St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 503- هل من الحكمة أن يبذر الزارع بذاره تارة على الطريق وتارة على الأماكن المحجرة وتارة بين الأشواك (مر 4: 4 - 7)؟ وهل الله: "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي 2: 4)، أم أنه لا يريدهم أن يرجعوا لئلا تُغفر لهم خطاياهم (مر 4: 12)، ولهذا كان يكلمهم بأمثال بهدف أن يخفي عنهم أسرار الملكوت؟ وهل هذا يتفق مع رسالة المسيح الذي "قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11)؟

 

س503: 1ـ هل من الحكمة أن يبذر الزارع بذاره تارة على الطريق وتارة على الأماكن المحجرة وتارة بين الأشواك (مر 4: 4 - 7)؟ وهل الله: "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي 2: 4)، أم أنه لا يريدهم أن يرجعوا لئلا تُغفر لهم خطاياهم (مر 4: 12)، ولهذا كان يكلمهم بأمثال بهدف أن يخفي عنهم أسرار الملكوت؟ وهل هذا يتفق مع رسالة المسيح الذي "قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11)؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1ـ هل من الحكمة أن يبذر الزارع بذاره تارة على الطريق وتارة على الأماكن المحجرة وتارة بين الأشواك (مر 4: 4 - 7)؟.. مَثَل الزارع مُستوحى من البيئة التي عاش فيها السيد المسيح والشعب اليهودي حينذاك، فلم تكن بيئة صناعية بل بيئة تسود فيها الزراعة والرعي، وقد قصَّ السيد المسيح هذا المثل وهو في السفينة والجموع جالسة على الشاطئ، وربما لاح في الأفق أحد المزارعين قد خرج ليبذر البذار على الأرض، فالسيد المسيح كان يستمد أمثاله من البيئة المحيطة، وأيضًا هذا المثل له عمقه في تربة الكتاب المقدَّس، فمنذ فجر الخليقة وقبل أن يكون هناك إنسان على الأرض قال الله كلمته: " وَقَالَ الله لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ. وَكَانَ كَذلِكَ" (تك 1: 11). وبعد الطوفان قال الله: " مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ زَرْعٌ وَحَصَادٌ" (تك 8: 22) وكثرة الأثمار من بركات السماء " زَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ فَأَصَابَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِئَةَ ضِعْفٍ وَبَارَكَهُ الرَّبُّ" (تك 26: 12). وقال الرب عن أرض الموعد: " الأَرْضُ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا هِيَ أَرْضُ جِبَال وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً. أَرْضٌ يَعْتَنِي بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ. عَيْنَا الرَّبِّ إِلهِكَ عَلَيْهَا دَائِمًا مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ إِلَى آخِرِهَا" (تث 11: 11 - 12). وفي سفر إشعياء نلتقي بنشيد الكرم الذي يربط بين الكرم الذي لم يثمر وبين شعب إسرائيل المعاند (إش 5: 1 - 7).

