St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   crooked-denominations
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب المذاهب الحديثة المنحرفة - أ. حلمي القمص يعقوب

1ب- تمهيد

 

 الصراع بين الخير والشر ليس أمرًا حديثًا، ولكنه موضوع قديم قدم البشرية، والبدع والهرطقات الحديثة ما هي إلاَّ صورة من صور الصراع بين الخير والشر، فعدو الخير يزرع الزوان ليلًا والناس نيام، لعله يفسد الفكر البشري، ويصرفه عن حياة الكمال المسيحي، وللأسف الشديد فإننا نرى أن لكل مذهب منحرف ضحاياه من الأبرياء البسطاء الذين يسيرون في موكب الذبح وهم لا يدرون، ولذلك كان لزامًا علينا جميعًا أن نُخرِج هذه المذاهب المنحرفة من خباياها، ليراها الناس على حقيقتها، فهي خفافيش تعيش وترتع في كهوف الظلام، وهي حيَّات تختفي بين الأحجار، ولذلك هيا بنا نسلط عليها نور المسيح لنُخلِص على كل حال قومًا.

 

 فالهدف من دراستنا هذه:

1- اليقظة الروحية والسهر على خلاص نفوسنا ونفوس الآخرين، وأن نحيا حياة التوبة فلا يكون للشيطان موضع فينا.

2- نحذر كل الحذر من خداع الشيطان وضلالاته مهما كانت مغرية وجذابة، حتى ولو كانت على سبيل التسلية واكتشاف المجهول، أو السعي لحل مشكلة صعبة، لأن الشيطان ماهر جدًا، ولا يكف عن محاولة إصطيادنا بشباكه الخفية.

3- نحن لا ينبغي أن نهادن إبليس لكيما نتقي شره، فهذه فكرة شيطانية. بل نحن جنود أمناء أوفياء في جيش الخلاص أقوياء بربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح.. روحه القدوس يسكن فينا فمن هو علينا؟!.. ملائكته تحوطنا وتحرسنا، وأرواح الشهداء ترف حولنا كسحابة خفيفة لطيفة، وملاكنا الحارس لا يفارقنا.. حقًا إن " مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحيَّة في السماويات " (أف 6: 12) لكننا لا نخف ولا نرهب مهما ظهر عدو الخير بمظهر الأسد الغاضب الذي يزأر ملتمسًا من يبتلعه، فالخوف من عدو الخير ضد الثقة في الله ضابط الكل محب البشر، ولنثق تمام الثقة أن الشيطان ليس له سلطان على أحد من أبناء النور قط إن لم يسلم الإنسان نفسه له بإرادته.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Paganism, talisman icon, ethnic, mysticism, Pentacle star (pentagram), candles, moon - Religious and celebration symbols - used with license. صورة في موقع الأنبا تكلا: الوثنية، طلسم، عرقي، تصوف، النجمة الخماسية (بنتاجرام)، شموه، القمر - رموز دينية وأعياد - مُستخدمة بتصريح.

St-Takla.org Image: Paganism, talisman icon, ethnic, mysticism, Pentacle star (pentagram), candles, moon - Religious and celebration symbols - used with license.

صورة في موقع الأنبا تكلا: الوثنية، طلسم، عرقي، تصوف، النجمة الخماسية (بنتاجرام)، شموه، القمر - رموز دينية وأعياد - مُستخدمة بتصريح.

الأسباب التي تقود الإنسان للانحراف نحو المذاهب المنحرفة:

 

أما عن الأسباب التي تقود الإنسان للانحراف نحو المذاهب المنحرفة، فيمكن حصر أهمها في الآتي:

أولًا: الفراغ.

ثانيًا: غياب الوعي الأسري.

ثالثًا: الشهوة الجامحة.

رابعًا: التقليد الأعمى.

خامسًا: الوسط المنحرف.

سادسًا: إغراء الموسيقى الشيطانية.

سابعًا: حب الشهرة.

ثامنًا: تحقيق الذات.

