St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 506- ما دام السيد المسيح عالِم بكل شيء ويعرف أن هنالك عاصفة هوجاء ستهُب على السفينة فلماذا ضحى بتلاميذه (مر 4: 35)؟ وهل وبخ السيد المسيح التلاميذ بعد أن انتهر الريح وأسكت العاصفة (مر 4: 39)، أم أنه وبخهم قبل أن ينتهر الريح ويُسكت العاصفة (مت 8: 26)؟

 

س506: ما دام السيد المسيح عالِم بكل شيء ويعرف أن هنالك عاصفة هوجاء ستهُب على السفينة فلماذا ضحى بتلاميذه (مر 4: 35)؟ وهل وبخ السيد المسيح التلاميذ بعد أن انتهر الريح وأسكت العاصفة (مر 4: 39)، أم أنه وبخهم قبل أن ينتهر الريح ويُسكت العاصفة (مت 8: 26)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- ما دام السيد المسيح عالِم بكل شيء ويعرف أن هنالك عاصفة هوجاء ستهُب على السفينة فلماذا ضحى بتلاميذه (مر 4: 35)؟..

أ - لم يُضحي السيد المسيح بتلاميذه، إنما كانت هناك ضرورة للكرازة للأمم في المدن العشر، وكان هناك إنسان مسكين تعذبه آلاف الشياطين، في حاجة شديدة لمن يقدم له يد العون، فلم يكن هناك وقت للراحة والتأخير لذلك قال لهم: " لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ"، فلا الليل ولا العواصف تعوق رب الخدمة عن أداء خدمته.

ب - بالرغم من أن السيد المسيح كان قد أمضى يومًا شاقًا حتى أنه نام على وسادة في مؤخرة السفينة، لأن الجسد ضعيف وبحسب ناسوته يحتاج ولو لقسط بسيط من الراحة، ولكن بحسب لاهوته عينه لا تنعس ولا تنام، عينه على جميع الذين في السفينة، بل وعلى جميع السفن الصغيرة وكل من فيها، فجميع الذين مع المسيح أو الذين تبعوه هم موضع عنايته. ويقول "متى هنري": " في بعض الأحيان، عندما تهب العواصف على الكنيسة يبدو كأنه المسيح نائم، لا يبالي بمتاعب شعبه ولا يلتفت إلى صلواتهم ولا يظهر في الحال لأغاثتهم، "حَقًّا أَنْتَ إِلهٌ مُحْتَجِبٌ" (إش 45: 15). كما أنه إن كان يبدو بأنه يتوانى فأنه لا يتوانى (حب 2: 3)، هكذا أيضًا إن كان يبدو بأنه نائم فأنه ليس نائمًا. إن حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام (مز 121: 3، 4) لقد كان نائمًا لكن قلبه كان مستيقظًا كالعروس (نش 5: 2)" (322).

جـ - كانت هذه المرحلة الصعبة ضمن المنهج المقرَّر على التلاميذ في سني التلمذة للرب يسوع ليشتَّد عودهم وتتوثَّق ثقتهم في معلمهم الصالح، فكان يجب أن يتعلَّموا أنه مهما ارتفعت الأمواج وأراد البحر أن يبتلعهم فأن عين الله عليهم ترعاهم وتحرسهم، ويجب أن يتعلَّموا أن وجود الله معهم لا يمنع التجارب عنهم، وأيضًا يتعلَّموا أن يلجأوا إليه في وقت الشدة، فترك الله البحر يزأر، وهم بحكم أنهم صيادون وحياتهم في البحر وكثيرًا ما لاقوا من قبل عواصف هوجاء، فقد حاولوا جاهدين أن ينجو بأنفسهم، ولكن إذ تأكدوا بأن الخطر الذي يواجههم أكبر منهم لذلك لجأوا إليه يوقظونه ويستغيثون به صارخين " يَامُعَلِّمُ أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ" (مر 4: 38) فأنهم يدركون أنه يملك ما لا يملكون حتى لو أن إسكاته للبحر كان فوق تصوُّرهم، فمن هو الذي يستطيع أن يزجر البحر إلَّا الله وحده: " الزَّاجِرُ الْبَحْرَ حِينَ تَعِجُّ أَمْوَاجُهُ، رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ" (إر 31: 35)؟!

