سؤال 745: لماذا قال السيد المسيح: " اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضًا" (يو 15: 23) مع أنه من الوارد أن شخصًا يحب الله ولا يحب المسيح؟ وهل الروح القدس ينبثق من الآب ومن الابن أيضًا، وعندما قال السيد المسيح: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" (يو 15: 26) فهذا اتضاع منه؟ وهل عندما قال السيد المسيح: " وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ" (يو 15: 26) فإنه قام بدور الخادم؟

ج: أولًا: لماذا قال السيد المسيح: " اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضًا" (يو 15: 23) مع أنه من الوارد أن شخصًا يحب الله ولا يحب المسيح؟. السيد المسيح هو عقل اللَّه الناطق، نطق اللَّه العاقل، أقنوم الكلمة، ابن اللَّه الوحيد الجنس، المتجسد من أجل خلاص جنسنا، صار ابن الإنسان وما زال هو ابن اللَّه، هو الواحد مع أبيه والروح القدس، فالابن في الآب، والآب في الابن، والروح القدس هو روح الآب وهو روح الابن، الأقانيم الثلاثة هم اللَّه الواحد... وإن كان الإنسان قد خُلق على صورة اللَّه ومثاله، فالإنسان بروحه وجسده وعقله ليس ثلاثة أشخاص بل هم شخص واحد، والشمس بقرصها وضوءها وحرارتها ليست ثلاث شموس بل هيَ شمس واحدة، والمكعب بطوله وعرضه وارتفاعه ليس ثلاثة مكعبات بل مكعب واحد، والمثلث بزواياه الثلاثة ليس ثلاثة مثلثات بل مثلث واحد... إلخ.
فالآب والابن والروح القدس ليس ثلاثة آلهة بل هم اللَّه الواحد، ومن يعي هذا يُدرك أنه من المستحيل فصل أقنوم عن الآخر: " كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابن لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا وَمَنْ يَعْتَرِفُ بالابن فَلَهُ الآبُ أَيْضًا" (1 يو 2: 23)... " وَمَنْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ فَهذَا لَهُ الآبُ وَالابن جَمِيعًا" (2 يو 9). الابن المنظور هو صورة اللَّه الآب غير المنظور الذي لم يراه أحد قط، ومن يعرف الابن يعرف الآب: " لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا" (يو 14: 7) ومن يرى الابن يرى الآب الحال فيه: " اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ... أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو 14: 9-10) فمن المستحيل أن الإنسان أو أي إنسان يحب اللَّه الآب ويبغض الابن يسوع المسيح الذي هو من نفس طبيعة الآب، وعمل أعمالًا لا يعملها إلاَّ اللَّه وحده، مثل الخلقة ومغفرة الخطايا، ونطق بتعاليم لا يُنطق بها إلاَّ اللَّه نفسه. قال السيد المسيح: " لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالًا لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّةٌ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي" (يو 15: 24) وأيضًا من المستحيل أن إنسانًا يحب الابن ويُبغض اللَّه الآب.
