St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 496- هل "تَحَنَّنَ يَسُوعُ" (مر 1: 41) على الرجل الأبرص، أم أنه غضب عليه كما جاءت في بعض المخطوطات، وكقول بارت إيرمان أن النص الأصلي: "فغضب يسوع ومدَّ يده ولمسه" وهذا يغير المعنى تمامًا، وكيف يلمس يسوع الأبرص (مر 1: 41) مع أن الوصية منعت لمسه (لا 13)؟ ولماذا انتهر يسوع الأبرص بعد أن منحه الشفاء (مر 1: 43)؟ وهل السيد المسيح لم يكن يدرك في ذاته أنه المسيا لذلك انتهر الأبرص حتى لا يُظهِره على أنه المسيا الآتي إلى العالم؟

 

س496: هل "تَحَنَّنَ يَسُوعُ" (مر 1: 41) على الرجل الأبرص، أم أنه غضب عليه كما جاءت في بعض المخطوطات، وكقول بارت إيرمان أن النص الأصلي: "فغضب يسوع ومدَّ يده ولمسه" وهذا يغير المعنى تمامًا، وكيف يلمس يسوع الأبرص (مر 1: 41) مع أن الوصية منعت لمسه (لا 13)؟ ولماذا انتهر يسوع الأبرص بعد أن منحه الشفاء (مر 1: 43)؟ وهل السيد المسيح لم يكن يدرك في ذاته أنه المسيا لذلك انتهر الأبرص حتى لا يُظهِره على أنه المسيا الآتي إلى العالم؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- هل " تَحَنَّنَ يَسُوعُ" (مر 1: 41) على الرجل الأبرص، أم أنه غضب عليه كما جاءت في بعض المخطوطات؟.. تعبير " تَحَنَّنَ يَسُوعُ" تعبير دارج في الإنجيل، يوضح الدافع القوي الذي دفع يسوع لعمل معجزات الشفاء والقيامة من الأموات وتلبية احتياجات الإنسان الضرورية من أمان وطعام فتجد هذه العبارة في (مت 9: 36، 14: 14، 20: 34، مر 1: 41، 6: 34، لو 7: 13). كما أنك تجدها في الترجمات العربية مثل ترجمة فانديك والحياة، وتجدها " فأشفق عليه يسوع" في اليسوعية والمشتركة، وتجدها " فأشفق يسوع" في ترجمات عربية أخرى.

وعبارة " تَحَنَّنَ يَسُوعُ" تجدها في الترجمات الإنجليزية: "moved with compassion" مثل ترجمـات:

 King James Bible - American Stundard Version - American King James Version - Darly Bible Translation - English Revised Version.

وأيضًا في المخطوطات اليونانية جاءت عبارة " تَحَنَّنَ يَسُوعُ" مثل السينائية، والفاتيكانية، والإسكندرية والأفرامية، ومخطوطة واشنطن، وكل مخطوطات النص البيزنطي ومخطوطات الكتب الكنسية.. وأيضًا جاءت نفس العبارة في الترجمات القديمة مثل السريانية والبشيطا والقبطية في جميع اللَّـهجات والفولجاتا، والترجمات القوضية والأرمينية والجيورجية والسلافية، وكذلك وردت عبارة " تَحَنَّنَ يَسُوعُ" في أقوال الآباء مثل باسيليوس الكبير وأمبروسيوس (راجع فادي أليكساندر - المدخل إلى علم النقد النصي للعهد الجديد ص 442 - 447).

والمخطوط الوحيد الذي جاء فيه "غضب يسوع" هو مخطوط بيزا D، والسبب في ذلك الخلط بين كلمة "تحنن" وكلمة "غضب" ففي الأرامية كلمة "تحنن" "أثريهيم" وكلمة "غضب" "أثريئيم". ويقول فيليب كامفروت يجب أن نتذكر أن كلمة غضب جاءت في مخطوط بيزا، ولا يمكن أن نأخذ شهادة مخطوط بيزا في هذا العدد (مر 1: 41) لأنه لا يصمد أمام الأدلة الخارجية والداخلية (راجع د. غالي - موقع هوليبايبل - النقد النصي في إنجيل مرقس).