 

أولًا: الفراغ

الشباب الذي يعاني من الخواء الفكري والديني هو فريسة سهلة الإصطياد بالشباك الشيطانية.. لقد قالوا " العقل الفارغ معمل للشيطان " وقد صدق القول مع الذين سقطوا في الممارسات الشيطانية، ويقول رأفت زكي " إن الفراغ أُستبدل بعبادة الشياطين والديمونات أو الأرواح الحارسة. لقد تركنا الله بعيدًا، وإتجه الشباب الآن نحو الشيطانية والشياطين " (1)

آه.. لو عرفتُ الغاية من وجودي على هذه الأرض؟

آه.. لو فهمتُ أن الوقت مُقصر والأيام شريرة؟

آه.. لو أدركتُ الرسالة الملقاة على عاتقي؟

لو عرفتُ وفهمتُ وأدركتُ لأختفى أي فراغ داخلي أو خارجي في حياتي.. ولأسرعت الخطى قبل نهاية دربي لعلي أدرك ذاك الذي أدركني.

يا صديقي.. هل لنا الشبع الحقيقي بحبيبنا يسوع الذي وضع نفسه من أجلنا، وما مقدار حبنا له؟

هل نحب الوقوف أمامه؟

وهل نهوى الجلوس تحت أقدامه؟

وهل نهفوا إشتياقًا للقائه؟

هل لنا شبع بالكتاب المقدَّس كلمة الحياة القادرة أن تُحكّمنا للخلاص الأبدي؟

وهل لنا المكتبة الروحية من الكتب، وشرائط الكاسيت والفيديو، التي نستفيد منها؟

وهل لنا الدراسة الروحية الجادة، أم إننا نعيش على هامش الحياة الروحية؟

ما هي علاقتنا بأمنا الكنيسة الأم الأمينة الوفية؟

أين نحن من أصوامها وصلواتها.. قداساتها وعشياتها.. ألحانها وموسيقاها.. بخورها وشموعها.. قديسيها ومعجزاتها.. آلامها وإشتياقاتها.. إلخ؟

حقًا يا صديقي إن كنيستنا الأرثوذكسية تُعيّشنا الإنجيل عمليًا بكل أحداثه.. فهي الإنجيل المعاش، وها هنا الغذاء الروحي المشبع والذي يحيا فيها لا يفتقر ولا يحتاج.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ثانيًا: غياب الوعي الأسري

 في سؤال الكاتب محمود فوزي لللواء محمود وجدي: كمواطن مصري وكمثقف.. ما هي رؤيتك لحل هذه الواقعة؟

ج: الحل يكمن في عوامل كثيرة.. فهناك الأسرة والمدرسة.. وأهم شيء هو سؤال الأب والأم لأبنائهم ومتابعتهم بصفة دورية.. وألا نترك لهم الحبل على الغارب.. الذي لفت نظري بالطبع هو أن أغلب الشباب الذي إنخرط في هذا الفكر المتطرف يعاني من التفكك الأسري أي أن الأب منفصل عن الأم، والأم متزوجة من آخر، والأب متزوج من أخرى (2).

St-Takla.org Image: The Christian family صورة في موقع الأنبا تكلا: العائلة المسيحية

St-Takla.org Image: The Christian family

صورة في موقع الأنبا تكلا: العائلة المسيحية

الأب المشغول في أمور ذي الحياة ظانًا أن مسئوليته تقتصر على توفير المورد المالي الكافي لأسرته.. يعطي أبناؤه النقود والسيارات ولا رقيب..

الأم المنشغلة في إطعام أبنائها وتسمينهم ودراستهم فقط..

صدقوني إن مثل هذا الأب ومثل هذه الأم هما مدانان أمام الله.. أين الوعي الأسري بالأبناء؟ وأين الإهتمام بالإحتياجات الروحية لهؤلاء الأبناء؟ وأين العين المفتوحة عليهم؟ وأين القلب المفتوح إليهم؟ أين الإحساس بهم، والحوار معهم، والصلوات من أجلهم؟

حقًا إن طبيعة الحياة في جيلنا الحاضر إختلفت تمامًا عن الأجيال السابقة، فالسرعة الجنونية قد طغت على كل شيء، ووسائل الإعلام المتنوعة والمثيرة من تليفزيون وفيديو ودش وإنترنت سلبت الإنسان وقته وجهده وإستنفذت حياته.. حسرة على الكيان الأسري الذي فقد قوامه، وأصبح فقيرًا معدمًا للحب الأسري!!.. واحسرتاه على الدفء الأسري الذي أصبح باردًا كبرودة الثلج!!

