St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 378- هل الذي سأل السيد المسيح شاب عادي (مت 19: 16)، أم أنه " رَئِيسٌ" (لوقا 18: 18)؟ وإن كان " رَئِيسِ الْمَجْمَعِ " فكيف يسأل وهو الواجب أن يُسئَل؟ وهل السيد المسيح نفى عن نفسه كونه صالحًا، وكونه اللَّه بقوله: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه" (مت 19: 17) ولا سيما أنه كثيرًا ما دعى نفسه " ابْنُ الإِنْسَانِ "؟ وهل حفظ الوصايا يضمن الحياة الأبدية دون موت المسيح الكفاري كقول السيد المسيح: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا" (مت 19: 17)، فهل حفظ الوصايا كافٍ للخلاص؟ وهل الكمال يُقتنى ببيع الممتلكات دون حاجة لموت المسيح الكفاري: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت 19: 21)؟ ولماذا لم يقل السيد المسيح له: انتظرني حتى أُصلب وأُخلصك؟ وهل على كل إنسان غني يسعى للملكوت أن يتخلى عن جميع ممتلكاته ويعيش عيشة الفقر المُدقع؟ فهل اللَّه للفقراء فقط وليس للأغنياء؟

 

س378: هل الذي سأل السيد المسيح شاب عادي (مت 19: 16)، أم أنه " رَئِيسٌ" (لوقا 18: 18)؟ وإن كان " رَئِيسِ الْمَجْمَعِ " فكيف يسأل وهو الواجب أن يُسئَل؟ وهل السيد المسيح نفى عن نفسه كونه صالحًا، وكونه اللَّه بقوله: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه" (مت 19: 17) ولا سيما أنه كثيرًا ما دعى نفسه " ابْنُ الإِنْسَانِ "؟ وهل حفظ الوصايا يضمن الحياة الأبدية دون موت المسيح الكفاري كقول السيد المسيح: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا" (مت 19: 17)، فهل حفظ الوصايا كافٍ للخلاص؟ وهل الكمال يُقتنى ببيع الممتلكات دون حاجة لموت المسيح الكفاري: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت 19: 21)؟ ولماذا لم يقل السيد المسيح له: انتظرني حتى أُصلب وأُخلصك؟ وهل على كل إنسان غني يسعى للملكوت أن يتخلى عن جميع ممتلكاته ويعيش عيشة الفقر المُدقع؟ فهل اللَّه للفقراء فقط وليس للأغنياء؟

يقول " أحمد ديدات ": "وإذ يتقدم أحد اليهود طالبًا من المسيح عليه السلام أن يوضح له طريق الخلاص: "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ.. إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا" (مت 19: 16، 17). وسوف تتفق معي - أيها القارئ الكريم - أنه لو كنت أنت، أو لو كنت أنا مكان ذلك اليهودي فإن أيًّا منا يستطيع أن يستنتج وفقًا لما قاله المسيح أن الخلاص مضمون ومؤكد شريطة أن نطيع أوامر اللَّه دون سفك دم بريء.. كأن عيسى عليه السلام يعرف أن ثمة طريق واحد للخلاص، وهو ما حدَّده للرجل اليهودي، ألاَّ وهو طاعة اللَّه" (1046) (راجع أيضًا السيد سلامة غنمي - التوراة والأناجيل بين التناقض والأساطير ص348، 349، وعلاء أبو بكر - البهريز جـ 3 س24 ص31، س557 ص297، جـ 4 س294 ص339).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ قال القديس متى: "وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (مت 19: 16)، وقال القديس لوقا: "وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ قِائِلًا أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ" (لو 18: 18)، ولا تعارض بين الاثنين، فمتى الإنجيلي لم يُنفي كون هذا الشخص " رَئِيسٌ "، إنما نظر لهذا الرجل على أنه يحتاج أن يتعلم فجاء ليسأل ركز على السؤال أكثر من تركيزه على شخصية السائل. والمقصود برئيس أي رئيس مجمع يهودي، واستخدم القديس متى نفس التعبير (رَئِيسٌ) لوصف يايرس قائلًا: "وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهذَا إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ قَائِلًا" (مت 9: 18) بينما قال عنه لوقا الإنجيلي: "رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ قَدْ جَاءَ وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ" (لو 8: 41).