ودائمًا المَثل يقرّب المعنى للذهن، ولا يتطابق مع الواقع بنسبة 100 %، بل تظل هناك بعض الخلافات، ففي مَثل الزارع هذا نجد الخادم لا يُلقي ببذار مادية، إنما البذار تشير إلى كلمة الحياة، ولو أن المزارع ألقى بالبذار على الطريق وفي الأماكن المحجرة وبين الأشواك لقلنا أنه جانبه الصواب في هذا العمل، لأن البذار لن تغير طبيعة الأرض فالطريق سيظل طريقًا، والأماكن المحجرة ستظل محجرة، والأشواك ستخنق أي نبتة أخرى. ولكن المزارع في هذا المَثل يشير للسيد المسيح الإله الحقيقي الذي خرج من السماء ليرد الإنسان الذي أخرجه عدو الخير من الفردوس، فجاء ليُلقي بذار كلمة الحياة حتى على الطرق والأماكن المحجرة والأشواك وجميعها تشير للقلوب، وهو واثق أن كلمة الحياة لها القدرة على تغيير طبيعة هذه القلوب مهما كانت مدوسة كالطريق أو محجرة كالصخور، أو تكثر فيها أشواك الخطية. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " لكن كيف يمكن أن نفهم أن الزارع زرع بين الشوك وعلى الأرض الصخرية وعلى جانب الطريق؟ ربما لا نستطيع أن نتقبل الفكرة بالنسبة إلى البذور والأرض، لأن الأرض الصخرية لن تتحوَّل إلى أرض محروثة، والطريق سيبقى طريقًا والشوك سيبقى شوكًا. أما مع النفوس ومع تعاليم الحق، يكون هذا النوع من الزرع ممتدحًا. النفس المتحجرة يمكن أن تتحوَّل إلى أرض مخصبة، كما يمكن أن الطريق ألا تُداس بعد، فتصبح بمنأى عن العابرين، فتتحوَّل إلى أرض صالحة. ويمكن الأشواك أن تتلف فتتمتع البذور بالنمو الكامل، ولو لم يكن الأمر كذلك لما زرعها الرب. وإن لم يحصل أي تغيير في النفس، فهذا ليس خطأ الزارع، بل خطأ أولئك الذين لا يريدون أن يتغيَّروا، فهو مـن جهته أتم واجبه" (إنجيل متى - الموعظة 44: 5: 1) (289).

ويقول "القديس أغسطينوس": " أحرث باجتهاد أرضك ما دُمت قادرًا على ذلك. أضرب المحراث في أرضك البور. تخلَّص من الحجارة التي في حقلك، وأقتلع الشوك منه. لا تقسِ قلبك لئلا تموت فيه كلمة الله وتضيع. تجنب أن تكون تربتك ضحلة، حيث لا تقدر المحبة أن تثبت في العمق. تجنب أن تخنق، اهتمامات الحياة الدنيا وشهواتها، البذرة التي زرعتها فيك. فالرب هو الزارع ونحن عُمَّاله فكونوا التربة الصالحة" (مواعظ في دروس العهد الجديد 73: 3) (290).

وقد سجل القديس مرقس ثلاثة أمثال عن الحبوب في الأصحاح الرابع في مَثل الزارع (مر 4: 1 - 9)، ومَثل الزرع الذي ينمو من ذاته (مر 4: 26 - 29) ومُثل حبة الخردل (مر 4: 30 - 32) والهدف من الأمثلة الثلاث زرع الأمل في قلوب التلاميذ الذين سيلاقون شدائد كثيرة ومسبطات خلال زرعهم لكلمة الله في القلوب. ومَثل الزارع هو أول وأطول أمثال السيد المسيح، وأثار تساؤلات التلاميذ فسألوه عنها وشرح لهم المَثل وهدفه وهو سماع كلمة الله والعمل بها حتى يأتي بالثمار المطلوبة، ولذلك بدأ المَثل بقوله: " اسْمَعُوا" (مر 4: 3) وبالعبرية shema وهيَ نفس الكلمة التي قدم بها الله شريعته قديمًا عندما قال: " فَالآنَ يَا إِسْرَائِيلُ اسْمَعِ الْفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ" (تث 4: 1).. " اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث 6: 4) وانتهى المُثل بقوله: " مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ" (مر 4: 9). واحتل هذا المَثل مكانة خاصة في ضمير الكنيسة الأولى، لأن السيد المسيح بعد أن تمم الفداء أرسل رسله ليبذروا كلمة الحياة بين شعوب العالم، وقد رسخ في ذهنهم مَثل الزارع، فراحوا يكرزون في كل مكان ولكل أحد، وعندما وجدوا قليلين هم الذين يقبلون الكلمة ويثمرون لم ييأسوا من الصعوبات التي لاقوها والاضطهادات، بل أكملوا سعيهم وكرازتهم بالرغم من السُحب الداكنة، وبعض القلوب التي أوصدت أبوابها. وهذا المَثل يربط بين الأرض والسماء، فعلى الأرض زمن الزراعة والتعب والدموع، وفي السماء زمن الحصاد والفرح والبهجة: " الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ" (مز 126: 5).. " وَمَفْدِيُّو الرَّبِّ يَرْجِعُونَ وَيَأْتُونَ إِلَى صِهْيَوْنَ بِالتَّرَنُّمِ وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ فَرَحٌ أَبَدِيٌّ. ابْتِهَاجٌ وَفَرَحٌ يُدْرِكَانِهِمْ. يَهْرُبُ الْحُزْنُ وَالتَّنَهُّدُ" (إش 51: 11).