والسؤال المنطقي لو كانت العبارة هيَ "غضب يسوع" فكيف يستقيم المعنى؟! على من غضب يسوع؟!. هل غضب على هذا الرجل الأبرص؟! وكيف يغضب عليه وقد حمل إيمانًا جبارًا واتضاعًا عظيمًا حتى أنه جثى أمامه قائلًا: " إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي؟!!" ولو غضب يسوع على هذا الرجل، فلماذا منحه الشفاء؟!!. إن عبارة "غضب يسوع" لا تستقيم مع قصة الشفاء هذه.. ولو افترضنا أن النص الأصلي "فغضب يسوع" وقام بعض النسَّاخ بتغييره إلى " فتحَنَّنَ يَسُوعُ" فلماذا لم يغيروا الآيات المثيلة الأخرى التي أظهرت غيظ يسوع: " فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ" (مر 10: 14)؟!!. فلو أن الناسخ غيَّر الأولى من "غضب" إلى "تحنن" لغيَّر الثانية أيضًا مـن "اغتـاظ" إلى "تحنن"، وبنفس القياس عندما جاء في إنجيل مرقس أيضًا عن انتهار السيد المسيح للأبرص " فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ" (مر 1: 43).. لماذا لم يغيرها الناسخ؟!!.

 

2- كيف يلمس يسوع الأبرص (مر 1: 41) مع أن الوصية منعت لمسه (لا 13)؟.. وصية عدم لمس الأبرص وُضِعت لأجل الإنسان، لأن هذا المرض شديد الخطورة ومعدي عن طريق الملامسة، وقد وضع العهد القديم جميع الأمراض الجلدية بما فيها مرض الجزام الخطير تحت مُسمى واحد وهو "البرص"، ولذلك أمر بعزل الأبرص عن أسرته ومجتمعه، ومن يلمسه يصير نجسًا، وبهذا جنب الله شعبه الأمراض الجلدية وخطورتها وسرعة انتشارها، ولا سيما أن البرص يرمز للخطية.

أ - يبدأ البرص صغيرًا ثم يتسع وينتشر، وهكذا الخطية تبدأ صغيرة وتنمو ولا تتوقف عند حد معين: " ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا" (يع 1: 15).

ب - ينتقل البرص بالعدوى مثل الخطية: " فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ" (1 كو 15: 33) وقيل: قل لي من هم أصدقاؤك أقول لك من أنت؟.

جـ - البرص مؤلم للغاية جسديًّا ونفسيًا، ولا تثمر الخطية سوى الشقاء والتعب والألم والموت.

د - كان البرص يُحتسب نوعًا من أنواع النجاسة، حتى أن الأبرص يجب أن " تَكُونُ ثِيَابُهُ مَشْقُوقَةً وَرَأْسُهُ يَكُونُ مَكْشُوفًا وَيُغَطِّي شَارِبَيْهِ وَيُنَادِي نَجِسٌ نَجِسٌ" (لا 13: 45). وعندما أحسَّ إشعياء النبي بضعفاته وخطاياه صرخ قائلًا: " وَيْلٌ لِي إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ" (إش 6: 5).

هـ - كان الأبرص يُفرَز بعيدًا عن الأسرة وعن شعب الله، وهكذا تُغرّب الخطية الإنسان من السماء والسمائيين.

و - كان شفاء البرص يُحتسب كأنه قيامة من الأموات، ولذلك في شريعة تطهيز الأبرص يقدم عصفرين، يذبح أحدها، والآخر يُغمس في دمه ويُطلّق حرًا، إشارة للموت والقيامة. ثم يقدم الذي شُفي من البرص خروفين ونعجة وتقدمة دقيق وزيت، وينضح الكاهن من الدم على الأذن اليمنى للذي شُفي، ثم يُمسح بالزيت، وكذلك كل من إبهام اليد اليمنى والقدم اليمنى حتى يطهر ثم يعود لممارسة حياته الطبيعية.

هكذا كانت خطورة البرص على الإنسان، لذلك حرَّمت الوصية الإلهيَّة أن يلمس أي إنسان إنسان آخر أبرص، لئلا يتنجس ويُصاب بذات المرض، أما بالنسبة للمسيح شمس البر فماذا يفعل له البرص أو الخطية؟!.. أنه نار تحرق كل مرض وكل خطية وكل نجاسة.. أنه الإله الذي يؤثر ولا يتأثر، وفي شفائه للأبرص لم يقل له "ليطهرك الله" ولا "أطهر بأذن الله" لأنه هو الله الذي يُطهّر من كل نجاسة ولذلك قال له: " أُرِيدُ فَاطْهُرْ". ويقول "القمص تادرس يعقوب" عن هذا الرجل البائس: " إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي (ع 40) كأنه يقول: الناموس يفضحني ويكشف ضعفي ويعلن نجاستي فينفر الكل مني، إنما أنت فوحدك إن أردت تقدر أن تطهرني. لم يسأله أن يطلب من الله ليشفيه إنما يعرف من هو، إذ ذاك الذي يريد فيُطاع.. كان يمكن أن يقول (يسوع) كلمة فيطهر، لكنه في حنان مدَّ يده ليعلن أنه الخالق الذي يتحنن على خليقته، مميزًا بين المرض والمريض، والخطية والخاطئ.. أنه يبسط بالحب يده ليلمس كل إنسان مهما كانت نجاسته حتى يطهره. هذا وقد أراد أن يعلن أنه واضع الناموس وربه لا يتنجس بلمسة أبرص، بل يهرب البرص من لمسته.." (249).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

