St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 491- لماذا اختار مرقس الرسول تعبير "انْشَقَّتْ" (مر 1: 10) عن السموات ولم يستخدم تعبير "انْفَتَحَتْ" مثل متى الرسول (مت 3: 16)؟ وكيف يقول مرقس الرسول أن الروح قاد يسوع مباشرة "لِلْوَقْتِ" بعد المعمودية لجبل التجربة، بينما يقول يوحنا الإنجيلي أنه التقى في الغد مع يوحنا المعمدان ثانية (يو 1: 29، 35)؟ وما الذي دعى مرقس الرسول أن لا يذكر من التجربة سوى أنه "وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ" (مر 1: 13)؟ وهل كانت التجارب مجرد هلاوس ووساوس شيطانية؟

 

س491: لماذا اختار مرقس الرسول تعبير "انْشَقَّتْ" (مر 1: 10) عن السموات ولم يستخدم تعبير "انْفَتَحَتْ" مثل متى الرسول (مت 3: 16)؟ وكيف يقول مرقس الرسول أن الروح قاد يسوع مباشرة "لِلْوَقْتِ" بعد المعمودية لجبل التجربة، بينما يقول يوحنا الإنجيلي أنه التقى في الغد مع يوحنا المعمدان ثانية (يو 1: 29، 35)؟ وما الذي دعى مرقس الرسول أن لا يذكر من التجربة سوى أنه "وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ" (مر 1: 13)؟ وهل كانت التجارب مجرد هلاوس ووساوس شيطانية؟

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: لماذا اختار مرقس الرسول تعبير "انْشَقَّتْ" (مر 1: 10) عن السموات ولم يستخدم تعبير "انْفَتَحَتْ" (مت 3: 16) مثل متى الرسول؟.. لأن مرقس البشير كتب للرومان الذين يعشقون القوة والسرعة لذلك استخدم تعبيرات تدل على القوة، ومن هذه التعبيرات لفظة "انْشَقَّتْ" فهيَ تحمل معنى القوة والسرعة أكثر من لفظة "انْفَتَحَتْ" التي استخدمها متى الإنجيلي. بمعصية آدم الأول أغلقت السماء وجهها أمام الإنسان، وبطاعة آدم الثاني انشقت السماء. قديمًا قال إشعياء النبي: "لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ. مِنْ حَضْرَتِكَ تَتَزَلْزَلُ الْجِبَالُ" (إش 64: 1)، وعندما جاء ابن الله وأعتمد تحقَّقت طلبة إشعياء، فهوذا قد نزل إلى الأرض بل نزل إلى جوف الأردن، فرأى إشعياء النبي وفرح وتهلل، ولم تنشق السماء فحسب بل سُمع صوت الآب من السماء (مر 1: 11)، محقَّقًا قولي النبيين العظيمين داود وإشعياء، فقد سبق داود وقال: " إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ قَالَ لِي أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مز 2: 7) والآن، المولود من الآب "اليوم"، الذي ليس قبله يوم، أي الأزل، نراه يأتي متواضعًا وديعًا ينزل إلى نهر الأردن مع صفوف العشارين والخطاة، ليكمّل كل برّ، وصوت الآب يأتي من السماء التي انشقت، مجلجلًا عبر الزمان: " أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ" (مر 1: 11). كما سبق إشعياء وقال: " هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ" (إش 42: 1)، وهوذا روح الله القدوس يحل على شكل حمامة على الابن موضع سرور الآب دائمًا وأبدًا " الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مر 1: 11).

ويقول "يوحنا كرافيذوبولس": " أن صوت الآب من السماء: "أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" يعيد إلى الأذهان (المزمور 2: 7): "أَنْتَ ابْنِي.." ومقطع (إشعياء 42: 1): "هُوَذَا عَبْدِي.." يعترف بيسوع في هذه اللحظة المهمة من بداية نشاطه العام العلني، ويكرز به كابن الله المحبوب، الذي يأخذ على عاتقه عملًا صعبًا وهو عمل عبد الرب المتألم الذي تكلم عنه إشعياء النبي (إش 42: 1، 52: 13، 53: 12)، والذي يصل إلى كماله عبر الآلام على الصليب. ابن الله وعبد الله، صفتان مسيانيتان مميزتان سوف ترافقان يسوع في كل نشاطه الأرضي" (224).