 

2- هل الله: " يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1 تي 2: 4)، أم أنه لا يريدهم أن يرجعوا لئلا تُغفر لهم خطاياهم (مر 4: 12)، ولهذا كان يكلمهم بأمثال بهدف أن يخفي عنهم أسرار الملكوت؟ وهل هذا يتفق مع رسالة المسيح الذي " قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11)؟..

أ - قال الله قديمًا بفم إشعياء النبي: " اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ اسْمَعُوا سَمْعًا وَلاَ تَفْهَمُوا وَأَبْصِرُوا إِبْصَارًا وَلاَ تَعْرِفُوا. غَلِّظْ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ وَثَقِّلْ أُذُنَيْهِ وَاطْمُسْ عَيْنَيْهِ لِئَلاَّ يُبْصِرَ بِعَيْنَيْهِ وَيَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ وَيَفْهَمَ بِقَلْبِهِ وَيَرْجعَ فَيُشْفَى" (إش 6: 9 - 10). كما قال الله بفم إرميا النبي: " اِسْمَعْ هذَا أَيُّهَا الشَّعْبُ الْجَاهِلُ وَالْعَدِيمُ الْفَهْمِ الَّذِينَ لَهُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ يُبْصِرُونَ. لَهُمْ آذَانٌ وَلاَ يَسْمَعُونَ. أَإِيَّايَ لاَ تَخْشَوْنَ يَقُولُ الرَّبُّ" (إر 5: 21 - 22)، وأيضًا قال لحزقيال النبي: " يَا ابْنَ آدَمَ أَنْتَ سَاكِنٌ فِي وَسْطِ بَيْتٍ مُتَمَرِّدٍ الَّذِينَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لِيَنْظُرُوا وَلاَ يَنْظُرُونَ. لَهُمْ آذَانٌ لِيَسْمَعُوا وَلاَ يَسْمَعُونَ لأَنَّهُمْ بَيْتٌ مُتَمَرِّدٌ" (حز 12: 2).

ففي أيام هؤلاء الأنبياء الكبار إشعياء وإرمياء وحزقيال كان الشعب اليهودي قد وصل إلى مرحلة صعبة من الشر، حتى الذين قدموا توبة جاءت توبتهم شكلية تسعى نحو الهرب من الغضب الإلهي وليس تصالحًا وعودة إلى بيت الآب، ولذلك كانت هناك ضرورة لاستئصال الأعضاء الفاسدة، والتركيز هنا على نوعية التوبة، هل هيَ توبة حقيقية تجلب المغفرة أم أنها توبة مزيفة لا تُحرك المراحم الإلهيَّة. فالقديس مرقس أول من كتب من الإنجيليين يتحدث بنفس الرؤيا اللاهوتية للعهد القديم، فجاءت العبارة صادمة بهدف أن يلتفت الإنسان إلى نفسه لئلا تضيع الفرصة منه، فذكر أصعب جملة نطق بها السيد المسيح: " لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ وَلاَ يَنْظُرُوا وَيَسْمَعُوا سَامِعِينَ وَلاَ يَفْهَمُوا لِئَلاَّ يَرْجِعُوا فَتُغْفَرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (مر 4: 12) فقد وصلوا إلى مرحلة رفض التوبة وبالتبعية رفض مغفرة خطاياهم.. لعل القديس متى ذكر عبارة من عبارات السيد المسيح الأخف وطأة فقال " وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ": " لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْب قَدْ غَلُظَ وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ" (مت 13: 15)، وكذلك قال القديس لوقا: " لَكُمْ قَدْ أُعْطِيَ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ الله وَأَمَّا لِلْبَاقِينَ فَبِأَمْثَال، حَتَّى إِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَامِعِينَ لاَ يَفْهَمُونَ" (لو 8: 10).

