St-Takla.org  >   books  >   nagy-gayed  >   christian-economics
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب التعاليم المسيحية.. ومبادئ الفكر الاقتصادي - أ. ناجي جيد

42- رابعًا: المسيحية.. والعلاقة بين البائع والمشترى

 

قد يكون التوازن من خلال التقاء كل من منحنى الطلب والعرض عدلًا من الناحية النظرية، ولكن بمفرده غير كاف. فماذا عن العدل في الواقع العملي سواء على مستوى المشترين أو البائعين. هذا العدل الذي لم تستطع أن تحققه أيضًا طرق التسعير المستخدمة في الحياة العملية.

فمثلًا. بخلاف العوامل التي يُفترض ثباتها عند دراسة كل من الطلب والعرض والتي يوجد عليها عدد من التحفظات، فإن نقطة التعادل قد تحدد سعرًا لبعض المنتجات الضرورية الهامة لا يقدر عليه متوسطي أو محدودي الدخل، الأمر الذي يستوجب الدعم الحكومي لها، من هذه المنتجات: القمح والسكر والزيت والذرة والبنزين، والكهرباء، واللحوم... إلخ. لهذا فأنه لا يمكن النظر إلى نقطة تقابل الطلب والعرض على أنها المحدد الوحيد للسعر، فعلى الرغم من أهميتها – التي لا ينكرها المؤلف – إلاّ أنها لا يجب أن تكون بمفردها المُحدد لأسعار كل المنتجات من السلع والخدمات. لأن: "التابع العدل والرحمة يجد حياة، حظًا وكرامة" (أم 21: 21).

St-Takla.org Image: A man with money, coins صورة في موقع الأنبا تكلا: رجل مع مال، فلوس، نقود، عملات

St-Takla.org Image: A man with money, coins

صورة في موقع الأنبا تكلا: رجل مع مال، فلوس، نقود، عملات

إن استخدام تفاعل قوى الطلب والعرض لتحديد السعر يضع بعض التساؤلات الهامة، مثل: ماذا عن علاقة الأسعار بالأجور.. وماذا عن علاقة الأسعار بالجودة.. وماذا عن علاقة الأسعار بالخدمات المُصاحبة لبيع بعض السلع كالضمان والتركيب والصيانة.. إلخ. لهذا يعلمنا الكتاب المقدس: "لا تحكموا حسب الظاهر، بل أحكموا حكمًا عادلًا" (يو 7: 24).. من جهة أخرى فأن التطبيق العملي لآليات السوق يحتاج إلى رقابة حكومية وشعبية وأجهزة لحماية المستهلك من الغش التجاري، وجشع أو استغلال بعض التجار، والاحتكار الذي يمارسه البعض الآخر.. كل هذا سيحاول المؤلف تناوله بإيجاز من خلال التعاليم المسيحية.. والعلاقة بين البائعين والمشترين.

إن العلاقة بين قوى العرض والطلب متمثلين في المنتجين والمستهلكين لابد أن يحكمها – بجانب آليات السوق – عدد من المبادئ الأخلاقية، لأن: "التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة. لأننا لم ندخل العالم بشيء وواضح أننا لم نقدر أن نخرج منه بشيء" (1تى 6: 6، 7). إن هذه الآية تُلقى عبء أخلاقي على كل من البائع والمشترى يجب الالتزام به كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى.

فإذا أخذنا جانب الطلب والمشترين، فيمكن أن نقول أنه على الرغم من أهمية السعر كعامل مؤثر على طلب سلع كثيرة في السوق – خاصة السلع التي تتمتع بدرجة مرونة عالية(13) - إلا أن الأصل في الطلب على مستوى المستهلك الفرد سيظل هو المنفعة الحدية للسلعة. وطالما الأمر كذلك فعلينا أن نأخذ في الاعتبار نقطتين. النقطة الأولى تتعلق بمفهومي الاحتياج والإشباع، بمعنى أن الطلب لابد أن يرتبط بالاحتياج الفعلي ويتوقف عند الإشباع (فالعبرة هنا متى نطلب ومتى نتوقف). لأن الحكمة ترى أن: "الصديق يأكل لشبع نفسه، أما بطن الأشرار فيحتاج" (أم 13: 25).. أما النقطة الثانية فترتبط بضرورة تشجيع الاهتمام بإشباع الحاجات الروحية بدون حد أقصى أو سقف أعلى للإشباع (وهذا هو الاستثناء الوحيد للنقطة الأولى)، وكما شرحنا من قبل فأنه كلما زادت أهمية الحاجات الروحية كلما انخفضت أهمية الحاجات الجسدية – طبقًا للعلاقة العكسية بينهما – كما ينص مدرج الحاجات العكسي للمؤلف.. أما فيما يتعلق بالسلوك الشرائي فأن من أحد عيوبه التي يجب أن نتجنبها: الاعتراض على جودة السلعة – بعكس الحقيقة – في محاولة للمساومة وتخفيض السعر. الأمر الذي يحذرنا منه الكتاب المقدس: "رديء رديء! يقول المشترى، وإذا ذهب فحينئذ يفتخر!" (أم 20: 14).

