St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

694- هل قصد باليوم الثالث (يو 2: 1) من العماد؟ ولماذا دُعيت "قانا" بـ"قَانَا الْجَلِيلِ" (يو 2: 1)؟ وما هيَ طقوس العُرس اليهودي؟ وهل أخبرت العذراء مريم ابنها بنفاذ الخمر (يو 2: 3) ليرحل هو وتلاميذه، أو ليلقي عظة تنسي الضيوف الخمر؟ وإن كانت هذه المعجزة بدء المعجزات التي صنعها يسوع (يو 2: 11) فمن أين عرفت العذراء أن ابنها يمتلك القدرة على صنع المعجزات؟ ولماذا صدَّ السيد المسيح أمه قائلاً لها باستخفاف: "مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ" (يو 2: 4)؟ وإذا كان الكاتب يعجز عن تحديد سعة كل جرن بالضبط (يو 2: 6)، فأين دور الوحي الإلهي؟

 

سؤال 694: هل قصد باليوم الثالث (يو 2: 1) من العماد؟ ولماذا دُعيت "قانا" بـ "قَانَا الْجَلِيلِ" (يو 2: 1)؟ وما هيَ طقوس العُرس اليهودي؟ وهل أخبرت العذراء مريم ابنها بنفاذ الخمر (يو 2: 3) ليرحل هو وتلاميذه، أو ليلقي عظة تنسي الضيوف الخمر؟ وإن كانت هذه المعجزة بدء المعجزات التي صنعها يسوع (يو 2: 11) فمن أين عرفت العذراء أن ابنها يمتلك القدرة على صنع المعجزات؟ ولماذا صدَّ السيد المسيح أمه قائلًا لها باستخفاف: " مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ" (يو 2: 4)؟ وإذا كان الكاتب يعجز عن تحديد سعة كل جرن بالضبط (يو 2: 6)، فأين دور الوحي الإلهي؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت 

ج: أولًا: هل قصد باليوم الثالث (يو 2: 1) من العماد؟ ولماذا دُعيت " قَانَا الْجَلِيلِ" (يو 2: 1)؟ وما هيَ طقوس العرس اليهودي...؟

1- عندما قال يوحنا الحبيب " وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ" (يو 2: 1) لم يقصد اليوم الثالث من عماد السيد المسيح، لأنه بعد أن اعتمد السيد المسيح صعد إلى جبل التجربة وظل هناك أربعين يومًا. وقال مرقس الإنجيلي: " وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ" (مر 1: 12). وبعد أن نزل السيد المسيح من جبل التجربة وقد سحق الشيطان بدأ خدمته في مواجهة الشيطان المهزوم، ومنذ بداية خدمته جاءت شهادات يوحنا المعمدان له، وبناءً على إحدى هذه الشهادات اتجه اثنين من تلاميذ المعمدان ليصيرا تلميذين للسيد المسيح، وهما أندراوس ويوحنا، ودعي أندراوس أخيه بطرس وبشَّره بظهور المسيا، ودعا السيد المسيح فيلبس، ودعى فيلبس نثنائيل، فالمقصود باليوم الثالث هو اليوم الثالث من دعوة فيلبس والاتجاه للجليل. وهذا اليوم الثالث يُقابل تقريبًا اليوم السادس من شهادة المعمدان الأولى التي سجلها يوحنا الحبيب (يو 1: 19) (راجع العهد الجديد بالخلفيات التوضيحية، وتفسير المشرقي - إنجيل يوحنا) واليوم الثالث يشير دائمًا للقيامة بنصرتها وبهائها وبهجتها، فتباشير القيامة وفرحتها هلت من المعجزة الأولى التي صنعها العريس السمائي، بتحويل الماء إلى خمر مُمتاز، والخمر رمز الفرح والمسرة.

2- كلمة קָנָה " قَانَا" كلمة عبرية تعني "مكان القصب" أي المكان الذي ينمو فيه الغاب، فهيَ منطقة مستنقعات ينمو فيها الغاب، وبالطبع هناك عدة مواضع تحمل هذه المواصفات، أي أن هناك عدة أماكن دُعيت " قَانَا" ولذلك دُعيت هذه القرية " قَانَا الْجَلِيلِ" فارتبط اسمها بالجليل تمييزًا لها عن قانات أخرى مثل "وادي قانة" في تخم أفرايم (يش 16: 8) و"قانة" في تخم أشير (يش 19: 28) وهيَ تقع بين مدينة مجدل والبحر المتوسط، على بُعد نحو13 كم شمال شرقي مدينة الناصرة، على الطريق إلى طبرية، على منطقة مرتفعة لذلك تجد الطريق منها إلى كفرناحوم مُنحدرًا، لذلك يقول: " وَبَعْدَ هذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ" (يو 2: 12). و" قَانَا الْجَلِيلِ" هو موطن نثنائيل (وللمزيد راجع قاموس الكتاب المقدَّس ص709، 710، ودائرة المعارف الكتابية جـ 6 س 159، 160).