ب - معنى غلّظ وثقّل وأطمس أي أن الله يحجب نعمته عن الإنسان الذي هو أصلًا غليظ القلب ثقيل الأذنين الذي يفضل العمى الروحي عن البصيرة الروحية، مثلما كان فرعون غليظ القلب لم يتعظ من الضربات التي حلَّت به وبشعبه واحدة تلو الأخرى، فقال الكتاب أن فرعون غلَّظ قلبه (خر 7: 13، 22، 8: 15، 19، 32، 9: 7، 35)، ولذلك حجب الله نعمته عنه، وبالمفهوم الكتابي قسَّى وشدَّد وغلَّظ الله قلبـه (خر 4: 21، 8: 32، 9: 12، 10: 20، 27، 11: 10)، وقال الكتاب عن الفجَّار الذين يرفضون التوبة: " وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا الله فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ الله إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ" (رو 1: 28)، فالذين رفضوا التوبة رفضوا التعامل مع المراحم الإلهية مع أن " الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً" (خر 34: 6 - 7). فهؤلاء الذين فضلوا السير في الظلام حرموا أنفسهم من النور الإلهي. ويقول "المشرقي": "وقوله "لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ.. إلخ". العلة في ذلك هيَ أنهم أغلقوا قلوبهم بأتياءهم الشر ورفضوا الحق باختيارهم وأغمضوا عيونهم فعاقبهم بأن أزال النور عنهم أي تركهم في الظلمة التي اختاروها لنفوسهم لينالوا الجزاء العادل على قساوة قلوبهم" (291).

ويقول "القس سمعان كلهون": " وإذا قارنا قول متى في آية (13) "لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ.. إلخ"، وقول مرقس في آية (12): "لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ وَلاَ يَنْظُرُوا.. إلخ" مع ما ورد في (إشعياء 6: 9، 10) ترى أن التقسي والإعماء منسوبان إلى الله والإنسان أيضًا كما ورد في (خر 4: 21) حيث يقول الله أنه يشدد قلب فرعون وفي (خر 8: 32) حيث يُقال أن فرعون أغلظ قلبه. والمعنى هو أن الله حسب حكمه العادل أغلق عليهم في الظلمة والعصيان، لأنهم فضلوها على النور والحق اللذين أتاهم بهما المسيح. هم أذنبوا أولًا برفضهم تعليم المسيح، فسلَّمهم الله القاضي العادل لعمل الضلال حتى يصدقوا الكذب ويهلكوا. فبهذا المعنى يكون الله قد أعماهم، مع أنه لا يُعمي أحدًا أبدًا ممن يرغبون في أن يبصروا، ولا يقسي أحدًا ممن يطلبون بالتواضع التعليم والإرشاد" (292).

وجاء في "الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد": " الكلام هنا، هو تذكير من المسيح لتلاميذه بنبوة إشعياء عن الشعب الذي قاوم تعليم النبي في زمانه (إش 6: 9، 10)، والمقصود من ذلك، أنه ليس كل من يسمع، ولا كل من ينظر، يؤمن بالكلام أو يفهمه، بل في كثير من الأحيان لا يقبله ويقاومه، فيحكم الإنسان بذلك على نفسه، ولا يستحق مغفرة الخطايا" (293).