ولقد أصبح على الكنيسة مسئولية التوعية وإقامة الندوات الدينية العلمية، وأصبح على الكنيسة مسئولية تشجيع ومتابعة شبابها للسلوك في الوسائط الروحية، والإندماج في الجو الكنسي، وأصبح على الكنيسة تنبيه الأسر لتوفير الدفء الأسري لأبنائها وبناتها.. هب ياربي يقظة لكل أسرة تائهة في خضم هذا العالم.. إنقذنا من أمواجه العاتية لئلا تُسلم هذه الأمواج الهادرة فلذات أكبادنا إلى الشيطان.. ومتى جاء إبن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ثالثًا: الشهوات الجامحة

" كل واحد يُجرَب إذا إنجذب وإنخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتًا " (يع 1: 14، 15).

 فالشهوة هي السنارة الشيطانية الناجحة التي يستخدمها الشيطان في إصطياد النفوس ولاسيما نفوس الشباب.. لقد جاءت إعترافات عبدة الشيطان بأنهم قدموا العبادة له لأنه يمنحهم كل شيء تُحرّمه الشريعة السماوية عليهم، وفعلًا سقط في هذه العبادات الشباب الذي يتهافت على اللذة الحسية، فإنهم يعبدون شهواتهم وأهوائهم وغرائزهم وملذاتهم مقابل التضحية بحياتهم على مذبح الشيطان.. لقد تراوحت أعمارهم جميعًا من سن 15 إلى 30 عامًا وهو السن الذي تكون فيه الشهوة جامحة تحتاج إلى الضبط، ولا ننسى أن الشيطان لا يكشف عن ذاته صراحة، ولا يعرض بضاعته واضحة كما هي، إنما يأتي دائمًا متخفيًا في صورة ملاك جميل يحمل بضاعته المملوءة سُمًا مُغلَّفة في أجمل وأروع صورة، وهكذا كل مذهب منحرف له واجهته البراقة التي تثير إشتياقات الشباب وتجذبه للهاوية، لذلك يجب أن نحذر من شباك الشيطان وفخاخه المنصوبة لنا.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

رابعًا: التقليد الأعمى

 التقليد الأعمى هو وليد الفراغ، فالذي يعيش في الفراغ يحاول أن يستكمل شخصيته بتقليد تصرفات الآخرين، ويزدهر التقليد في سن الشباب ولاسيما الذين يعانون من ضعف الشخصية، وهذا ما سقط فيه عبدة الشيطان الذين إنبهروا ببعض الفرق الأجنبية المنحرفة فراحوا يحاكونهم في كل شيء.. ملابسهم.. إطالة شعرهم.. رقصهم في الشوارع.. أغانيهم المنحرفة.. حركاتهم.. كلماتهم..

 والذي يسقط في التقليد الأعمى يظن أن كل ما هو آت من الخارج هو صحيح وحق، ودليل على الرقي والتقدم والتطور حتى لو كانت عبادة للشيطان، ويفقد هذا الإنسان روح التميز، ويقول القمص تادروس يعقوب " قد إنتشرت صور الشيطان وعلاماته ورموزه على ملابس شباب هذه الأيام، وذلك تقليدًا لنجوم الغناء، هذا ويعتز بعض نجوم الغناء بوضع قرنين فوق الرأس متشبهًا بالشيطان، أو إستخدام أدوات ماكياج لا للتجميل وإنما ليحملوا مناظر مرعبة كجنود للشيطان وأتباع له " (3).

 إعطنا يارب روح الإفراز حتى نبصر جيدًا الطريق للملكوت، فلا نسلك في الطرق المعوجة، فإن كل فضيلة خالية من روح الإفراز قد تتحول إلى رذيلة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

خامسًا: الوسط المنحرف

 "لا تضلوا فأن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة" (1كو 15: 33)، يميل الشباب إلى تكوين صداقات قوية، والإنضمام تحت ألوية " الشلل " فكل شاب يحب أن يكون له شلته، ويحب أن يكون مميزًا في هذه الشلة، يكسب ثقتها ويمنحها الولاء الكامل، ولذلك غالبًا ما تفوق طاعته لأصدقائه طاعته لوالديه، وبالتالي فإن تأثير الشلة قد يكون أقوى كثيرًا من تأثير الأسرة، وعندما تكون هذه الشلة متماسكة، والأسرة ضعيفة والوعي الأسري قد غاب أو مات يصل الخطر إلى ذروته.. وأيضًا يحاول الشباب أن تضم الشلة الأصدقاء من الجنسين كنوع من التنفيس عن الكبت التربوي، أو كنوع من الإشباع الخاص للغريزة الجنسية، وقد تتطور الأمور من الإستلطاف والمرح إلى الهزار الجنسي ثم الإنحراف.