3- أمَّا عن طقوس الفرح اليهودي، فكانت تشمل ثلاثة أحداث هامة، وهما:

أ- إقامة احتفال في ليلة الزفاف في بيت العريس من جانب، وبيت العروس من جانب، يُشارك فيه الأقرباء والأصدقاء والمعارف.

ب- يأتي العريس في موكب ويأخذ عروسه، تصحبهما صديقات العروس وذويها، ويسلك الموكب أطول الطرق قاصدين بيت العريس، ويخرج الناس من بيوتهم يقدمون تهانيهم وتحياتهم وأمنياتهم الطيبة للعروسين.

جـ- يُقيمون الزفاف في ساعة مُتأخرة من الليل، ويظل أهل العرس يحتفون ويحتفلون بالعروسين لمدة أسبوع كامل، حيث يرتدي العروسين أبهى الثياب ويُعاملون كملك وملكة، يُرحبان بالضيوف، وكلمتهما تُطاع، ويظل الجميع في سعادة غامرة، يشربون الخمرة الجديدة الطازجة، وهو مشروب أقرب إلى عصير العنب، حلو المذاق، يمزجونه بالماء بنسبة جزئين خمر وثلاثة أجزاء ماء، قال أحد أحبارهم "لا سرور بغير خمر" ويقصد هذا النوع من الخمر الذي لا يُسكر ولا يُغيّب الوعي.

ولأن السيد المسيح هو العريس السمائي (إش 54: 5-7؛ إر 2: 2؛ حز 16: 8-14؛ هو 2: 2-7؛ مت 9: 15؛ 25: 1-13؛ يو 3: 29؛ 2 كو 11: 2؛ أف 5: 25؛ رؤ 19: 7؛ 21: 2-3؛ 22: 17) الذي جاء من سماه مُتجسدًا ليخطبنا عروسًا طاهرة نقية له، لذلك قصد أن تكون معجزته الأولى التي أجراها في عُرس قانا الجليل. وقبوله الدعوة لهذا العُرس يفصح لنا عن شخصيته الاجتماعية المنفتحة على الجميع، فلم يكن قط منطويًا على نفسه، أو مُتعاليًا على الناس، إنما كان يحب الكل ويحنو على الكل، ويساعد الكل، ولا سيما المرضى والخطاة والذين يعانون من سُكنى الأرواح الشريرة فيهم والحزانى والخُطاة " اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ" (مت 11: 5).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: هل أخبرت العذراء ابنها بنفاذ الخمر (يو 2: 3) ليرحل هو وتلاميذه، أو ليلقي عظة تنسي الضيوف الخمر؟ وإن كانت هذه المعجزة بدء المعجزات التي صنعها يسوع (يو 2: 11) فمن أين عرفت العذراء أن ابنها يمتلك القدرة على صنع المعجزات...؟ العذراء مريم هيَ الوحيدة التي تُدرك هوية وشخصية ابنها، فهو " ابْنِ اللَّـهِ" الذي حُمِل به بدون زرع بشر كقول رئيس الملائكة لها، ومن ثمَّ هيَ تثق تمامًا أنه قادر أن يحل هذه المشكلة بطريقته، ربما لم تكن تعرف كيف سيتصرف، لكن كلها ثقة وإيمان أنه متى تصرف فإنه سيريح ويُسعد الجميع. فالعذراء لديها الخبرة التي تحتفظ بها في قلبها، فعندما كانوا يحلون بأي مكان في أرض مصر كانت الأوثان تسقط. إذًا العذراء مريم لم تخبر ابنها بنفاذ الخمر ليرحل هو ومن معه، وماذا يفيد رحيلهم بعد أن نفذ الخمر تمامًا، لو كان ما زال مُتبقيًا قليل من الخمر لكان هناك محل لوجهة نظر الناقد. لقد قالت العذراء وهيَ صادقة في قولها: " لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ" أي لم يعد هناك خمر على الإطلاق، فرحيلهم لن يحل المشكلة، فإن رحل السيد المسيح وأمه وتلاميذه الخمسة، فإنه ما زال في العُرس أهل العريس وذوي العروس وضيوف العُرس. وأيضًا لم تهدف العذراء أن يُلقي ابنها عظة تنسيهم الخمر، لأن العظة ستبدأ وتنتهي، بينما تظل المشكلة قائمة، فمدة العُرس كانت تستغرق سبعة أيام.

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " يليق هنا التساؤل من أين جاء في ذهن أمه أن تتصوَّر في ابنها أمرًا عظيمًا، إذ لم يكن بعد قد صنع أية معجزة، حيث يقول الإنجيل: "هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ..." أ ... الحَبَل به نفسه والظروف المُحيطة به قد أوحى لها بفكر عظيم للغاية من جهة الطفل، إذ قال لوقا: "إذ سمعت كل الأقوال عن الطفل كانت تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (راجع لو 2: 51)" (92).

