

من أنفع الأشياء لنا في حياتنا الروحية، أن نتأمل في الألم عمومًا، وفي آلام المسيح بوجه خاص(1).

التأمل في الألأم يرفع النفس إلى فوق.

يرفعها فوق مستوى المادة والعالم، ويدخلها فيما هو أرقى من الأرضيات... ولذلك فإن الإنسان في حالة الألم، تكون نفسه أقوى، وروحياته أعمق. وكثيرًا ما نرى الإنسان في ألمه متجردًا من حب العالم.

في حالة البهجة ربما يشعر الإنسان المسرور أن العالم معه .أما في حالة الألم فيكون العالم خلفه، وقد اختفت محبة العالم من قلبه.

لذلك سهل على المريض أن يقترب إلى الله.

المريض المتألم يقبل الحديث عن الله، ويحب أن يصلي،  ويطلب أن يصلي الناس من أجله. وكلمة (الله) تتردد كثيرًا على فمه، أكثر مما في حالة صحته...

ونفس الوضع بالنسبة إلى الإنسان الحزين، الذي هو في ضيقة أو إشكال، أو الذي توفى له أحد أحبائه... في مثل هذا الحزن، تجد القلب بعيدًا عن شهوات العالم، بعيدا عن التعلق بالمادة، وزاهدًا في شهوة الجسد.

وربما لفائدة الألم روحيًّا، سمح الله به.

سمح به لأنه نافع للروح، إذا سلك فيه الإنسان بحكمة.

والذين يزورون المقابر، يستفيدون من مجرد النظر إلى مكان الموت، ومن تذكر الموت والألم، وتذكر فقد الأصحاب والأحباء. كل ذلك يعطيهم عمقًا في فهمهم وفي روحياتهم.

وقصص الاستفادة من الموت كثيرة في سير القديسين.

القديس العظيم الأنبا أنطونيوس استفاد درساً روحيًّا من موت أبيه. كما أنه في سنوات رهبنته الأولى سَكَنَ في مقبرة.

والقديس مقاريوس الكبير، كان أحيانًا يحتفظ بجمجمة، ويتوسَّد عليها وهو نائم.

مجرد ذِكر الموت ينفع قلب الرجل الحكيم. فكم بالأولى تكون قصة موت السيد المسيح، وما سبقها من آلام. ولذلك فالمصلون في أسبوع الآلام أكثر روحانية.

إن الآلام هي العمق الأول الذي نتأمل فيه في حياة السيد المسيح.

ولما اختارت المسيحية شِعارًا لها، اختارت الصليب رمز الألم.

هذا الذي كان فيه عمق الآلام الجسدية بالنسبة للمسيح، والذي له تأثير في النفوس أكثر من أية صورة أخرى لأحداث حياة رب المجد. لا شك أن كل موقف في حياة المسيح، وكل حدث، له تأثيره. ولكن صورة الصَّلْب هي أكثر الكل تأثيرًا...

فيل أن المهاتما غاندي الزعيم الهندي المعروف، وهو براهمي في عقيدته، لما وقف أمام صورة المسيح مصلوبًا، تأثر وبَكَى.

قد ركز ملاك القيامة على عِبارة: يسوع المصلوب.

فقال للمريمتين "إنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا لكنه قام كما قال" (مت6،5:28). فَسَمَّاه "المصلوب" حتى بعد قيامته. وبقيت هذه الصفة ملازمة له. فيقول بولس الرسول "لأن فِصحنا المسيح ذُبِحَ لأجلنا" (1كو 7:5). وقال عنه القديس يوحنا في رؤياه "خروف قائمٌ كأنه مذبوح" (رؤ6:5). والملائكة تقول بصوت عظيم "مستحقٌ هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة... والمجد والكرامة" (رؤ12:5). وهكذا نرى أنه:

St-Takla.org Image: The flagellation of Jesus Christ, part of an altarpiece, Thuringen, Germany, early 15th century. - The Louvre Museum (Musée du Louvre), Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 11-12, 2014. صورة في موقع الأنبا تكلا: جلد السيد المسيح، جزء من نقش على مذبح الكنسية، في تورينجن بألمانيا، القرن 15. - صور متحف اللوفر (اللوڤر)، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 11-12 أكتوبر 2014.

St-Takla.org Image: The flagellation of Jesus Christ, part of an altarpiece, Thuringen, Germany, early 15th century. - The Louvre Museum (Musée du Louvre), Paris, France - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, October 11-12, 2014.

صورة في موقع الأنبا تكلا: جلد السيد المسيح، جزء من نقش على مذبح الكنسية، في تورينجن بألمانيا، القرن 15. - صور متحف اللوفر (اللوڤر)، باريس، فرنسا - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 11-12 أكتوبر 2014.

حدث تركيز على آلام المسيح، حتى في سفر الرؤيا.

ويبدو من هذا أن آلام السيد له المجد، هي موضِع تأمل السمائيين أيضًا، وليس سكان الأرض وحدهم. وهذه الآلام -كما سجلها الكتاب- لم تكن قاصرة فقط على أحدث الصلب، إنما شملت أحداثًا كثيرة في حياته على الأرض(2)(3).