وعندما لمس السيد المسيح الأبرص لم يقصد على الإطلاق أن يستهين بالوصية الإلهيَّة التي أعطاها هو من قبل، إنما قصد أن هذا الرجل يدرك أنه يقف أمام الله، لأن الله هو الوحيد القادر أن يشفي من ذلك المرض. ثم بعد أن طهَّره وشفاه أوصاه قائلًا: " اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ" (مر 1: 44). ويقول "العلامة أوريجانوس": " لماذا لمسه والشريعة تحرّم لمس الأبرص؟ لقد لمسه والشريعة تُحرّم لمس الأبرص. لقد لمسه ليُظهِر أنه "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ" (تي 1: 15)، فلا تنتقل النجاسة من شخص إلى شخص آخر ولا تنجس النجاسة الخارجية طهارة القلب، لذلك لمسه وهو غير مباح لمسه ليرشدنا إلى التواضع، وليعلمنا ألا نحتقر أحدًا أو نشمئز منه أو نحسبه جديرًا بالشفقة، بسبب جُرح في جسده أو عيب في أحد أعضائه.. وهكذا، لما مدَّ يسوع يده ليلمسه فارقه البرص من فوره. فيد الرب لم تلمس أبرص، بل جسدًا متطهرًا! فلنتأمل هنا، يا أحبة، فيما إذا كانت نفس أحدنا ملطخة بالبرص، أو كان قلبه ملوثًا بالإثم" (250).

كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " لقد لمس الرب الأبرص ليدل على أنه لا يشفي كعبد، بل كرب، فالبرص لا يُنجس يده، بل أن يـده المقدَّسة طهرَّت الجسد الأبرص" (251).

ويقول "الأب متى المسكين": " ولأول وهلة يظن القارئ أن المسيح يرتد إلى العهد القديم وفرائض الناموس، ولكن الحقيقة أعمق من ذلك، فالأبرص المعروف أنه صار أبرص لسنين طويلة يستحيل عليه بعد أن شُفي بواسطة المسيح أن يمشي بين الناس أو يتعامل مع أحد إلا بعد أن يمنحه الكاهن شهادة موثَّقة أنه صار طاهرًا، لأنه معروف وسط الحي وجميع الناس، ويستحيل على الكاهن أن يعطيه هذه الشهادة دون أن يقدم الذبائح المفروضة على الأبرص حينما يُشفى. فالمسيح بنصيحته هذه للأبرص الذي شُفي إنما يسعى لضمان صحة نفسه وسط الجماعة وقبول المجتمع له" (252).

 

3- لماذا انتهر يسوع الأبرص بعد أن منحه الشفاء (مر 1: 43)؟..

أ - الأصل اليوناني للفعل "انتهر" يحمل معنى التحذير والإنذار والتعنيف والزجر والانتهار، فقد تكلم السيد المسيح مع الأبرص بشكل حاسم وحازم وقاطع، وانتهره هنا ليس بمعنى أنه زجره، لأنه كيف يزجره ويوبخه بعد أن تحنن عليه ولمسه ومنحه الشفاء الكامل الذي لم يكن يحلم به، ولكن انتهره أي ألزمه وحذره وأوصـاه " وَقَالَ لَهُ انْظُرْ لاَ تَقُلْ لأَحَدٍ شَيْئًا" (مر 1: 44) حتى لا يتفاخر بتطهيره ويحكي هنا وهناك فيسقط في الكبرياء، هذا من جانب، ومن جانب آخر حتى لا يثير حقد الكتبة والفريسيين أكثر وأكثر.