ومع أن هذا الرجل رئيس مجمع اليهود، إلاَّ أنه شعر وهو يقف أمام المسيح أنه طفل يحبو أمام محيط شاسع، فلم يجد حرجًا في سؤاله هذا، ولا سيما أنه كان منشغلًا بالحياة الأبدية ويسعى نحو المعرفة، وهو يؤمن بالحياة الأبدية، فهو ليس من فئة الصدوقيين الذي ينكرون الحياة الأبدية. لم يجد حرجًا أن يركض نحوه ويجثو أمامه ويسأله أمام الجمع الغفير وهو رئيس مجمع اليهود لأنه شعر بعظمة وسمو السيد المسيح.

 

2ــ قال السيد المسيح للشاب الغني: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا. لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه ".. لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا لأن: "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو 3: 12)، والصلاح لا يتفق مع الخطية فالصلاح كمال والخطية نقص. أما عن قول السيد المسيح " لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ "، فدعنا يا صديقي نطرح التساؤلات الآتية:

س أ: لماذا أجاب السيد المسيح هذا الشباب بمثل هذه الإجابة؟

(1) كان اليهود يعظمون ويمدحون رؤساءهم ومعلميهم فكانوا ينعتونهم بالصفات الإلهيَّة مثل صفة الصلاح، فالسيد المسيح قصد أن يوضح خطأ هذا السلوك.

(2) ظن هذا الشاب أن صلاح الإنسان يؤهله للحياة الأبدية، فكان الرد المنطقي للرب يسوع: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه" أما الإنسان فهو في الموازين إلى فوق مهما فعل من صالحات " كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا" (لو 17: 10).

(3) ظن هذا الشاب أن السيد المسيح مجرد مُعلَم متميّز مثل بقية المعلمين، فأراد السيد المسيح أن يجذب أنظار هذا الشاب الذي يسعى نحو الحياة الأبدية للإيمان به، فسأله: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا"؟ بأي صورة تدعوني صالحًا؟ إن كنت تعتقد أنني مجرد مُعلم فحسب فأنت قد أخطأت الطريق، فصلاح الإنسان صلاح نسبي، فعندما قال الكتاب: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ" (مت 12: 35).. " أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ" (مت 25: 21)، كما قيل على بعض الأشخاص مثل برنابا: "كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَمُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ" (أع 11: 24) فليس معنى هذا أن الإنسان كلي الصلاح، إنما صلاحه صلاح نسبي، صلاح مكتسب، أما السيد المسيح فهو كلي الصلاح، وصلاحه صلاح ذاتي بطبيعته، وصلاحه هو الذي دعاه لخلقة الإنسان: "من أجل الصلاح وحده مما لم يكن كونت الإنسان وجعلته في فردوس النعيم" (صلاة الصلح للقداس الغريغوري).. لقد أراد السيد المسيح أن يسأل هذا الشاب: هل تؤمن أنني كلي الصلاح؟

 

س ب: هل نفى السيد المسيح عن نفسه صفة الصلاح؟

كلاَّ.. لم يُنفي السيد المسيح عن نفسه صفة الصلاح، فلم يقل بطريق مباشر أو غير مباشر: "أنا لستُ صالحًا " أو " لا تدعوني صالحًا " إنما سأله: "لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ " وهناك فرق شاسع بين لا النافية وبين لماذا المقصود بها الاستفهام، لم ينفي السيد المسيح الصلاح عن نفسه بأي صورة كانت، بل أنه أراد أن يُعلَم هذا الشاب أن الصلاح يخص اللَّه وحده، وأتاح له الفرصة ليُقر بصلاحه لأنه هو اللَّه.. وفي مواضع أخرى أكد الرب يسوع صلاحه المُطلّق مثل قوله: "أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ.. أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو 10: 11، 14).. وقال لليهود: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّة" (يو 8: 46)، وقال لتلاميذه: "لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو 14: 30) فهو القدوس الصالح، وقال عنه بطرس الرسول: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1 بط 2: 22).. " لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاة" (عب 7: 26).