لقد دخل ابن الله إلى العالم، وأعتمد في الأردن، فانشقت السماء ولن تعد تغلق أبوابها بعد لذلك عاينها استفانوس: " مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الله" (أع 7: 56)، كما رآها بطرس مفتوحة (أع 10: 11)، وإليها صعد بولس الرسول (2 كو 12: 2) وعاين يوحنا الرائي أمجاد العرش الإلهي (رؤ 4)، وآلاف من الشهداء والقديسين عاينوا السماء المفتوحة.

 

2- كيف يقول مرقس الرسول أن الروح قاد يسوع مباشرة "لِلْوَقْتِ" بعد المعمودية لجبل التجربة، بينما يقول يوحنا الإنجيلي أنه التقى في الغد مع يوحنا المعمدان ثانية (يو 1: 29 ، 35)؟ .. قال مرقس البشير: "وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ" (مر 1: 12)، وقال يوحنا الإنجيلي: " وَفِي الْغدِ.." (يو 1: 29).. " وَفِي الْغَدِ أَيْضًا.." (يو 1: 35). والحقيقة أن يوحنا الإنجيلي لم يذكر معمودية السيد المسيح من يوحنا المعمدان، ولم يذكر أيضًا التجربة على الجبل. إذًا هو لم يقصد بالغد بعد معمودية يوحنا، إنما ذكر حدث آخر وهو إرسال يهود أورشليم كهنة ولاويين ليوحنا المعمدان يسألونه عن هويته وشخصيته؟ وعندما قال يوحنا الرسول: " وَفِي الْغَدِ نَظَرَ (يُوحَنَّا) يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ فَقَالَ هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29) فكان يقصد الغد من سؤال الكهنة واللاويين ليوحنا المعمدان (وليس من معمودية المسيح)، وبالمثل عندما قال يوحنا الإنجيلي: " وَفِي الْغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ. فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا" (يو 1: 35، 36) ورؤية يوحنا ليسوع (يو 1: 29، 35) كان بعد عودة يسوع من جبل التجربة وبداية خدمته، وشروعه في اختيار التلاميذ (يو 1: 40 - 51).

وحتى لو احتج البعض قائلًا أن قول يوحنا المعمدان: " إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ" (يو 1: 32) تأكيد لمعمودية المسيح، لأنه لم يرى هذا المنظر إلاَّ في معمودية المسيح، ثم قوله " وَفِي الْغَدِ" (يو 1: 29، 32) تعني أن المسيح لم يذهب لجبل التجربة بعد العماد مباشرة، فأن تفسير هذا الأمر سهلًا، فقد يكون مرقس الإنجيلي قد استخدم كلمة " لِلْوَقْتِ" كتعبير مجازي، أي أن يسوع قد يكون مكث يومًا أو أكثر في اليهودية ثم صعد لجبل التجربة، ولا سيما أن مرقس البشير قد أكثر مـن استخدام كلمة "لِلْوَقْتِ" حتى أنه استخدمها (9) مرات في الأصحاح الأول، وإستخدمها في إنجيله (41) مرة. أو أن يكون قصد يوحنا الإنجيل بالغد أي الغد البعيد بعد المعمودية وبعد التجربة. ويقول "الخوري يوسف إلياس الدبس": "وتوفيق ذلك إما بأن يوحنا أستعمل لفظة الغد بالمجاز، حتى كان المقصود بها لا اليوم التابع بل مدة بعيدة (بعد العودة من التجربة). إما بأن قول مرقس هنا "لِلْوَقْتِ" لا يُراد به الساعة نفسها بل يُراد به بعد مدة وجيزة، ويكون المُراد أن المخلص خرج إلى البرية قبل أن يباشر إنذارًا أو يجترح أعجوبة" (225).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

3- ما الذي دعى مرقس الرسول أن لا يذكر من التجربة سوى أنه " وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ" (مر 1: 13)؟.. لم يهتم القديس مرقس بذكر تفصيلات عن التجربة، مثلما اهتم فيما بعد كل من متى ولوقا، بل اختصر هذه التجارب في عبارة وجيزة: " وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (مر 1: 13) وذلك لأن هدف مرقس البشير التركيز على النصرة النهائية، فكان يسرع الخطى نحو الصليب والقيامة. ويقول "القمص تادرس يعقوب": " لقد رأى كثير من الدارسين أن إنجيل مرقس بكامله هو "سفر الألم" يمثل عرضًا لتجربة السيد المسيح المستمرة وصراعه ضد إبليس والأرواح الشريرة إما مباشرة أو خلال خدامه الساقطين تحت سلطانه يعملون لحسابه. فما حدث خلال الأربعين يومًا في البرية لم يكن إلَّا بداية معركة ذروتها عند الصليب حتى اشتهى العدو الخلاص منه، وإذ صُلب السيد وجد العدو نفسه مصلوبًا ومجردًا من كل سلطان.. (كو 2: 15)" (226).