جـ - لو أُخذ نص (مر 4: 12) بحسب حرفيته لانتهينا إلى نتيجة خاطئة ويظهر السيد المسيح الذي جاء ليُخلص ما قد هلك أنه قصد أن يتكلم بأمثال لا يدركها البعض، وبالتالي لا يرجعون للَّـه وبالتبعية لا تُغفر خطاياهم، والعبارة أساسًا مقتبسة من (إش 6: 9، 10) بحسب النسخ العبرية، وربما الترجمة السبعينية أوضحت القصد الإلهي، فجاءت الترجمة كالآتي: " أذهب وقل لهذا الشعب: ستسمعون سمعًا ولكن لا تفهمون. وإبصارًا ستبصرون ولكن لا تفهمون لأن قلب هذا الشعب قد غلظ وسمعهم قد ثقل وعيونهم أقفلت. لئلا يومًا ما ينظرون بعيونهم ويسمعون بأذانهم ويفهمون بقلوبهم ويتغيرون وأنا أشفيهم" (294).

ويقول "وليم باركلي": "ووجه الاختلاف هنا أن السبعينية جعلت الناس هم الذين يغلظون قلوبهم - وليس الله كما تذكر النسخ العبرية - حتى لا يفهموا رسالة الرب لهم.. وإشعياء كان ينطق هذه الرسالة في سخرية ثم في يأس، ولكن الاثنين كانا يخرجان من الحب الذي يكنه لهذا الشعب، ولكنهم أغلقوا عقولهم ولم يريدوا أن يسمعوا فكنت كمن يخاطب أحجارًا مبنية. كأنما الله قد أغلق عقولهم فلم يعودوا يفهمون.. فعندما نقرأ هذا الجزء دعنا نقرأه ونحن نذكر أن يسوع لم يكن غاضبًا ولكنه كان حزينًا متألمًا لأنه أحب إلى المنتهى. أننا بذلك لا نرى الله وهو يطمس أعين الناس وأذهانهم، بل نرى أناسًا قد سدَّدوا أذهانهم بكيفية لم يجد فيها الله رجاء في فتحها وإعطاءها احتياجاتها.. لينقذنا الرب من حالة مروعة كهذه" (295).

ويقول "الأب متى المسكين": " ويلاحظ القارئ أن قول الله بأن يغلّظ ويثقّل ويغمّض ليس تجنيًا ولا قسوة، بل هو تحصيل حاصل. فيغلظ القلب زده غلظة = غلّظ، وثقيل الأذنين زده ثقلًا = ثقّل، والذي غمَّض عينيه زده تغميضًا = غمّض، لأن التشديد على الكلمة هنا المزيد من الشيء(296). كما يقول "الأب متى المسكين" أيضًا: "هنا نرجو أن لا يخطئ القارئ في أن المسيح يقصد بهذه الأمثال أن يحجز الحق بإصرار عن الذين هم من الخارج، أي خارج دائرة التلاميذ.. ولكن في الحقيقة هذا هو الحادث بدون قصد المسيح وبدون تدبير ذلك، لأن الذين رفضوا المسيح أصبحوا بطبيعة موقفهم خارجًا عن دائرة تلمذته والإيمان به.. الذي لا يسير في النور يبقى في الظلمة = أي يصير أعمى. فالعمى هنا ليس عقابًا من المسيح ولكنه تحصيل حاصل لرفضهم النور.. ولكن ما العمل وهم قد رفضوه باختيارهم وبإصرار وبالرغم من أنه حذَّرهم مرارًا وكشف لهم ما سيكون عليه مصيرهم إذا رفضوه.. وفي هذا الكلام تحذير مريع لنا نحن الذين نسمع ونعرف من هو" (297).