St-Takla.org         Image: Painting by D'Agaggio - Ambivalence صورة: لوحة للفنان داجاجيو: تكافوء الضدين

St-Takla.org Image: Painting by D'Agaggio - Ambivalence

صورة في موقع الأنبا تكلا: لوحة للفنان داجاجيو: تكافوء الضدين

 والوسط المنحرف يغري الشباب فيسقط بسهولة بالغة في العادات الذميمة مثل التدخين والإدمان والإنحراف الذي يصل إلى الممارسات الشيطانية، والسير في طريق الموت بلا عودة طالما هناك تمسكًا بهذا الوسط الشرير. أما أبناء الله فلهم صداقاتهم المقدسة.. محور المجموعة الإنجيل، ورأسها السيد المسيح، ومجالها الأماكن المقدسة، وأعضاؤها من المجاهدين في طريق الفضيلة، بل تتسع لتشمل أحباءنا الذين سبقونا إلى المجد الأبدي.. في هذه المجموعة لا تجد إلاَّ الإحترام المتبادل والتواضع الحلو والكلام المقدَّس والنظرات العفيفة والقلب النقي.. كل فرد فيها له كيانه وشخصيته يتفاعل مع الجماعة ولكن لا يلغي شخصيته ولا يتحول إلى ريشة في مهب الريح..

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

سادسًا: إغراء الموسيقى الشيطانية

 الموسيقى لها تأثير ضخم على كيان الإنسان.. على جسده ونفسه وسلوكه وحركاته إلى أن تصل إلى الحالة الهسترية.. يقول أفلاطون " عندما نغير أنظمة الموسيقى نغير أنظمة الدولة الرئيسية ".. الموسيقى لها تأثيرها الجبار ليس على الأصحاء فقط بل وعلى المرضى أيضًا، بل على النبات والحيوانات كما سنرى في بعض عند حديثنا عن موسيقى الروك. وفي غمرة ونشوة الموسيقى لا يدري الإنسان ما يصدر منه من كلمات غير لائقة وتصرفات شائنة.. الكلمات التي تصل إلى سب الذات الإلهية، وتمجيد إله هذا الدهر، والتصرفات التي قد تصل إلى ممارسة الجنس أمام الجميع، والجنس الجماعي حيث ينحدر الإنسان وينحط إلى مستوى الحيوان.

 والشيطان بحكم خبرته السابقة إذ كان عازفًا موسيقيًا سماويًا يقدم التسابيح أمام العرش الإلهي فهو خبير بدروب الموسيقى، ويعرف كيف يسيطر ويهيمن على أتباعه من خلال موسيقاه الشيطانية. أما أبناء الله فإنهم يتمتعون بالموسيقى الكنسية الروحية الهادئة الهادفة التي تلهب الروح شوقًا نحو الحياة السماويَّة، لذلك يجب إستخدام المواهب الموسيقية وتشذيبها حتى تصل إلى الحالة الراقية، مع البعد عن الموسيقى الصاخبة التي تسبب التوتر، وتدفع الإنسان إلى الحركات الهسترية وفقدان الوعي.

 وبلا شك أن هناك إرتباطًا قويًا بين الذين يحبون الموسيقى ويعانون من الفراغ الروحي وبين الغرق في الموسيقى الشيطانية، فيقول القمص تادرس يعقوب " إعتمادًا على حالة الجهل الروحي في الحروب، وإستغلال للفراغ الروحي في حياة الشباب، إنتشرت أغاني مشحونة بكلمات العبادة للوسيفر نفسه وأيضًا عبادة أوثان الأمم مثل براهما وبوذا ورفقان وديانا.. إلخ ونحن نعلم أن عبادة الشيطان كإله كانت ومازالت مشتهاه الأول، وهي السبب الأساسي لطرده من السماء " (4).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

