سؤال 752: لماذا: "جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ" (يو 18: 28) ولم ينفذوا هم حكم الموت فيه؟ وكيف يوصينا يسوع: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (مت 5: 39) وهو لم يُنفذ هذه الوصية عندما لطمه خادم رئيس الكهنة (يو 18: 22-23)؟ وعندما سأل بيلاطس يسوع: " أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" أجابه يسوع: " أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟" (يو 18: 33-34) فأين إجابة يسوع على سؤال بيلاطس؟

ج: أولًا: لماذا: "جاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ" (يو 18: 28) ولم ينفذوا هم حكم الموت فيه؟
1- كانت فلسطين تحت الاحتلال الروماني، وقد نزعت روما سلطة تنفيذ حكم الإعدام من مجلس السنهدريم، قبيل صلب السيد المسيح بسنوات قليلة، وجاء في التلمود: "منذ أربعين سنة قبل تدمير الهيكل، لم يكن للمجلس اليهودي (السنهدريم) سلطة تنفيذ حكم الموت" وحيث أنه من الثابت أن هيكل أورشليم تم تدميره سنة 70م، لذلك فإن نزع هذه السلطة من يد المجمع اليهودي الكبير جرى نحو سنة 30م، وقد أوضح يوحنا هذه الحقيقة: " فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا" (يو 18: 31) فهذا اعتراف واضح وصريح من رؤساء الكهنة بأنهم لم يعد لديهم سلطة تنفيذ حكم الإعدام.
2- كان أمام اليهود طريقين، إما أن يستصدروا حكمًا من الوالي بصلبه لأنه لا يحمل الجنسية الرومانية، فالقتل يتم صلبًا، وفي هذه الحالة يتحمل الوالي مسئولية إعدامه، فلا يثور ضدهم أي من أتباعه ومُحبيه. وإما أن يثيرون الغوغاء والمُشاغبين والهوجائيين ليهجموا عليه ويرجمونه مثلما فعلوا بعد ذلك مع استفانوس، ولكن هذه الطريقة غير محمودة العواقب، لأن مؤيديه وأتباعه قد ينجحوا في إنقاذه من أيديهم، وإذا رُجم ينتقمون له، ولا سيما أن أتباعه كانوا ألوفًا وربوات.
3- كان لا بد أن تتم النبوءات التي أنبأت بموته صلبًا، فلو لم يُصلَب ومات رجمًا كيف كانت تتحقق هذه النبوءات، مثل:
† " ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ" (مز 22: 16).
† " يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ" (مز 22: 18).
† " وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ" (مز 69: 21).
† " فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ وَيَنُوحُونَ" (زك 12: 10).
4- أراد اليهود أن يشوهوا صورة السيد المسيح وسمعته ويلصقون به اللعنة، لذلك سعوا إلى صلبه: " لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غل 3: 13). يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "ضغطوا عليه، قائلين "اصلبه". ولماذا كانوا يُجاهدون كي يقتلوه بهذه الوسيلة؟ أنه موت شائن! لقد خشوا لئلا يكون له فيما بعد أي ذكرى، فأرادوا أن يسقطوا عليه عقوبة لعنية"(436). (راجع أيضًا مدارس النقد - عهد جديد جـ 5 س442).