وإذا أخذنا جانب العرض أو البائعين، فأن ما يمكن قوله للمنجين (أو قوى العرض) هو ضرورة عدم الاندفاع – غير المدروس – في الاستجابة لحاجات ورغبات المستهلك (أو قوى الطلب) دون ترشد اقتصادي. فإن الإفراط في الاستجابة بالعرض من المنتجين في ظل سوق واسع التنافس سوف يزيد من الزحمة في المعروض (تخمة السوق)، ومع الاستمرار في الزحمة أو التخمة الناتجة عن زيادة المعروض من نفس السلعة ستنخفض قيمتها لدى المستهلكين. وهنا يلزم استخدام سياسات لتعزيز عرض السلعة بواسطة منتجيها ومستورديها.

وفي هذا الصدد أيضًا يعلمنا سفر الأمثال: "أجعل رجلك عزيزة في بيت قريبك لئلا يمل منك فيبغضك" (أم 25: 17). والمتأمل جيدًا لهذه الآية يجدها تؤكد مبدأ التعزيز، وهو مبدأ تسويقي وبيعي معروف يدعو إلى ترشيد وتعزيز عرض السلعة بالسوق، وهو مبدأ يتسم بالرشد الاقتصادي طالمًا أنه يتم بحكمة بعيدًا عن الطمع الذي يظهر في بعض حالات (تعطيش السوق).

إن الحديث عن المبادئ الأخلاقية التي توصى بها التعاليم المسيحية لا ينتهي وكلها تدعوا إلى العدل والأمانة البيعية في العلاقة بين البائع والمشترى: "فوزن صحيح وحق يكون لك، ومكيال صحيح وحق يكون لك، لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك" (تث 25: 15).. إن عدم الأمانة في العلاقة بين البائع والمشترى خاصة من طرف البائع قد تأخذ صورًا عديدة: كالطمع وشهوة الغنى، الذي يحذرنا منهما الكتاب قائلًا: "إن القليل مع مخافة الرب خير من كنز عظيم مع هم" (أم 15: 16)، وإن: "من يحب الفضة لا يشبع من الفضة ومن يحب الثروة لا يشبع من دخل" (جا 5: 10)، أما: "الرجل الأمين كثير البركات والمستعجل إلى الغنى لا يبرأ" (أم 28: 20).. وكالغش في الميزان، وهنا يعلمنا الكتاب: "موازين غش مكرهة الرب والوزن الصحيح رضاه" (أم 11: 1).. وكاستغلال صاحب المال، الذي تحذر التعاليم المسيحية صاحبه لأنه: "لا يفلت الخاطئ بغنائمه ولا يضيع الرب صبر التقى" (سى 16: 14).. كالاحتكار التجاري أيضًا، الذي ترفضه المسيحية تمامًا حيث أن: "محتكر الحنطة يلعنه الشعب والبركة على رأس البائع" (أم 11: 26).

وأخيرًا. فأنه لأهمية الأمانة في التجارة فيما يرتبط بالوزن والحجم وعدالة الأسعار.. إلخ.، فإن الكتاب يوصى كل من المنتجين والبائعين بضرورة: "عدل الميزان والمعيار والمكسب كثر أم قل. والاعتدال في البيع بين المشترين" (سى 42: 4، 5).. وبهذا يمكن تجنب الخطية التي قد تكون رابضة عند البيع والشراء، الذي يحذرنا منها الكتاب بقوله: "بين البيع والشراء تنشب الخطية" (سى 27: 2).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(13) تُعرف مرونة الطلب على أنها مدى تجاوب أو حساسية التغير في الكمية المطلوبة من السلعة نتيجة للتغير في الأسعار.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا







External ads إعلانات خارجية



https://st-takla.org/books/nagy-gayed/christian-economics/relationship.html