سابعًا: الشهرة

 الشهرة لها جاذبية جنونية لدى الشباب الجائع.. تجده يجري وراءها ويلهث لكيما يحقق ذاته، وليرضي كبرياءه ويظن أنه قد أصبح شيئًا مهمًا، والذي يجري وراء الشهرة لا يعرف معنى إنكار الذات، ولا طريق الإتضاع، ولا البذل والتضحية من أجل الآخرين بل هو يتمركز حول نفسه.. يهوى أحدث أنواع الموسيقى حتى ولو كانت شيطانية، ويبحث عن شرائط الكاست التي تنتجها بعض الشركات الأجنبية المنحرفة مثل "جنون الشياطين" Satanic - Mas، ويحاول جاهدًا التفرد بمظهره وملبسه وإطالة شعره أو حلقه بالموس.. إلخ.

 والشهرة لها تكلفتها الغالية من الناحية المادية والمعنوية والروحية، فالإنسان يحتاج للمال ويحاول الحصول عليه بأي طريقة، ولو بطريق العنف مع أسرته أو طريق السرقة، وقد يخسر الكثير والكثير في الوصول إلى غايته. أما أبناء الله فإنهم يتسربلون بالتواضع، ويهربون من المجد الذاتي يحملون صليبهم كل يوم ويتبعونه، فيرفعهم الصليب إلى المجد السماوي.. إلى الملكوت.. إلى العرش الإلهي.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ثامنًا: تحقيق الذات

 الشاب يهتم جدًا بتحقيق ذاته، ولكن عندما تختلط لديه المفاهيم يسقط في الأفكار المنحرفة ويتعرض للضياع، فمثلًا الحرية كلمة رنانة وجميلة، والحرية الحقيقية هي الحرية من عبودية الشيطان والخطية، والحرية الحقيقية هي الإلتصاق بالله، ولكن عندما يسئ الشباب فهم الحرية فيجعلها طريقًا لتحقيق الرغبات والشهوات والسلوك في الإباحية والعبادة الشيطانية فإنه يدمر نفسه، وللأسف فإن هذا النوع من الشباب يرفع الشعارات الرنانة: لماذا التزمت؟ لماذا القيود على الحرية؟ لماذا.. ولماذا.. ولماذا.. وباطن هذه الشعارات جميعها لماذ لا نفعل الخطية؟ لماذا لا نسلك في طريق الموت؟ لماذا لا نجرب المذاهب الحديثة؟ لماذا لا نعبد الشيطان الذي يُحلّل لنا كل شيء؟ أما أبناء الله فإنهم يبصرون جيدًا الطريق، ويتفادون العذاب الأبدي، ويهربون من هوة الهلاك، ويصرخون مع معلمنا بولس الرسول الذي يقول " مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ " (غل 2: 20).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

سبب دراسة المذاهب المنحرفة:

 وقد يتساءل البعض: ما الداعي للخوض في مثل هذه الأمور، وإهدار الوقت، وضياع العمر باطلًا، وإلى متى سنظل نقول " هم قالوا.. ونحن نقول ".. ألاَّ نترك كل هذا الضياع وندخل إلى عمق كتابنا المقدَّس ونشبع به، ونهتم بالإيجابيات ونترك السلبيات.. إلخ.

 

 حقًا يا صديقي.. ما أجمل الدخول إلى عمق كتابنا المقدَّس والشبع به والإرتواء من ذاك النبع الخالد الصافي، فهذا حق وجليل، والإهتمام بالأمور الإيجابية شيء رائع، ولكنني أظن أنه مادمنا في هذا المسكن مقيمين، ولسنا بمعزل عن العالم، ونسمع بآذاننا ونرى بأعيننا سهام إبليس الملتهبة الموجهة إلى أبنائنا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ولاسيما شبكة المعلومات، لذلك أصبح لزامًا علينا أن نتحمل عبء فضح الباطل الذي يرتدي ثياب الحق، وإعلان الحقيقة، ومع ضحالة معرفتي لا أظن أن هذا المنهج يخالف منهج الكتاب المقدَّس أو منهج آباء الكنيسة، وربما هذه الأمور تساعد في توضيح قصدي هذا:

 