س ج: هل نفى السيد المسيح عن نفسه كونه اللَّه؟

كلاَّ.. فقد قال: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه" ولم يقل بأي صورة من الصور " أنني لست اللَّه " بل عمل الأعمال التي لا يصنعها إلاَّ اللَّه وحده مثل مغفرة الخطايا، والخلقة، وأظهر أنه رب الشريعة.. إلخ ودعى نفسه مرات عديد بأنه " ابْنَ اللَّه" وفهم اليهود المغزى قائلين أنه جعل نفسه معادلًا للَّه ولهذا أرادوا أن يقتلوه.. إلخ مما لا يتسع المجال للخوض فيه (يُرجى الرجوع إلى كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح).

ويشرح "البابا كيرلس الكبير" الموقف قائلًا: "لذلك تملق (هذا) الرئيس يسوع وحاول أن يخدعه فتظاهر أنه يتخذ موقفًا متعاطفًا معه، ولكن ماذا أجاب العالِم بكل شيء.. " لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا. لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّه ". ها أنت ترى كيف برهن المسيح أن ذلك الرجل ليس حكيمًا ولا متعلمًا رغم أنه رئيس مجمع اليهود إذ يقول له: إن كنت لا تؤمن أنني أنا اللَّه، ورداء الجسد قد جعلك تضل، فلماذا تدعوني بأوصاف تليق فقط بالطبيعة الفائقة (الإلهيَّة) وحدها، بينما أنت لا تزال تفترض أنني مجرد إنسان مثلك وليس فائقًا على حدود الطبيعة البشرية؟ فإن صفة الصلاح بالطبيعة توجد في الطبيعة التي تفوق الكل، أي في اللَّه فقط وهو (الصلاح) الذي لا يتغيَّر. أما الملائكة ونحن الأرضيون فنكون صالحين لمشابهتنا له أو بالحري لإشتراكنا فيه.. لذلك هو صالح حقًا أو هو الصلاح المُطلّق.. لذلك لنضع الصلاح على أنه الصفة الخاصة باللَّه وحده الذي فوق الكل، وهذا (الصلاح) متصل جوهريًا بطبيعته وهو صفته الخاصة، وهو يقول " فإن كنت لا أبدو لك أنني اللَّه حقًا فأنت قد نسبت إليَّ عن جهل وحماقة الخصائص والفضائل التي للطبيعة الإلهيَّة، وفي نفس الوقت الذي تتخيل أنني مجرد إنسان أي من لم يلبس الصلاح أبدًا، ولا صفة الطبيعة غير المتغيرة، بل يحصل على الصلاح فقط بموافقة الإرادة الإلهيَّة ". إذًا فهذا هو مغزى ما قاله المسيح" (العظة 122 على تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس السكندري)" (1047).

 

3ــ كثيرًا ما دعى السيد المسيح نفسه بابن الإنسان دون أن ينفي ألوهيته، فهو ابن الإنسان لأنه تجسد وتأنس واتخذ طبيعة بشرية كاملة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ولقب " ابْنُ الإِنْسَانِ" نجده في سفر دانيال: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُـهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا 7: 13 - 14)، ونجده في العهد الجديد عن المسيح الديان: "مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِه" (مت 19: 28).. " وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ.. وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيه" (مت 24: 30، 31)، وقال السيد المسيح: "أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا" (مت 9: 6)، وقال لنيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّـذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو 3: 13)، وقال لليهود: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا" (مت 12: 8)، وقال لتلاميذه: "فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا" (يو 6: 62)، وقال السيد المسيح لرئيس الكهنة: "أَقُولُ لَكُمْ مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت 26: 64)، وقال الشهيد اسطفانوس في لحظة استشهاده: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللَّه" (أع 7: 56). وورد لقب " ابْنُ الإِنْسَانِ" في العهد الجديد أكثر من ثمانين مرة منها اثنين وثلاثين مرة في إنجيل متى، وأربعة عشر مرة في إنجيل مرقس، وستة وعشرون مرة في إنجيل القديس لوقا، وإحدى عشر مرة في إنجيل يوحنا، ومرة في سفر الأعمال، ومرة في العبرانيين، وورد في سفر الرؤيا " شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ" مرتين (راجع موقع هولي بايبل للاطلاع على جميع الآيات التي ورد فيها لقب ابن الإنسان).

