St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

746- كيف يقول السيد المسيح لتلاميذه أنه لم يخبرهم من قبل الاضطهادات التي ستحل بهم: " سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ.. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ" (يو 16: 2، 4) مع أنه قد أخبرهم من قبل بالتفصيل بما سيلحق بهم من اضطهادات (مت 10: 16-28)؟ ولماذا ربط السيد المسيح مجيء روح الحق المعزي برحيله: " لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي" (يو 16: 7)؟

 

سؤال 746: كيف يقول السيد المسيح لتلاميذه أنه لم يخبرهم من قبل الاضطهادات التي ستحل بهم: " سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ... وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ" (يو 16: 2، 4) مع أنه قد أخبرهم من قبل بالتفصيل بما سيلحق بهم من اضطهادات (مت 10: 16-28)؟ ولماذا ربط السيد المسيح مجيء روح الحق المعزي برحيله: " لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي" (يو 16: 7)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل أخبر السيد المسيح تلاميذه بالاضطهادات (مت 10: 16-28)، أم أنه لم يخبرهم (يو 16: 4)...؟ عندما أرسل السيد المسيح تلاميذه في الرحلة الكرازية الأولى تحدث معهم عن الاضطهادات التي قد يتعرضون لها بصفة عامة ومجملة، فقال لهم أنه يرسلهم كغنم وسط ذئاب (مت 10: 16)، وأنهم يُساقون أمام ولاة وملوك (مت 10: 18)، ويكونون مُبغضين من الجميع (مت 10: 22) وأوصاهم أن لا يخافوا من الذين يقتلون الجسد (مت 10: 28). لكن في هذا الحديث الوداعي ليلة آلامه كشف لهم عن شراسة هذه الاضطهادات: " سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للَّهِ" (يو 16: 2). وجاء في كتاب المدراش اليهودي أن من قتل إنسانًا شريرًا مثل المسيحي، فكأنه قدم ذبيحة للَّه، مثلما غار فينحاس غيرة الرب (عد 25: 6-8)، ويقول "متى هنري" عن وصف بغضة اليهود للمسيحيين: " سوف تجدونهم قساة للغاية وسوف يقتلونكم... وسوف يبدون أمامكم ذوي ضمائر حية، ذلك لأنهم يعتقدون أنهم يُقدمون خدمة للَّه أنه بمقدور أولئك الذين هم في الحقيقة أعداء اللَّه أن يظهروا حماسة قوية لخدمته. وكم من مرة يتم عمل الشيطان تحت ستار اسم اللَّه، أنه لأمر شائع أن يتم التعامل مع الذين بعداوة تحت زعم بأن واجب أن يُؤدي للَّه" (396). وطرد أي إنسان يهودي من المجمع يعد عقوبة قاسية، وكأنك حكمت عليه بالإعدام، إذ يصير منبوذًا مُحتقرًا من إخوته وأقاربه وأسرته ومجتمعه، وربما يهدر دمه ويظن من يقتله أنه يُقدِّم خدمة للَّه.

وقد وقع المسيحيون في القرون الأولى بين المطرقة والسندال، إذ أُضطهدوا من اليهود والرومان أيضًا، الذين ألقوا ببعضهم للوحوش المُفترسة، وبعضهم للنيران، بل جعلوهم مشاعل تُضئ ليالي روما المُظلمة، ولعل من الأسباب التي أججت العداء الروماني ضد المسيحيين:

1- رفضهم تأليه الإمبراطور والسجود له سجود العبادة، وفي يوم الاحتفال بالإمبراطور كان يتسابق الناس للسجود لتمثاله ووضع حبات البخور أمام هذا التمثال، الأمر الذي رفضه المسيحيون مُتمسكين بوصية سيدهم: " أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للَّهِ للَّهِ" (مر 12: 17)، فالعبادة تليق باللَّه وحده وليس بأي كائن آخر حتى لو كان الإمبراطور.