د - في قوله: " لِئَلاَّ يَرْجِعُوا فَتُغْفَرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (مر 4: 12) تحريك لمشاعر المعاندين حتى يدركوا الخطورة التي تهددهم، وأيضًا واضح في العبارة الجانب الإيجابي أن التوبة والرجوع لحضن الآب حتمًا يتبعه المغفرة. ويقول "يوحنا كرافيذوبولس": " الكلمة "لِئَلاَّ" في الآية (12) المأخوذة من (إشعياء 6: 10) لا تعني التهديد، بل العودة المرغوب فيها للسامعين غير المبالين بكرازة يسوع، بحيث يحصلون على غفران خطاياهم. وهذا ما نجده ليس فقط عند مفسرين حديثين بل أيضًا عند مفسري الكنيسة القدماء. وفي هذا الصدد يكتب "القديس يوحنا الذهبي الفم": "ويقول ذلك وهو يجذبهم ويحثهم ويبين لهم أنه عند عودتهم سوف يشفيهم.. يُظهِر أن العودة ممكنة، وأن التوبة تجلب الخلاص، وأنه لا يتصرف لمجد نفسه بل لخلاصهم يصنع كل شيء. لو لم يُرِد أن يسمعوا ويخلصوا لكان صمتَ ولم يتكلم بالأمثال. وبتكلُّمه بأقوال خفية (بالأمثال) يحضهم على السمع والتوبة" (298).

وجاء في "التفسير العربي المعاصر": " لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ استشهاد من (إش 6: 9 - 10) ويقترح المفسرون تفسير الحرف "لِكَيْ" بالمعنى الوارد في إنجيل متى، أي لكي يتم ما كُتب في الأنبياء. أما رسالة هذا الاستشهاد فهيَ للتأكيد على عناد الشعب المختار الذي أُعطى له كل الفرص لكي يسلك بحسب مشيئة الله، ولكن برهن عبر التاريخ على عصيانه وتمرده لمخلصه. ففي الأساس، يستعمل يسوع الأمثال تبسيطًا وتطبيقًا للتعليم الصعب، ولذلك الأمثال واضحة للجميع. فالتلاميذ يسمعون سر ملكوت الله الذي هو التعليم الأصعب.. أما الجماهير فيسمعون الأمثال السهلة الفهم التي لا يجوز أن يُقال أنها غامضة وغير واضحة. ولذلك عدم قبول رسالة الأمثال هو قرار شخصي بالرفض.

وهناء آراء عديدة حول معنى اللفظ "لئلا" (mepote) ومن بين المفسرين من يقترح معنى "إلَّا إذا" أي أنهم لن يبصروا إلَّا إذا تابوا وأغفر لهم (Harrington, 29). أما إذا بقيت الترجمة بمعنى "لئلا" فالمقصود هو استخدام السخرية.. كوسيلة تحد للمستمعين لكي يروا حماقة الرفض بشكل فاضح. ثم يقبلوا كلام يسوع ويخلصوا" (299).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

هـ - لم يكلم السيد المسيح هذا الشعب الجاحد ليجلب لهم العمى الروحي، ولكن لأنهم عميان روحيًا لذلك كلمهم بأمثال. وقال "موريسون": "هل كان المسيح يتكلم بأمثال لأنه لم يكن يريدهم أن يعرفوا ويستمتعوا؟ العكس صحيح، ولكنه كان مدركًا أنه نتيجة الأفكار المتأصلة فيهم لن يستطيعوا لأول وهلة أن يعرفوا سر الملكوت ما لم ينخسوا في قلوبهم، ويتأكدوا من بُعد الحقيقة عما يدور بخلدهم. ولذا فأنه تمنى ألا يكونوا مبصرين، ولكن في نفس الوقت أراد لهم أن ينظروا ويمعنوا النظر حتى يمكنهم أن يستمتعوا بنور البصيرة الداخلي حتى يستولى على مشاعرهم ويجذب التفاتهم وبالتدريج يقضي على تحيزهم الأعمى ليمكنهم بعدئذ أن يبصروا جيدًا" (300).