1- إهتم الكتاب المقدَّس بذكر بعض السلبيات لنتعلم منها، فعندما ذكر قصة السقوط ذكر كلام الحيَّة وهو بلاشك من السلبيات، وذكر الإنجيل خطايا الشعب اليهودي والأنبياء وهي بلاشك من السلبيات، وذكر الكتاب المقدَّس قول الجاهل " قال الجاهل في قلبه ليس إله " (مز 14: 1) وإمتدت كتابات الأنبياء لتخبرنا عن خطايا الأمم، بل وإمتدت نبوات رجال الله على هذه الأمم بسبب شرورها، وذكر العهد الجديد خطايا الكتبة والفريسيين وغيرهما، وتصدى الرب يسوع لريائهم، وقد صبَّ الويلات عليهم (مت 23) وعندما إستهزأ اليهود بالسيد المسيح وقالوا عنه " أنه سامري به شيطان " و" مجنون " و" ببعل ذبوب يخرج الشياطين " ذكر الإنجيل كل هذه الأمور وهي بلاشك من السلبيات، وعندما إعتقد الصدوقيون بأنه لا قيامة للأموات ذكر الإنجيل بدعتهم هذه ورد السيد المسيح عليها، وعندما ظهرت بدعة التهوُّد ذكرها الإنجيل وهي من السلبيات، وذكر إجتماع مجمع أورشليم من أجل هذه البدعة، وعندما إدعى البعض أن جسد السيد المسيح أثيري رد عليهم القديس يوحنا الحبيب، وأشاد الرب يسوع بملاك كنيسة أفسس الذي تصدى لبدعة النيقولاويين (رؤ 2: 6) فأظن أن هذا خط واضح في الكتاب المقدَّس.

 

2- تصدى آباء الكنيسة للهرطقات بالفكر، فأوضحوا ما فيها من سموم، وشرحوا الإيمان المستقيم، ولعل كتاب القديس ايريناؤس " ضد الهرطقات " خير شاهد لتناول الآباء للهرطقات والرد عليها، وقد شمل هذا الكتاب الرد على عشرات الهرطقات التي إنتشرت حينذاك، ولم يقل ايريناؤس أن تلك أمور تافهة لا تستحق منا إلتفاتة، فهو يعلم جيدًا أنه لن يتأثر بها، ولكنه يعلم أيضًا أنه ربما تكون لهذه السموم خطورتها على أبنائه متى وصلت إليهم، ولهذا السبب أيضًا ظهر في التاريخ " الآباء المدافعون " من أمثال يوستينوس وأثيناغورس وترتليان من الذين شرحوا الأفكار الخاطئة وقاموا بالرد غليها.

 

3- تُرى لو قال القديس أثناسيوس دعنا نعيش في عمق الكتاب، ولا نلتفت إلى هرطقة أريوس.. إلى أي مسار كانت الأمور ستؤول؟!. إن جهاد أثناسيوس المرير ضد أريوس وكيرلس الكبير ضد نسطور وبقية الآباء القديسين ضد الهراطقة، لهي علامات مضيئة في طريق الملكوت، ولا أظن أن الرب سينسى تعبهم وجهادهم أو يلومهم على إنشغالهم بتلك الهرطقات للرد عليها والتحذير منها.

 

4- لماذا إنعقدت المجامع المسكونية؟.. لقد إجتمعت من أجل مناقشة بدع المبتدعين وهرطقات الهراطقة والحكم عليها وعليهم، والتحذير منهم، فصارت هذه المجامع نبعًا لا ينضب حتى الآن، فمتى إلتقيت بأحد من شهود يهوه جاء ليبشرني بأن السيد المسيح ليس هو الله، فأبسط رد أننى أقول له: إنها هرطقة أريوس القديمة بدأت تطل برأسها من جديد، ومتى قال لي إن الروح القدس ليس هو الله أقول له: إنها بدعة مقدونيوس القديمة، ومتى جاء أصحاب النقد الأعلى ومدعي التحريف ليهاجموا سفر النشيد ويقولون إنه غزل شهواني وحب فاضح، ضُم خطأ للأسفار المقدَّسة إعلم أن هذا هو فكر ثيؤودور المبسويستي معلم نسطور الذي قال هذا وحكم عليه مجمع القسطنطينية الثاني بالحرم من أجل أقواله هذه.