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

البعض يتكلم عن أسبوع الآلام، كما لو كانت آلام المسيح محصورة في هذا الأسبوع! أو كما كانت آلامه على الصلب، أو على الآلام السابقة للصليب، مثل الجلد والضرب وحمل الصليب، والبصاق والإهانة والاستهزاء وعبارات التحدي الجارحة وشهادة الزور...

كلا، فان الألم شمل حياة المسيح كلها.

لم يكن ألمه مجرد أسبوع، وإنما كان طوال فترة خدمته وقبلها أيضًا، ومنذ ميلاده. بل أن الوحي الإلهي قد لخَّص حياة الرب بالجسد، في تلك العبارة العميقة المُركزة، التي وصفه فيها بأنه:

(رجل أوجاع ومختبر الحزن) (أش 53: 3).

وقيل عنه انه (تألم مُجَرَّبًا) (عب 2: 18). وأصبح عمق الحياة الروحية هو أن (نتألم معه) (رو 8: 17) أو (ندخل في شركة آلامه) (في 3: 10). فكل ألم من أجل البر، يعتبر شركة في آلام المسيح.

وقيل عن المسيح انه حزن واكتئاب وبكى.

قيل انه حزن واكتأب (مر 14: 33). وقد قال في البستان (نفسي حزينة جدًا حتى الموت) (مت 26: 38). ويكفي ما قيل في أحزانه إن (أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها) (أش 53: 4) أي أن كل أحزان البشرية وأوجاعها قد وضعت على كتفيه، وصارت مشاعر في قلبه...

وقد ورد في الإنجيل أكثر من مرة بكى، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. لقد بكى على أورشليم (لو 19: 41) وهو يذكر ما سيصيبها من أعدائها، وبكى عليها أيضًا لأنها لم تعرف زمان افتقادها.

وكذلك بكى عند قبر لعازر، الذي قالت عنه أخته انه قد انتن لأن له أربعة أيام (يو 11: 35، 39) بكى وهو يرى كيف انه بالخطية دخل الموت إلى العالم، وملك على الإنسان الذي خلق على صورة الله... وأصبح ممكنا أن هذا الإنسان ينتن..!

ذاق المسيح الألم، حتى من يوم مولده.

ولد في يوم من اشد أيام الشتاء برودة، في مكان رطب هو مزود بقر إذ لم يكن لآمه موضع في البيت (لو 2: 7).

وبذل هيرودس كل جهده وحيلته ليقتله، حتى أنه قتل كل أطفال بيت لحم، لعله يكون من بينهم! واضطرت العذراء أن تهرب به إلى مصر ثم عادت (بعد أن مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي) (مت 2: 20) وقضى المسيح فترة صباه وشبابه مجهولًا في بيت نجار فقير دُعِيَ أبًا له، فلم يعرف العالم عن هذه الفترة شيئًا.

وعاش المسيح فقيرًا، يتحمل الضيق لأجلنا.

لم يمش مطلقًا في الطريق الرحب، بل عاش حياة كلها ألم، سواء من جهة الجسد، أو من جهة النفس.

لم يكن له بيت يسند فيه رأسه. ولم يكن له مال، حتى عندما طلبت منه الجزية، لم يكن له ما يعطيه.

جَرَّب التعب، وجرب أيضًا الجوع والعطش.

وكمثال لتعبه، قيل له انه تعب من مشقة وطول الطريق وقد مشى مسافات طويلة لكي يخلص المرأة السامرية. وقال الكتاب في ذلك (فإذ كان يسوع قد تعب هكذا من السفر، جلس على بئر. وكان نحو الساعة السادسة (في الظهر تمامًا) (يو 4: 6).

وكما جرب المسيح التعب جرَّب الجوع. وحينما نقول الجوع، لا نقصد الجوع العادي، كان يتأخر إنسان ساعة عن موعد أكله، فيقال أنه جاع! كلا، بل حينما قيل عن المسيح انه جاع على الجبل، كان المقصود أخر ما يمكن أن تحتمله الطاقة البشرية في الامتناع عن الأكل. لذلك حسنًا قيل انه (جاع أخيرا) (مت 4: 2) أخيرًا، بعد صوم استمر أربعين يومًا.

ولما قيل انه عطش على الصليب، كان المقصود به عطشًا لا يحتمل، بعد أن تصفى تقريبًا ما في جسده من دم ومن ماء...

أما عطشه وجوعه عند بئر السامرية، فلم يقل الكتاب وقتذاك أنه شرب ماء. ومن جهة الطعام، لم يأكل وقال (طعامي أن افعل مشيئة الذي أرسلني) (يو 4: 34) ولم يقل الكتاب في تلك المناسبة انه جاع أو عطش. انه جوع عادى، وعطش عادى يعبر الكتاب عنهما...

وفي خدمة المسيح، جابه ألما آخر، هو ألم الرفض:

إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله) (يو 1: 11) كان نورا للعالم وهذا النور أضاء في الظلمة لم تتركه) (يو 1: 5) انه أمر مؤلم حقًا، أن النور جاء إلى العالم، ولكن أحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة (يو 3: 19) وتحققت في الرب نبوءة المزمور (رفضوني أنا الحبيب مثل الميت المرذول) (مز 37: 2).