د - كان السيد المسيح يكشف لتلاميذه عن لاهوته شيئًا فشيئًا. يقول "مارأفرام السرياني": " فالسفينة كانت تحمل ناسوته أما قدرة لاهوته فكانت تحمل السفينة وكل ما فيها، ليبرهن بذلك أنه حتى ناسوته لم يكن بحاجة إلى سفينة. وبدلًا من الخشب الذي يصنعه النجار في بناء السفينة، فهو كمهندس للكون صلَّب المياه وثبتها وأخضعها تحت قدميه" (323).

ويُعلق "برودنتيوس" على معجزة تهدئة البحر الثانية فقد أتاهم السيد المسيح ماشيًا على المياه المضطربة (مر 6: 45 - 51)، فيقول: " أن عجائبه وقدرته تعنيان أنه هو الله. أنني أرى الرياح العاصفة تسكن فجأة حين يأمرها المسيح، أنني أرى البحر الهائج يسوده الهدوء، وصفحة المياه ساكنة سكونًا ساطعًا عند أمر المسيح، إني أرى الأمواج تعلو بقوة، فيتحمل الفيضان الساخط دوس قدميه ويمشى برجلين غير مبتلتين، على الأمواج المرتفعة فينتصر على الفيضان بخطوات واثقة يوبخ الرياح ويأمر العاصفة أن تتوقف من يأمر الرياح الهوجاء قائلًا لها: "أصمتي، ولازمي معقلك وأتركي البحر اللامحدود" سوى الرب الصانع الريح؟.. من يقدر أن يمشي على البحر، ويطأ الموج بخطوات ثابتة من دون أن يغرق، ومن ينطلق من تلك الطريق بقدمين مشتدتين ورجلين غير مبتلتين، سوى خالق العمق (نشيد في الثالوث 649: 79)" (324).

ه - ليست العاصفة تأتي دائمًا نتيجة عصيان الإنسان، كما حدث مع يونان النبي والبحارة، فأنها جاءت هنا على التلاميذ مع طاعتهم لرب المجد يسوع، ولعل الذي أثار هذه العاصفة بعض من الشياطين التي كانت تسكن مجنون كورة الجدريين، لأنها كانت تشعر بالخطر إذ وطأت أقدام يسوع مقاطعتهم.

و - كانت هناك أسباب تدعو التلاميذ للطمأنينة مهما هاج البحر، نذكر منها:

(1) أنهم أخذوا وعدًا من معلمهم أنهم سيعبرون إلى الجانب الآخر " لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ" (مر 4: 35)، فالمعلم الصالح لم يعدهم برحلة سعيدة هادئة سهلة، لكنه وعدهم بضمان وصولهم إلى الجانب الشرقي من بحيرة طبرية.

(2) كون السيد المسيح في السفينة يُعطي طمأنينة للنفس، فحتى لو كان نائمًا، فمن المستحيل أن تغرق السفينة وتغوص في الأعماق. في مرة هاج البحر على مركب واضطرب الذين في المركب وعندما هدأت العاصفة، كان أحدهم محتفظًا بهدوئه، وعندما سُئل قال: أنا قلت في نفسي ما دام هذا الرجل ألتقى في السفينة فأنها لن تغوص في الأعماق ولذلك لم أضطرب، فما بالك بسفينة تحمل رب الكون وخالق البحار!!.

(3) لو نظروا إلى يسوع وهو نائم نومًا هادئًا، لوثقوا في النجاة، وهرب الاضطراب من داخلهم.

ز - ما حدث في السفينة كان رمزًا لما سيحدث وقت صلب السيد المسيح، فقد كان يسوع في مؤخرة السفينة نائمًا، بينما التلاميذ منزعجين جدًا بسبب العاصفة الهوجاء، وهذا ما حدث لهم عندما كان معلمهم معلقًا على الصليب، والموت يهددهم، فيقول "جاك هيرفيو": " نستطيع القول أن الحدث لا يبدو وكأن مجرد رواية معجزة. أنه يُقدَّم بشكل رمزي، على كونه تكثيفًا لمصير يسوع. فإذ هو اقتاد تلاميذه في العاصفة، فليس ذلك من قبيل الصدفة، فحياته كلها صراع قاس ٍ ضد قوى الشر. أنه يتقدم باتجاه أعنف مواجهة يمكن أن تكون: مواجهة موته هو.. النوم في الكتاب المقدَّس هو عادة رمز إلى الموت. وهنا ترتسم آلام يسوع في إشارة استباقية. فلقد رقد يسوع في الموت. في قلب فوضى جهنمية تشير إليها الأمواج الهائجة. ولا نعجب إذا أصبح التلاميذ في ضياع تام أمام معلمهم النائم. فعلى الصليب كما هو الأمر هنا، يبدو عدم إيمانهم فاضحًا" (325).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