2- الاتهامات الكاذبة التي أُشيعت حول المسيحيين، مثل الادعاء بأنهم يذبحون الأطفال ويشربون دمائهم نتيجة الفهم الخاطئ لسر الإفخارستيا، وأنهم يُبيحون الفجور والزنا لأنهم يجتمعون في الكهوف والسراديب وأماكن القبور جميعًا رجال ونساء، لأن عبادتهم كانت مُحرَّمة، واتهامهم بأنهم يبغضون العالم ويتمنون احتراقه، نظرًا لحديثهم عن المجيء الثاني للسيد المسيح ونهاية الدهور، وأيضًا اتهامهم بأنهم هم الذين أحرقوا مدينة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية في عصر نيرون الذي أشعلها، ولكيما يُبرر نفسه لصق التهمة بالمسيحيين وصبَّ عليهم جام غضبه. والأمر العجيب أن المسيحية تنمو وتزدهر لأن دماء الشهداء صارت بذار الإيمان: " بِحَسْبِمَا أَذَلُّوهُمْ هكَذَا نَمَوْا وَامْتَدُّوا" (خر 1: 12) وقد أعطى اللَّه وعده قائلًا: " وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت 16: 18).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا قال لهم أنه لم يسبق أن يخبرهم بهذا مع أنه عندما دعا الاثنى عشر قال لهم أنهم سيقفون أمام ملوك وولاة من أجل اسمه ويجلدونهم في مجامعهم (مت 10: 17-18). يجيب على ذلك أنه ما سبق أن أخبرهم عنه كان يخص ما سيحدث في المستقبل حين يكرزون بين الأمم (بعد حلول الروح القدس عليهم وخروجهم للكرازة)، أما ما يخبرهم عنه هنا فهو ما سيعانوه من اليهود، وأنه قد صار على الأبواب (ساعة القبض على السيد المسيح والصلب) وهو أمر لم يسبق أن يخبرهم عنه" (397). ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الاضطهادات التي تحدث عنها المسيح إلى تلاميذه في (يو 16: 4) أشد هولًا من تلك المذكورة في (مت 10: 17، 21، 28). ويقول " بنغال " أن المسيح عند دنو نهاية خدمته، كلم تلاميذه عن الاضطهادات باسهاب وإفاضة (يو 16: 4). لكنه في قلب خدمته، تحدث إليهم عن الاضطهادات بكلام مُجمل" (398).

وتساءل البعض: هل كان الوقت مناسبًا ليُخبر السيد المسيح تلاميذه ليلة آلامه بهذه المآسي؟ أوضح السيد المسيح السبب الذي لأجله حدَّث تلاميذه عن هذه الأتعاب والآلام التي ستحل بهم قائلًا: " قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا... قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو 16: 1، 4). فالمصائب التي تُفاجئنا ونحن نجهلها تكون أشد وطأة من التي نتوقعها ونتهيأ نفسيًا لها، لأن عنصر المفاجأة يكون قد تحطم، ولهذا كان الوقت مناسبًا جدًا، ولا سيما أن الصليب كان على الأبواب.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثانيًا: لماذا ربط السيد المسيح مجيء روح الحق المعزي برحيله: " لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي" (يو 16: 7)...؟ كان مجيء الروح القدس المعزي مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالخليقة الجديدة، فلم يكن يصلح أن يسكن روح اللَّه القدوس في الطبيعة القديمة الساقطة. كان لا بد أن يتجسد ابن اللَّه ويرفع عنا حكم الموت ويُطهِر طبيعتنا ويُقدِّسها بدمه، ثم يأتي الروح القدس ليسكن فيها ويُزينها لتصلح أن تكون عروسًا للمسيح. كان لا بد أن موت المسيح رب الحياة أن يعقبه قيامة من بين الأموات، والأموات يعقبها صعود للسماء، وأن يقبل الآب ذبيحة ابنه، وأن يجلس الابن عن يمين الآب، وقد أوضح السيد المسيح ترتيب الأمور عندما قال: " لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ" (يو 7: 39)، فمن جهة الترتيب الزمني إتمام الفداء وتجديد الطبيعة أولًا ثم مجيء الروح القدس وعمله في النفس إلى أن يصل بها للملكوت. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " فإن قلتَ: ولِمَ ما أعطى السيد المسيح الروح القدس لتلاميذه قبل أن ينطلق من عندهم؟ أجبتك: لأن اللعنة ما كانت قد انتزعت بعد، وخطيتنا ما كانت قد حلت بعد، مما كان لائقًا أن يجيء الروح القدس إذ الناس كلهم مدينون في العقوبة، وكأن السيد المسيح يقول: ينبغي أن تنحل العداوة وأن نصالح إلهنا، وبعد ذلك نقبل تلك الموهبة" (399).

ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليب": " وتساءل أولًا: لماذا لا يأتي الروح القدس ما لم يذهب يسوع. ثانيًا: أن الروح القدس إله، فالمسكونة مُمتلئة منه وهو في كل مكان فكيف يقول يسوع أنه يرسله؟ الجواب على الأول: أن الخطية بقيت سائدة بين البشر واللعنة حالة على العالم حتى الزمن الذي تعلَّق فيه السيد المسيح على خشبة الصليب، فإذ ذاك ارتفعت اللعنة وتلاشت الخطية فأتى الروح القدس. وعلى الثاني: أن "الإرسال" دالّ لا غير على أن الابن هو الأقنوم الثاني الذي بعده الروح الذي هو الأقنوم الثالث، وأن الاثنين مُتميزان بالأقنومية ولو أنهما مُتساويان مع الآب بالجوهر والطبيعة وأنك علمتَ ما قاله سيدنا أولًا من أنه سيطلب أن يرسله الآب، وثانيًا من أن الآب يرسله بِاسم الابن... ثالثًا من أن الابن يرسله. وكل هذه أنواع التعبيرات تدل على أن الثلاثة مُتساوون بالطبيعة، وبعد أن سمع الناس صوت الآب، ونظروا معجزات الابن، لزم أن يعرفوا شيئًا عن الروح القدس" (400).

وقال السيد المسيح للتلاميذ: " خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ" (يو 16: 7) وفعلًا تحقَّق هذا الخير عندما عاين التلاميذ صعود السيد المسيح للسماء: " فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ" (لو 24: 52)، وبعد صعوده أرسل روحه القدوس، فولدت كنيسة العهد الجديد، وقاد الروح القدس الكنيسة، وظهر دوره في الأسرار المقدَّسة، وأيضًا في تسجيل الأسفار المقدَّسة للعهد الجديد. وتساءل البعض: كيف يقول السيد المسيح: " لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي" (يو 16: 7) مع أن الروح القدس حلَّ من قبل على القضاة (قض 6: 34؛ 14: 6)، وعلى الأنبياء (إش 61: 1؛ حز 2: 2)، وعلى الملوك (1 صم 10: 6؛ 16: 13) وامتلأت أليصابات من الروح القدس (لو 1: 41) وكذلك زكريا الكاهن (لو 1: 67). والحقيقة أن هناك فرقًا شاسعًا بين حلول الروح القدس في العهد القديم وحلوله في العهد الجديد، ففي القديم كان حلول الروح القدس سواء على القضاة أو الأنبياء أو الملوك أو الأشخاص حلول مؤقت بهدف المساندة، أو النبوءة، أو أداء رسالة معينة. أما في العهد الجديد فروح اللَّه القدوس صار يسكن في الإنسان المؤمن الذي مات وقام مع المسيح في المعمودية، ويستقر ويستريح في الإنسان، ولذلك قال الإنجيل: " وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ الله الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ" (أف 4: 30)، و" لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ" (1 تس 5: 19).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(396) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس، جـ1 - الأناجيل الأربعة، ص732.

(397) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص1041.

(398) شرح بشارة يوحنا، ص658.

(399) شرح إنجيل يوحنا للقديس يوحنا الذهبي الفم - إعداد القمص أغسطينوس البراموسي، ص170.

(400) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد، ص430.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/746.html

تقصير الرابط:
tak.la/p5tyf7r