ثانيًا: هل الروح القدس ينبثق من الآب ومن الابن أيضًا، وعندما قال السيد المسيح: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" (يو 15: 26) فهذا اتضاع منه...؟ الاتضاع لا يُعطل أبدًا إعلان الحقائق الإلهيَّة... لماذا؟ لأن حجب الحقائق الإلهيَّة وعدم إعلانها بصراحة ووضوح يتسبب في ضلال وزيغان وضياع كثير من النفوس الغالية. ولو كان السيد المسيح أخفى انبثاق الروح القدس منه، فلماذا أعلن عن أزليته قائلًا: " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو 8: 58)؟! ولماذا أفصح عن لاهوته قائلًا: " أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو 14: 11)، و" أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30)؟! لماذا لم يخفي مساواته مع الآب في المجد والكرامة والأعمال... إلخ؟! القول بأن السيد المسيح أخفى انبثاق الروح القدس منه من قبيل الاتضاع يُمثل أحد الحجج التي يعتمد عليها الإخوة الكاثوليك في عقيدتهم بانبثاق الروح القدس من الآب والابن، ضمن أربعة عشر حجة، وقد سبق مناقشة هذه الحجج جميعها، كما تحدثنا عن الأصول التاريخية لإضافة "والابن" لقانون الإيمان في القرن التاسع في عهد البابا نيقولاوس الأول (858-867م)، ومحاولة فرضها على القسطنطينية ورفض "فوتيوس" بطريرك القسطنطينية هذه الإضافة، كما تحدثنا عن الأسباب التي تدعونا لرفض هذه الزيادة، وأوضحنا كيف خلط الإخوة الكاثوليك بين "الانبثاق" القائم منذ الأزل وإلى الأبد، وبين "الإرسال" الذي حدث في الزمن، فقد أرسل الابن الروح القدس بعد صعوده للسماء، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "يا إخوتنا الكاثوليك ... متى يكون اللقاء؟ جـ2 - الباب الثالث - الفصل الأول". ونضيف هنا قول "الأب أندره سكريما": " أما قوله: " رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" فهو إعلان جديد، الإعلان بأن الروح القدس هو عينه اللَّه. أن اعتقاد اللاتين بانبثاق الروح من الأب والابن معًا مبني على سوء فهم إذ أنهم خلطوا بين سر انبثاق الروح القدس من الآب جوهريًا وأزليًا، بين سر إرساله إلى العالم من قِبَل المسيح، فنقلوا المجال الثاني إلى المجال الأول" (390). وتعبير "الانبثاق" تعبير فريد نُسب فقط للروح القدس في علاقته مع الآب، ولا يوجد أي نص صريح في الأسفار المقدَّسة يقول بانبثاق الروح القدس من الابن، فكما أن شعاع النور يتولَّد من قرص الشمس، وتنبعث الحرارة من ذات القرص، هكذا الابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق أو منبعث من الآب أيضًا، وشبه "القديس كيرلس الكبير" انبثاق الروح القدس من الآب بأريج العطر الذي ينتشر ويشتمه الإنسان، وهو في نفس الوقت لا ينفصل عن العطر نفسه، فيقول: " فكما أن أريج الزهور ذات الرائحة الحلوة، يصدر بطريقة ما من نشاط أجزاء الزهور الأساسية والطبيعية ووظائفها التي تصدر هذا الأريج، وهكذا تنقل الإحساس به إلى العالم الخارجي عندما تستقبله أعضاء خاصة الشم في الجسد، ومع ذلك يبدو كما لو كان منفصلًا عن سببه الطبيعي، بينما لكون هذا الأريج ليس له وجود مستقل، فهو غير منفصل بالطبيعة عن المصدر الذي ينبعث منه، والذي يوجد فيه هذا الأريج، هكذا يمكن أن نفهم العلاقة بين اللَّه الآب والروح القدس بواسطة هذا المَثَل عن الزهور وأريجها"(391). كما يقول "القديس كيرلس الكبير" أيضًا: " الروح هو كأنه رائحة حلوة لجوهر اللَّه، وهو يؤثر بوضوح في الحواس، وينقل إلى الإنسان المخلوق فيضًا مُتدفقًا من اللَّه، إذ يُعطيه بواسطة ذاته اشتراكًا في الجوهر العالي الذي يهيمن على الكون كله. لأنه إن كان أريج الحشائش (النباتات) العطرة يمنح بعضًا من قوته للملابس التي يتلاشى معها، ويحول -بنوع ما- الأشياء المُحيطة به لتكون عطرة مثله، فبالتأكيد فإن الروح القدس يملك القوة، حيث أنه بالطبيعة اللَّه، أن يجعل أولئك الذي يحل فيهم، شركاء الطبيعة الإلهيَّة من خلال ذاته"(392).