2- هل وبخ السيد المسيح التلاميذ بعد أن انتهر الريح وأسكت العاصفة (مر 4: 39)، أم أنه وبخهم قبل أن ينتهر الريح ويُسكت العاصفة (مت 8: 26)؟.. ذكر القديس متى توبيخ السيد المسيح لتلاميذه عندما أيقظوه قبل انتهار الريح: " فَقَالَ لَهُمْ مَابَالُكُمْ خَائِفِينَ يَاقَلِيلِي الإِيمَانِ. ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ فَصَارَ هُدُوء عَظِيمٌ" (مت 8: 26) دون أن يلتفت للترتيب الزمني، فالتلاميذ عندما أيقظوه قال له: " يَاسَيِّدُ نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ" (مت 8: 25) لذلك جاءت إجابة السيد المسيح على قولهم هذا: " مَابَالُكُمْ خَائِفِينَ يَاقَلِيلِي الإِيمَانِ" ثم ذكر انتهار الريح. أما القديس مرقس الذي التزم بالترتيب الزمني إلى حد بعيد فذكر قول التلاميذ عندما أيقظوه: " يَامُعَلِّمُ أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ" (مر 4: 38) فماذا كان رد فعل السيد المسيح؟ أولًا: انتهر الريح " فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ اسْكُتْ اِبْكَمْ. فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ" (مر 4: 39) ثانيًا: وبخهم على عدم إيمانهم " وَقَالَ لَهُمْ مَابَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا. كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ" (مر 4: 40) ووافقه في هذا القديس لوقا أن السيد المسيح انتهر البحر أولًا ثم وبخ التلاميذ.

ويرى "المشرقي" أن السيد المسيح تكلم مع تلاميذه قبل إسكات البحر وبعده، فيقول: " الفرق بين روايتي متى ومرقس لهذه الحادثة أن متى ذكر أن المسيح وبخ التلاميذ قبل تسكينه للبحر، أما مرقس فقال أنه وبخهم بعد التسكين. ولعل المسيح قال أولًا لا تخافوا يا قليلي الإيمان. وبعدما سكن البحر لامهم قائلًا: حسب رواية مرقس "كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ" أي أن إيمانهم كان كالعدم بالنسبة لما كان يجب عليهم. ويزيد مرقس ويقول: "فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا". أن التلاميذ خافوا قبلًا من النوء ويمكن بعد أن هدأ البحر خافوا من قوة المسيح الفائقة التي لم يشاهدوا مثلها ولم يكن يخطر ببالهم أن له هذه القوة التي تبرهن أنه رب الطبيعة وأن العناصر كلها خاضعة لسلطانه" (326).

وقول السيد المسيح للتلاميذ بعد إسكات العاصفة هو الذي سمعه التلاميذ جيدًا، لأن الإنسان في وقت الخطر قد لا يلتفت لما يُقال له لأنه أمام شبح الموت، فالأقرب للمنطق والعقل أن السيد المسيح عندما وجد تلاميذه مضطربين ومرعوبين عالج الموقف أولًا، إذ أصدر أمره للبحر " اسْكُتْ اِبْكَمْ" ثم بعد ذلك وبخهم لأنه كان ينتظر منهم أنهم هم الذين يسكتون العاصفة. فمن يجد إنسانًا يكافح وسط الأمواج ويوبخه قائلًا له: ما دمت لا تجيد السباحة فلماذا ألقيت بنفسك في اليم؟!.. تُرى هل سيستمع هذا الإنسان له؟.. كلاَّ، لأن من يعيش لحظات الموت لا يلتفت إلى توبيخ ولا إلى نصيحة، ولكن لو أنقذه من الموت أولًا ثم أسدى له النصيحة حينئذ يصغى إليه جيدًا. ولاحظ أن توبيخ السيد المسيح جاء في عبارات موجزة " مَابَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا. كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ" (مر 4: 40)، وبحسب القديس متى: " مَابَالُكُمْ خَائِفِينَ يَاقَلِيلِي الإِيمَانِ" (مت 8: 26)، وبحسب القديس لوقا: " أَيْنَ إِيمَانُكُمْ" (لو 8: 25).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/506.html