سؤال 744: لماذا شبه السيد المسيح نفسه بالكرمة قائلًا: " أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو 15: 1)؟ وعندما أصدر السيد المسيح حكمه: " كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ" (يو 15: 2) أليس هذا حكمًا قاسيًا، فلماذا لم يصبر عليه؟ وهل نحن عبيد " لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ" (يو 15: 20)، أم أبناء أحباء: " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو 15: 15)؟

ج: لماذا شبه السيد المسيح نفسه بالكرمة قائلًا: " أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو 15: 1)؟. في حديث السيد المسيح مع تلاميذه الذين يُمثلون الكنيسة، يحدثهم رأس الكنيسة على علاقتهم به، فهيَ مثل علاقة الأغصان بالكرمة، وهذا الفكر ليس غريبًا عن كنيسة العهد القديم، أي شعب اللَّه، فقال المُرنم: " كَرْمَةً مِنْ مِصْرَ نَقَلْتَ. طَرَدْتَ أُمَمًا وَغَرَسْتَهَا. هَيَّأتَ قُدَّامَهَا فَأَصَّلَتْ أُصُولَها فَمَلأَتِ الأَرضَ" (مز 80: 8-9)، وهذه الكرمة التي لم يدعها اللَّه تحتاج شيئًا من أعمال رعايته لم تأتِ بالثمار المرجوة: " كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا. وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي" (إش 5: 1-4)... " إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الْجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ" (إش 5: 7)... " فِي ذلِكَ الْيَوْمِ غَنّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ. لِئَلاَّ يُوقَعَ بِهَا أَحْرُسُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا" (إش 27: 2-3) (راجع إر 2: 21؛ حز 19: 10). وعلى واجهة هيكل أورشليم عُلّق عنقود عنب ضخم من الذهب الخالص ليتذكَّر الشعب أنهم أغصان في الكرمة المُشتهاة، وللأسف فسدت هذه الكرمة فخربت أورشليم وهُدم الهيكل، وانفضت الأغصان بعيدًا عن الكرمة فجفَّت واحترقت وزالت.
وفي حديث السيد المسيح هذا شبه نفسه بالكرمة ونحن بالأغصان:
1- كما أن الكرمة هيَ مصدر الحياة للأغصان، هكذا السيد المسيح هو مصدر حياتنا، وكما أن الأغصان ثابتة في الكرمة تستمد حياتها منها، هكذا لا حياة لنا بعيدًا عن الثبات في المسيح.
2- كما أنه من المستحيل أن الغصن الغير ثابت في الكرمة أن يأتي بثمر، هكذا كل من هو بعيد عن المسيح لا يأتِ بثمر صالح.
3- كما أن الأغصان تحتاج للتقليم والتشذيب، هكذا نحتاج نحن للتنقية، لذلك قال: " كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ" (يو 15: 2).
4- إن كانت الكرمة يهبنا عصيرها الفرح، فإن السيد المسيح يهبنا دمه المُحيي.
5- رأى البعض تشابهًا بين صليب يسوع وبين الكرمة، فقال "القديس باسيليوس": " إن الكرمة وهيَ تمد أذرعها على خشب من "كربال" العنب تحمل صورة معنوية للمسيح وهو ممدود الذراعين على خشبة العار والهوان" (388).
6- الكنيسة في عبادتها الليتورجية تُرتل: " أيها الرب إله القوات ارجع واطلع من السماء، وانظر وتعهد هذه الكرمة التي غرستها يمينك...".
ثانيًا: عندما أصدر السيد المسيح حكمه: " كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ" (يو 15: 2) أليس هذا حكمًا قاسيًا، فلماذا لم يصبر عليه...؟ هذا الغصن الخارج من الكرمة ولم يثمر لا عذر له، فإن بقية الأغصان الثابتة في الكرمة قد أثمرت، وأيضًا هذا الغصن الذي لم يُثمر قد صبَّر عليه الكرَّام طويلًا، حتى أن الكرَّام يقول: " مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ" (إش 5: 4)، وفي مَثَل شجرة التين التي لم تثمر: " فَقَالَ لِلْكَرَّامِ هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَرًا فِي هذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضًا فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدُ اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلًا. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا" (لو 13: 7-9)، فواضح جدًا أن اللَّه لا ينزع الغصن سريعًا، إنما يصبر عليه ويمنحه الفرصة الكافية للتوبة والثمر والأثمار، فإذا أصر الإنسان على عناده، وقد اتخذ قراره بالانفصال عن الكرمة، فلماذا يُبطل الأرض بعد؟!! لم يعد له دور في الكرمة فيجف ويُحرق بالنار. ما فائدة يهوذا لجماعة القديسين! ما فائدة حنانيا وسفيرة للكنيسة؟! وما فائدة أي عضو فصل نفسه بنفسه عن الثبات في المسيح؟! فقد نبهنا السيد المسيح الكرمة الحقيقة مرارًا وتكرارًا: " اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو 15: 4)... " إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو 15: 6)، وقد أكد القديس يوحنا الحبيب على لفظة " اُثْبُتُوا" حتى أنه أوردها في إنجيله (40) مرة، وفي رسالته الأولى (23) مرة، وفي الثاني (3) مرات، أي أنه استخدمها (66) مرة من إجمالي (112) مرة في العهد الجديد. يقول "القديس أغسطينوس": " الغصن يصلح فقط لواحد من اثنين إما في الكرمة مُثمرًا، أو للحريق"(389).
ثالثًا: هل نحن عبيد " لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ" (يو 15: 20)، أم أبناء أحباء: " لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو 15: 15)...؟ عبوديتنا للَّه هيَ قمة الحرية، ولا تلغي كوننا أحباء له، وأيضًا كون أننا أحباء للَّه لا يلغي كون أننا عبيده، لأن السيد المسيح رفع من شأننا وجعلنا أبناء أحباء له، لا يستنكف أن يدعوننا "إخوتي": " فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي..." (مت 28: 10) وندعوا الآب: " أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (لو 11: 2)، واللَّه هو مُحب البشر الصالح وكون أننا أحباء لا يتعارض مع كوننا عبيده، فقد أوصانا قائلًا: " مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو 17: 10) وقد افتخر الآباء الرسل بأنهم عبيد يسوع المسيح، مثل يعقوب (يع 1: 1)، وبطرس (2بط 1: 1)، ويوحنا (رؤ 1: 1) وكاروز الأمم (رو 1: 1). وهل بعد أن تجسّد السيد المسيح آخذًا صورة عبد (في 2: 7) نستنكف نحن أن نكون عبيدًا له؟!! هناك تكامل بين اللقبين "عبيد" و"أحباء"، نحن عبيده الأحباء.
_____
(388) أورده القس إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا، ص633.
(389) أورده الآب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص900.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/744.html
تقصير الرابط:
tak.la/jhn5bs8