ثانيًا: كيف يوصينا يسوع: " مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (مت 5: 39) وهو لم ينفذ هذه الوصية عندما لطمه خادم رئيس الكهنة (يو 18: 22-23)؟ سبق الإجابة على هذا التساؤل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ3 س269. ولا يفوت علينا أن السيد المسيح هنا وقف ليُعلم البشرية درسًا هامًا، فإن كان على الإنسان بحسب طاقته أن يُسالم جميع الناس، لكن ليس هناك مانعًا أن يدافع الإنسان عن نفسه، والإنسان الذي يُدافع عن نفسه في وداعة أفضل من الإنسان الذي يحوّل خده الآخر وهو يغلي غيظًا. يقول "القمص تادرس يعقوب" أن السيد المسيح: " أجابه في وداعة وحكمة، دون أن يُقدِّم له الخد الآخر كما أوصى في موعظته على الجبل (مت 5: 39). بهذا علَّم الجميع أنه يوجد من يحوّل الخد الآخر جسمانيًا لكن قلبه يحمل كراهية لمن يضربه، أما السيد المسيح فقد حوَّل كل جسمه ليُصلب بالحب من أجل ضاربيه، فالتحوُّل يلزم أن يكون في الداخل" (437). ويقول "القديس أغسطينوس": " إن وصايا المسيح لا تتم بالجسد، ولكن باستعداد القلب، لأنه يمكن أن إنسانًا غاضبًا حاقدًا يحوّل الخد الآخر، ولكن كم يكون من الأفضل للإنسان أن يكون في ملء السلام الداخلي، ليردَّ بجواب فيه الحق، وبهدوء الفكر يُمسِك نفسه، مُستعدًا لاحتمال آلام أكثر تأتي عليه" (438).
ثالثًا: عندما سأل بيلاطس يسوع: " أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟" أجابه يسوع: " أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟" (يو 18: 33-34) فأين إجابة يسوع على سؤال بيلاطس...؟ تكمن الإجابة في خلفية إجابة بيلاطس على سؤال يسوع، فلو أن بيلاطس أجاب على سؤال يسوع له لاكتشف الإجابة على سؤاله... هل يا بيلاطس تقول إني ملك من ذاتك أم أن اليهود هم الذين أخبروك بهذا ليحاكمونني بمقتضاه، فلو أنني سعيت نحو الصورة ضد روما لأنصّب نفسي ملكًا لكنت أنتَ يا بيلاطس أول من يعلم بهذا عن طريق مخابراتك وعيونك السرية. لكنك تعلم جيدًا أنهم عندما أرادوا أن يجعلونني ملكًا عليهم أنني رفضت ذلك بشدة ولم أنصاع لهم، فلماذا تُصغي إلى اتهامهم الباطل يا بيلاطس وقولهم أنني أقول عن نفسي إني ملك. ألا تعلم يا بيلاطس أن مملكتي ليست من هذا العالم، لأنه لو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني أتباعي حتى لا أُسلَم إليك، ولكن مملكتي ليست من هذا العالم... فلماذا تُصغي لوشاية اليهود وأنت تعلم كذبهم. هذا ما أراد أن يقوله يسوع لبيلاطس. يقول "الأب متى المسكين" أن: " المسيح لا يُجاوب، بل يسأل مرة أخرى، ماذا يعني بيلاطس من سؤاله، هل لكي يعرف الحقيقة: "أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا؟"، وكأن ضميرك يطلب الحق. أم آخرون يدسُّون عليك اللقب لتحاكمني بمقتضاه؟ هل هذا اللقب يعنيك أنت "ذَاتِكَ" (شخصيًا)؟ وهنا "الملك" يأخذ معناه الروحي العالي الذي لا يتعارض مع وظيفتك وسياستك ورئيسك؟ أم أنه يعني الشاكين الذين يُلبسون اللقب ثوب السياسة والخيانة والغدر؟ لقد نجح المسيح في استجوابه لبيلاطس أن يصحح عنده مفهوم لقب "ملك" فإن كان هو من ذاته يقول هذا، فهو لقب صحيح مائة بالمائة، لأنه يكون قد قاله عن وعي صادق، أما إن كان نقلًا عن آخرين فهو مرفوض من المسيح، كما هو مستنكر من بيلاطس سواء بسواء!! وإلاَّ أين أعواني وما هيَ مظاهر مطالبتي بالمُلك؟" (439).
_____
(436) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1099.
(437) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1161.
(438) أورده الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1140.
(439) أورده الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص1158.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/752.html
تقصير الرابط:
tak.la/7r6qg4s