 

5- قام الآباء بوضع المؤلفات التي تناقش كل ما يشكك في الكتاب المقدَّس والرد عليها، فنالت هذه المؤلفات إستحسان الكثيرين، ومن هذه المؤلفات على سبيل المثال " مشكاة الطلاب في حل مشكلات الكتاب " للعلامة الأسقف أيسيذورس، و" حل مشكلات الكتاب المقدَّس " للقس منسى يوحنا، ولأهمية هذه المؤلفات ظلت حية للآن، وعلى نفس المنوال يقوم نيافة الأنبا بولا أسقف الغربية بتدريس مادة " العلم والدين " ويستعرض الأقوال الخاطئة في قصتي الخليقة والطوفان ويرد عليها..

 

6- وسار الآباء على نفس المنوال، فوجدوا لزامًا عليهم تدريس البدع والهرطقات القديمة والحديثة وكذلك النقد الكتابي Biblical Criticism في الكليات الأكليريكية، وقام قداسة البابا بتدريس النقد الكتابي بنفسه في إكليريكية القاهرة وكذلك الإسكندرية حيث يستعرض أفكار الذين يقولون أننا شركاء الطبيعة الإلهية، وإن الكنيسة كانت مع السيد المسيح في ميلاده وصلبه.. إلخ وراح يناقش هذه الأفكار ويُحلّلها ويرد عليها حتى لا يتأثر أحد من أبنائه بها، وعندما قامت الكنيسة الإنجليكانية في الخارج بقبول الشواذ في الكهنوت، لم يقل قداسته: مالنا ولهم، فدعنا منهم ولا نلتفت إليهم ولاسيما إن هذه البدعة بعيدة تمامًا عن الأراضي والأفكار المصرية، حتى إن الكنيسة الإنجليكانية في مصر رفضت هذه البدعة.. فلماذا نشغل أنفسنا بها؟.. هل فعل هكذا.. إنما أعلن رأي الكنيسة على الفور وهو في الخارج، وبمجرد عودته عقد جلسة خاصة للمجمع المقدس وأعلن رأي الكنيسة في رفض هذه البدعة كما سنرى بين صفحات الكتاب.

 

7- يقوم المجمع المقدس الآن بعقد المؤتمرات المتخصصة ولاسيما " مؤتمر تثبيت العقيدة "، وتُشحَذ له الهمم، ومن خلال المؤتمر تقوم الكنيسة بالتوعية من المخاطر الخارجية وكيفية مجابهتها، فناقشت مثلًا الغزو الأدفنتستي للكنيسة من خلال مطبوعاتهم، وكان من نتيجة هذه التوعية إنحصار الموجة الأدفنتستية. وهلم جرا.

 

8- عندما يهدد المجتمع وباء معين تسرع وزارة الصحة بتطعيم الشعب، وما هذا التطعيم إلاَّ ذات الميكروب في صورته الضعيفة، مما يُنشّط الجهاز الدفاعي في جسم الإنسان فيسحق هذا الميكروب الضعيف، ومتى أقبل الميكروب القوي يحاربه ويسحقه.. وهكذا نجد أوبئة البدع والهرطقات تحيط بنا، والبعض يعتنقها بسهولة، ولذلك لا خوف على الإطلاق من عرضها من منظار كتابي أرثوذكسي والرد عليها، ولكن الخوف كل الخوف من تجاهلها، وفي غفلة تهاجم أولادنا وتفتق بهم، ونحن لا نخشى أبدًا اللون الأبيض لو وُضِع اللون الأسود بجواره، لأننا نعلم أن اللون الأسود سيظهر جمال ولمعان وبهاء اللون الأبيض، ولذلك نحن لا نخشى البدع والهرطقات والتشكيكات إنما نعرضها بقوة وشجاعة موقنين بمن آمنا، وإن كان هذا وبلاشك يحملنا عبئًا نفسيًا، لكننا نقدم هذا الجهد الشاق والعبء النفسي ذبيحة حب لمن جاز آلام الصلب عنا.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) دليل الشباب في مواجهة المذاهب المنحرفة ص 101.

(2) عبدة الشيطان.. القدر المشئوم ص 50.

(3) عبادة الشيطان في العصر الحديث ص 104.

(4) عبادة الشيطان في العصر الحديث ص 102.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/crooked-denominations/preface.html