 

ثالثًا: لماذا صدَّ السيد المسيح أُمه قائلًا لها باستخفاف: " مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ" (يو 2: 4)؟ عندما خاطب السيد المسيح أمه: " يَا امْرَأَةُ" لم يصدها ولم يجبها باستخفاف، لأن تعبير "امرأة" في ذلك الوقت كان يُعد نوعًا من الاحترام والتقدير والتوقير، توصف به سيدة المجتمع الفاضلة، حتى أن الإمبراطور "أوغسطس قيصر" كان يُخاطب "كليوباترا" بهذا اللقب: " يَا امْرَأَةُ"، وفي "الأوديسة" لهوميروس كان "أودسيوس" يُخاطب زوجته المحبوبة (بنلوب) بذات اللقب: " يَا امْرَأَةُ". ويقول "وليم ماكدونالد": " فالكلمة "امرأة" المُستخدمة هنا، كانت بمثابة لقب احترام، شبيهة بالعبارة المألوفة لدينا "سيدة"lady (93)". فلا ينبغي أن نحكم على لغة القرن الأول الميلادي بمبادئ ولغة القرن الواحد والعشرين. والدليل أن السيد المسيح لم يصد العذراء مريم أنه قَبل شفاعتها وتمم رغبتها وصنع المعجزة، هذا من جانب، ومن جانب آخر كأن انطباع العذراء مريم أنه لن يصدها ولن يردها، ولهذا: " قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" (يو 2: 5). بينما عندما قال اليهود للسيد المسيح: " يَا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً" لم يجبهم ولم يصنع لهم آية بعد أن رأوا آيات هذه عددها ولم يؤمنوا، بل وصفهم قائلًا: " جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً..." (مت 12: 39).

وقول العذراء للخدام: " مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" يذكرنا بقول فرعون للمصريين عندما اشتدت المجاعة: " اذْهَبُـوا إِلَى يُوسُفَ وَالَّذِي يَقُولُ لَكُمُ افْعَلُوا" (تك 41: 55) فقديمًا يوسف وفر الحنطة للشعب الجائع، وهوذا يوسف الجديد يوفر الخمر لمن لا خمر لهم. أيضًا الذي حوَّل الماء إلى خمر في أول معجزاته هو هو الذي حول الخمر إلى دمه الكريم قبيل موته المُحيي. وقد أوضح الإنجيل لماذا قال السيد المسيح لأمه العذراء: " مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ"؟ وذلك عندما أكمل قوله قائلًا: " لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْد"، ووردت كلمة "الساعة" في إنجيل يوحنا نحو (26) مرة، تشير إلى ساعة موته على الصليب (راجع آلان مرشدور - الإنجيل بحسب القديس يوحنا ص174). فقد كان وقت خدمة السيد المسيح مُحدَّد، وهذه الخدمة ستنتهي حتمًا بموت الصليب، فكأنه يقول لأُمه: لماذا تقربين ساعة آلامي وموتي؟! لماذا أراكِ تقفين في بداية الدرب تحركين عقارب الساعة...؟! ألا يكفي أنك ستكونين هناك، تحت أقدام الصليب والسيف يجوز في نفسك...؟! أنه يشفق على أُمه التي ستعاين الهزء والعري اللذان يلحقان بابنها المُعلّق على عود الصليب، الآن يقول لها: " مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ" (يو 2: 4) وهو معلَّق على الصليب يقول لها: " يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ" (يو 19: 26).

 

رابعًا: إذا كان الكاتب يعجز عن تحديد سعة كل جرن بالضبط (يو 2: 6)، فأين دور الوحي الإلهي...؟ الوحي الإلهي لا يُلغي الدور البشري في تدوين الأسفار المقدَّسة، ولهذا نتلامس مع شخصية الكاتِب وعلمه وثقافته ولغته وتعبيراته، فعندما يقول يوحنا الحبيب: " يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً" (يو 2: 6) فهو يقصد أن الجرن إذا ملئ بالماء إلى حافته فإنه يسع ثلاثة أمطار، أمَّا إذا وضعوا فيه مطرين فإنه لم يكتمل بالكامل، وأهل البيت يملأونه بحسب احتياجاتهم، سواء كان كاملًا أو ناقص بعض الشيء، وإن كان الناقد يرفض هذا التعبير مُتهمًا الوحي الإلهي بالجهل، فلماذا يقبل القول عن أهل الكهف: "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ..." (الكهف 22) فلماذا لم يحدد الوحي العدد بالضبط؟!!

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(93) تفسير إنجيل يوحنا، ص391.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/694.html

تقصير الرابط:
tak.la/qk3w7v4