ومع أن العبارة وجيزة إلَّا أنها عميقة وقوية أوضحت أن التجارب استمرت أربعين يومًا، ولكن ما كان يشغل ذهن مرقس الرسول أن ينقل لنا خبر نصرته على الشيطان، ومع أنه لم يذكر هذه النصرة بطريقة مباشرة، إلاَّ أنه أخبرنا بها بقوله: " وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ" (مر 1: 13).. ويقول "جراهام سويفت" عن التجربة: " ومرقس يذكرها بإيجاز جدًا وهو أمر جدير أكثر بالملاحظة بالنظر لشغفه بنصرة ابن الله على قوات الشر" (227).

وقد انفرد القديس مرقس لوحده يذكر عبارة " وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ" فلا بد أن ذهنه كان مشغولًا بآدم الأول عندما كان في جنة عدن وكان هو الملك المتوَّج على الخليقة، وكان مع الوحوش وكانت تخضع له، ولكن بعد السقوط انقلب الوضع رأسًا على عقب، فطُرد من الجنة وصار مطاردًا من الوحوش التي تود أن تلتهمه، ووقف ملاكًا يحـول بينه وبين بيته الأول، جنة عدن، وإذ بآدم الثاني يأتي ليعيد الصورة إلى وضعها الصحيح، ويرد لآدم الأول كرامته التي فقدها، فكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه، ولأجل هذا الهدف قاد روح الله يسوع إلى البرية ليجرَّب من الشيطان، لا ليعرف الجميع إذا كان سيسقط مثل آدم الأول أو لا، إنما ليعرف الجميع مدى نصرته، فهو القائل: " لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو 14: 30).

وأيضًا قول مارمرقس: " وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ" تشد أنظارنا نحو الحكم المسياني، الذي كان يمثل حلم الأنبياء، فقال إشعياء النبي: " فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ.. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا.. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ" (إش 11: 6 - 8)، وقال الرب بلسان هوشع النبي: " وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْدًا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَدَبَّابَاتِ الأَرْضِ.." (هو 2: 18).

 

4- هل كانت التجارب مجرد هلاوس ووساوس شيطانية؟.. لم تكن هذه التجارب هلاوس ووساوس، بل كما أن الشيطان حقيقة هو ملاك ساقط وله مملكته الضخمة المنظمة من ملائكة ساقطين، وليس الشيطان وهمًا ولا خيالًا، هكذا كانت تجاربه للسيد المسيح أربعين يومًا حقيقة، وليس وهمًا ولا خيالًا، ولا هلاوس ولا وساوس، إنما كانت تجارب حقيقية تمت فيها المواجهة بين الشيطان والسيد المسيح، والذي دفع الشيطان إلى تجربة المسيح أنه جهل هويته، لأن السيد المسيح أخفى لاهوته عنه، وبعد أن صام أربعين يومًا كان في حالة من الإرهاق والإعياء أثارت مطامع الشيطان فجربه عدة تجارب، ذكر منها كل من القديس متى والقديس لوقا ثلاثة تجارب، ولو كانت هذه التجارب هلاوس ووساوس لتناقض ما قاله متى الإنجيلي مع ما قاله لوقا الطبيب، ولكنهما اتفقا تمامًا وإن كانا قد اختلفا في ترتيب التجارب. ويقول "الأنبا غريغوريوس" أسقف عام الدراسات القبطية والبحث العلمي: "بيد أن هجوم الشيطان عليه لم يكن في صورة وساوس داخلية كسائر البشر، لأنه منزَّه عن كل فكر ينطوي على خطيئة أو أثم، وإنما كان هجوم الشيطان عليه بصورة خارجية ظاهرة، متصديًا له وجهًا لوجه" (228).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/491.html