عاش يعامل الناس بالحب، ولا يجد حبا مقابل حبه.

لم يجد محبة تماثل محبته، ولا معاملة طيبة تماثل معاملته الطيبة للناس. والعبارة التي قيلت عنه انه لم يجد موضعا يسند رأسه (مت 8: 20)، وكما نفهمها من الناحية المادية الحرفية، نفهمها أيضًا من الناحية العاطفية كذلك. فقد عاش الرب وسط أشخاص جاحدين ناكرين للجميل، ناكرين للحب.

ذهب مرة إلى بلدته بيت لحم، فرفض أهلها أن يقبلوه.

لم يؤمنوا به، بل قابلوه باستهزاء وباحتقار قائلين (أليس هذا هو ابن النجار؟! من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟! فكانوا يعثرون به (مت 13: 54-58) حتى قال لهم الرب: أليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته...

وذهب إلى قرى السامرة، فأغلقت أبوابها في وجهه.

حتى غضب تلميذاه لهذا الأمر، أما هو فاحتمل السامرة بحب كبير وصبر طويل إلى أن تمكن من دخولها فيما بعد والعمل على خلاصها. ولما رأى ثمار تعبه في السامرة، قال لتلاميذه: أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه (يو 4: 48) نعم إن العمل على خلاص النفس يحتاج إلى تعب والى احتمال...

أحيانًا كان يرى أبواب القلوب مغلقة، فيقف ويقرع...

وقد يطول به الوقوف، حتى يمتلئ رأسه من الطل، وقصصه من ندى الليل (نش 5: 2) وهو لا يمل الانتظار، ولا يخجل منه...

والرب بهذا يعطينا درسًا أن كسب محبة الناس يحتاج منا إلى احتمال وطول بال. فأحيانًا تكون القلوب صلبة وشديدة، ولا يمكن دخولها بسرعة ولا بسهولة... فان تعبت في دخول قلوب الناس، فلا تتضايق. هكذا حدث للمسيح منبع الحب وان دخلت قلبا، ولم تجد فيه محبة مثل محبتك، فلا تحزن. فهكذا حدث للمسيح قبلا، ولم يعامل الناس بمثل معاملتهم.

بل كان وسط الكل (يجول يصنع خيرًا) (أع 10: 38).

(يكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب) (مت 4: 23) مَنْ مِن الناس لم يأخذ من محبة المسيح ومن تعبه؟! الكل اخذوا... حتى الذين رفضوه، حتى الذين صاحوا فيما بعد اصلبه اصلبه...

كان يوزع محبته على الكل، فيلاقى انتقادًا من معلمي الشعب.

إن أشفق على عشار لكي يخلص نفسه، انتقدوه قائلين (انه دخل ليبيت عند رجل خاطئ) (لو 19: 7) فيجيب المسيح: اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضًا ابن إبراهيم.

ويحتمل الرب هؤلاء المنتقدين، ويعمل على إقناعهم ليكسبهم.

كم من مرة فعل خيرًا، فانتقدوه على فعل الخير، من زاوية معينة، كما حدث في الحب الذي بذله نحو العشارين ليخلصهم. أو نحو السامرين المرذولين منهم... واضطر أن يقول الفريسي والعشار (لو 18: 9-14) ومثل السامري الصالح (لو 10: 30-35).

وبالمثل أشفق على تلك المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، فانتقده سمعان الفريسي قائلًا في قلبه (لو كان هذا الإنسان نبيًّا، لعلم من هذه المرأة وما حالها، إنها خاطئة) (لو 7: 39)، فشرح لهذا الفريسي كيف أن الذي يغفر له الكثير يحب كثيرًا.

وبنفس القلب الشفوق الحنون الطيب، أشفق على المرأة الزانية التي ضبطت في ذات الفعل، وأنقذها من القساة المشتكين عليها طالبين رجمها، وهم يعرفون شفقته على الخطاة، وإنما فعلوا ذلك (ليجربوه، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه) (يو 8: 6).

عجيب أن هذا القدوس، قوبل من قادة الدين في عصره بسلسلة من الشتائم والاتهامات.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) القسم الأول حتى الفاصل، منشور في كتاب "مجموعة تأملات في أسبوع الآلام" للبابا شنوده، وليس في كتاب "تأملات في خميس العهد"، ولكنه مدموج مع مقدمة الكتاب الأخير في الكتاب الأول، لذا رأينا وضعهما معًا هنا في هذه الصفحة لعدم التكرار حين نشر الكتاب الآخر.

(2) عن محاضرة أُلقيَت بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة يوم الجمعة الموافق 21 مارس 1980 م.

(3) الجزء التالي هي مقدمة كتاب تأملات في يوم خميس العهد الأصلية، مع ما يليه...


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/pope-sheounda-iii/good-thursday/contemplation.html

تقصير الرابط:
tak.la/aycw29q