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل عندما قال السيد المسيح: " وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ" (يو 15: 26) فإنه قام بدور الخادم...؟ عندما أرسل السيد المسيح المعزي روح الحق المنبثق من الآب، فهذا لا ينقص شيئًا من كرامة أو قدر أو عظمة السيد المسيح، وهل عندما قال السيد المسيح عن الروح القدس: " ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو 16: 14) يعني أن الروح القدس قام بدور الخادم؟ الأقانيم الثلاثة لهم نفس الطبيعة الإلهيَّة الواحدة، نفس الجوهر الإلهي الواحد، نفس الكيان الإلهي، مُتساوون في جميع الكمالات الإلهيَّة، ليس بينهم من هو عظيم ومن هو أعظم. أقنوم الآب أرسل لنا أقنوم الابن مُتجسدًا من أجل خلاص جنسنا، والابن أرسل روحه القدوس ليسكن فينا ويقدسنا. يقول "القديس كيرلس الكبير": " لأنهم إن كانوا يظنون أنهم بجعلهم الابن خادمًا وعبدًا لنا، فهم يصيغون وينطقون بمفهوم ردئ جدًا... لأنه إن كان الابن يخدم مجيء الروح من الآب... فبالتأكيد يكون ضروريًا الاعتراف أن الروح مختلف عنه في الجوهر... إن كان الابن لا يصدر من الآب، أي من جوهره، كما تظنون، فبالتأكيد أنه حينما يُقارن الروح بالابن يصير أعلا من الابن [لأنه منبثق من جوهر الآب]. إذًا، ماذا نقول، حينما نسمع المسيح نفسه يقول عنه: "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (انظر يو 16: 14)... إن كنتم تعتبرون أن الابن يُمارس عمل خدمة، لكي يزودنا بذلك الذي هو من طبيعة أخرى، أي الروح المنبثق من اللَّه الآب، الذي هو قدوس بالطبيعة. فلا يكون الابن قدوسًا بالطبيعة، بل فقط بالمشاركة مثلنا نحن. لأنه بسبب جهل عديمي التقوى يعلنون أن الابن مختلف في الجوهر عن الآب، الذي منه ينبثق الروح المُعطى لنا بواسطة الابن... إذًا، فالحق عزيز جدًا علينا... ونحن لم نتبع أولئك الهراطقة، بل إذ نتبع الإيمان المُسلَّم لنا بواسطة الآباء القديسين، فنحن نعلن أن المعزي الروح القدس خاص بالابن، وليس مُضافًا له من الخارج... ونؤمن أن الابن هو من نفس الجوهر مع الروح، كما هو أيضًا مع الآب... أن هناك جوهرًا واحدًا" (393).
كما يقول "القديس كيرلس الكبير" أيضًا: " يقول أن المعزي روح الحق، أي روحي، الذي ينبثق من الآب، متى جاء سيشهد لي، وكيف سيشهد؟ أنه يشهد بعمل معجزات فيكم، وبواسطتكم سيصير شاهدًا عادلًا وحقيقيًا لسلطاني الإلهي، ولعظمة قوتي الإلهيَّة، لأن ذاك الذي يعمل فيكم هو روحي، وكما أنه هو روحي، هكذا أيضًا هو روح اللَّه الآب"(394). وأيضًا عن علاقة الروح القدس بالابن والآب يقول "القديس كيرلس الكبير": " لاحظ، أنه حينما يدعو المعزي بـ"روح الحق" أي روحه (لأنه هو الحق) فهو يقول أنه يأتي من الآب ويأتينا بالابن، فهو (الروح) أيضًا يخص الآب... فالروح هو روح الآب والابن. فلا ندع أي واحد من أولئك الذين اعتادوا أن يتكلموا بحماقة، أن يقودنا إلى فكر مُنحرف عن الابن بأن يقول أن الابن إذ يقوم بتنفيذ نوع من الخدمة، فإنه يمنح الروح الذي يناله من الآب للخليقة... بل أنه أمر صائب ويتفق مع الحقيقية أن نؤمن أنه حيث أن الروح يخص الابن، كما أنه يخص الآب أيضًا، فإنه يرسله إلى تلاميذه القديسين يقدّسهم"(395).
_____
(390) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص342.
(391) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص332.
(392) المرجع السابق، ص335.
(393) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص311، 212.
(394) المرجع السابق، ص312، 313.
(395) المرجع السابق، ص311.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/745.html
تقصير الرابط:
tak.la/mh7z2rc