هذه الأمثال التي نطق بها السيد المسيح عندما كان يسمعها ذوي القلوب القاسية يشعرون أنها مغلّفة يعجزون عن فك ختومها، أما البسطاء فأنهم يدركون معناها ومغزاها، فشبه البعض أمثال السيد المسيح بعمود الغمام الذي رافق شعب الله في خروجه من أرض العبودية وفصل بين بني إسرائيل وبين المصريين، فكان يسدل جانبه المُظلم تجاه المصريين، ويسدل ضوءه تجاه بني إسرائيل. ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " أن المثل يفصل بين المستحق وغير المستحق، لأن المستحق يفتش عن معنى الأقوال التي سمعها، بينما غير المستحق يهملها.. يكفي إذًا أن يطلب تفسير الأمثال عندما يبدو معناها خفيًا. من ذلك استخدمها المسيح وتكلم بالأمثال منهضًا الساقطين وموقظًا النائمين إلى رغبة الاستماع إليه، ومع ذلك لم يصغوا كلهم إليها، بينما أسترعت انتباه التلاميذ.. فأخذهم الـرب جانبًا لكي يشرح لهم الأمثال" (301).

لقد قال السيد المسيح: " أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ" (مت 11: 25 - 26) وكأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: أنتم ستفهمون سر ملكوت الله لأن نواياكم خالصة، وأنا سأشرح لكم كل ما غمض عليكم، أما شيوخ اليهود والكتبة والفريسيين الذي رفضوني سأكلمهم بالأمثال، فهم يسمعون ولا يفهمون، لأنهم رفضوا التعليم الصالح فقد رفضتهم. وأوصى السيد المسيح تلاميذه قائلًا: " وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا" (مت 7: 6). ويقول "الفرد هافنت": "سر الله يفوق إدراك الإنسان ولا يمكن فهمه إلَّا عن طريق التسليم في يد الله. فأن رفض الإنسان أن ينفُذ الله إلى كيانه، وأن انكفاء على عالمه الضيق وأراد العيش أنانيًا لنفسه، تصبح كلمة الله صعبة المنال وكل شيء يُعطى له بأمثال مُبهمة" (302).

و - سر ملكوت الله لا يدركه إلَّا من يلتصق بالمسيح أما الرافضون للمسيح فلن يدركوا سر الملكوت، وبالتالي لن تتغير حياتهم ولا تُغفر لهم خطاياهم. ويقول "القمص تادرس يعقوب": " يقول أحد الدارسين أنه يليق بنا فهم كلمات السيد المسيح بالفكر اللاهوتي الذي كان للكنيسة الأولى، فأن كلمات السيد تميز بين مجموعتين: الذين له مع الاثنى عشر، والذين هم من الخارج (مر 4: 10، 11) فأن سر الملكوت لم يُعلن للاثنى عشر وحدهم بل للذين التفوا حول السيد في كنيسته، أما الذين في الخارج فهم اليهود رافضوا الإيمان به. فمن يتمتع بالحياة الكنسية ويكون تابعًا للسيد ينعم بقلب متفتح يدرك سر ملكوت الله، أما الذي يبقى في الخارج فلا يقدر أن يدرك السر في أعماقه بل يحرم نفسه بنفسه من المعرفة الإيمانية الحيَّة، فيبصروا بأعينهم الجسدية ويسمعوا بأذانهم المادية أما أعماقهم فلا ترى ولا تسمع.. وهكذا لا يرجعون إلى المُخلص ولا يتمتعون بغفران خطاياهم..

بنفس الفكر نجد السيد المسيح يقدم حياته مبذولة على الصليب علانية، لكنه لا يستطيع أحد أن يتفهم سر الصليب إلَّا الراغب في الالتقاء معه ليتعرف على قوة قيامته.. فالصليب تمت أحداثه أمام العالم أما القيامة فيختبرها الراغبون في التمتع بعملها فيهم" (303).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/503.html