ب - كان على الرجل أن يطيع الناموس، والناموس يمنع تواجد الأبرص وسط شعبه إلَّا بعد التأكد من شفائه، والذي يُعلن هذا الكاهن وحده بعد أن يراه ويفحصه، ولذلك منعه يسوع أن يقل لأحد شيئًا حتى لا يستغل المغرضون هذه المعجزة ضد المسيح، ولذلك قال له: " اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى، شَهَادَةً لَهُمْ" (مر 1: 44)، ولكن هذا الرجل لم يطع تحذير السيد المسيح " وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا وَيُذِيعُ الْخَبَرَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِرًا بَلْ كَانَ خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ" (مر 1: 45). ويقول "متى هنري": أن هذا الرجل كان " يجب أن لا يذيع هذه المعجزة، لأن ذلك كان يؤدي إلى ازدياد الجماهير التي تبعت المسيح، فقد كانوا كثيرين جدًا وليس ذلك لأنه لم يرد عمل الخير للجميع، لكل الذين يأتون إليه، بل لأنه أراد أن يشفي بدون جلبة، بدون أن يعثر الحكومة، أو يزعج السلام العام، أراد أن لا يفعل شيئًا يُشتم منه حُب الظهور، أو ينتج عنه مدح الجميع له. أما الأبرص "فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا وَيُذِيعُ الْخَبَر".. كان يجب أن يطيع الأبرص أوامر المسيح، لكن لا شك في أنه أذاع الشفاء بقصد طيب، ولم تكن لذلك أية نتائج سوى ازدياد عدد أولئك الذين كانوا يتبعون المسيح لدرجة أنه "لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِرًا".. لأن الازدحام كان شديدًا جدًا لدرجة أن الشوارع لم تسع الجماهير، الأمر الذي اضطره إلى أن يخرج "خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ" إلى جبل (مر 3: 13) وعند البحر (مر 4: 1)" (253).

 

4- هل السيد المسيح لم يكن يدرك في ذاته أنه المسيا لذلك انتهر الأبرص حتى لا يظهره على أنه المسيا الآتي إلى العالم؟.. الذي يقول أن السيد المسيح لم يكن يدري في ذاته أنه المسيا ابن الله فهو يطعن في ألوهية المسيح، وهذه نظرة شيطانية، ولو أن السيد المسيح لا يدرك هذا، فكيف كان يُعلن عن ذاته مرارًا وتكرارًا أنه المسيح ابن الله، فعندما اعترف بطرس الرسول أنه هو المسيح ابن الله طوَّبه على هذا الاعتراف، بل أنه سأل الفريسيين: " قَائلًا مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ ابْنُ دَاوُدَ. قَالَ لَهُمْ فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟.." (مت 22: 42 - 46). ولكن الإشكالية أن نظرة اليهود للمسيا كانت خاطئة، فكانوا يحلمون بمسيا محرّر سياسي يحررهم من سطوة الرومان، ويرفعهم فوق شعوب العالم، ويوم يأتي يسكن الذئب مع الحمل. أما السيد المسيح فهو جاء من أجل خلاص الإنسان من حُكم الموت واللعنة، وطريقه في هذا صليب العار والازدراء على جبل الجلجثة حيث يُرفع مصلوبًا عريانًا.

ويقول "يوحنا كرافيذوبولس": " في بداية هذا القرن (القرن العشرين) كتب المُفسّر Wrede كتابًا شهيرًا "سرية المسيا في الأناجيل" يؤكد فيه أن مثل هذا الموقف ليسوع، خاصة عند مرقس، يعود إلى أن يسوع لم يكن يعي مسيانيته.. وفي إنجيل مرقس، حسب رأيه، هناك صدام بين ضمير يسوع وإيمان الجماعة الأولى به. ولكن وجهة النظر الصحيحة هيَ أن "بشرية المسيا" قائمة في الواقع في الأناجيل، لكن هذا الموقف يعود إلى خطة يسوع التربوية أمام اليهود المعاصرين له: يهرب من اعتباره كمسيا عالمي سياسي ينتظره اليهود يعتقدون أنهم رأوه في شخصه. يبتعد عن تظاهرات الشعب الحماسية [أنظر يوحنا (6: 14، 15)] لأنه ليس ذلك المسيا بحسب معتقدهم. أن صليبه وقيامته سوف يُظهران من هو المسيا. من هنا ما ندعي بسرية المسيا ما هو إلَّا موقف تربوي يتخذه يسوع أمام اليهود معاصريه وليس ابتكار الكنيسة الأولى" (254).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/496.html