وقد أطلّق السيد المسيح لقب " ابْنُ الإِنْسَانِ" على نفسه، لأنه اتخذ طبيعة إنسانية، فقد تأنس أي صار إنسانًا كاملًا وهو الإله الأزلي قبل الأكوان، وصار صديقًا ورفيقًا للإنسان، ودانيال في رؤياه رآه " ابْنِ إِنْسَانٍ" لأن التجسد كان في ذهن اللَّه منذ الأزل، وقد دعى السيد المسيح نفسه " ابْنُ الإِنْسَانِ " لعدة أسباب:

أ - لأنه لم يولد بالتناسل الطبيعي، إنما وُلِد من عذراء بدون زرع بشر، ولذلك لم يدعو نفسه "ابن آدم" كما دعى اللَّه حزقيال النبي مرات عديدة.

ب - ابن الإنسان أي هو الممثل للإنسانية، كل الإنسانية ذكورها وأناثها.

جـ - يقول "القس منيس عبد النور": "كما أن هناك أبناء كثيرين للَّه، ولكن المسيح وحده هو "ابْنُ اللَّه"، كذلك هناك أبناء كثيرون للناس، لكن المسيح وحده هو "ابْنُ الإِنْسَانِ". ولذلك هو وحده أطلق هذا اللقب على نفسه، وتدل كل القرائن على أنه قصد به " المعلِن للَّه " أو " اللَّه مُعلنًا ". لأنه أعلن أنه بوصفه ابن الإنسان يغفر الخطايا (مر 2: 10) ويمنح الخلاص والسلام (لو 7: 50)، ويعطي الأموات بالخطية حياة روحية أبدية (يو 5: 25)، ويجازي كل واحد حسب أعماله (مت 16: 27)، وغير ذلك من الأعمال التي لا يقوم بها إلاَّ اللَّه. ومما يثبت صدق هذه الحقيقة أن اليهود أستنتجوا من كلام المسيح أن للقب " ابْنُ الإِنْسَانِ " معنى غير المعنى الذي يتبادر إلى الذهن. فسألوه مرة في حيرة: "مَنْ هُوَ هذَا ابْنُ الإِنْسَانِ" (يو 12: 34). وما كان للحيرة أن تجد مجالًا في نفوسهم، لو كانوا قد علموا أن " ابْنُ الإِنْسَانِ " هو بعينه " ابْـنَ اللَّه " فهو رب السبت أيضًا (مر 2: 28)" (1048).

 

4ــ سأل هذا الشاب الغني السيد المسيح: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.. إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا" (مت 19: 16، 17)، فحفظ الوصايا والسلوك باستقامة القلب أمر في غاية الأهمية لنوال الحياة الأبدية، ورسالة يعقوب خير شاهد على هذا: "هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ.. أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ.. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ بِدُونَ رُوحٍ مَيِّتٌ هكَـذَا الإِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع 2: 17 - 26)، وفي المجيء الثاني: "وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِه" (مت 16: 27).. إلخ، ولكن تنفيذ الوصايا والأعمال الصالحة ليست هيَ الشرط الوحيد لدخول الملكوت، فقبل الأعمال الصالحة هناك الإيمان بالمسيح الفادي، الإله المتجسد، لأن الكتاب قال: "وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللَّه يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَه" (عب 11: 6).. " الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْـنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّه" (يو 3: 36).. " لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللَّه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو 3: 16) والحياة الأبدية في الأصل اليوناني تعني الأمر المرتبط باللَّه، وأعظم ما يميز اللَّه أنه هكذا أحب وهكذا بذل ابنه الحبيب، وقد تجاهل الناقد قول الكتاب: "وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب 9: 22) فعقيدة التجسد والفداء هيَ الأساس الذي بُنيت عليه المسيحية " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ بِالإِيمَانِ" (أف 2: 8) (راجع أف 1: 7، كو 1: 14، 20، عب 13: 12، 1 بط 1: 2، 1 يو 1: 7، رؤ 5: 9) ومع ذلك فإن الإيمان والأعمال الصالحة ليس هما الشرطين الوحيدين لنوال الحياة الأبدية، بل لا بد أيضًا من المعمودية كموت وقيامة مع المسيح: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّه" (يو 3: 5).. " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر 16: 16).. إلخ.

ويقول "وليم ماكدونالد": "السيد المسيح أراد أن يمتحن معرفته بطريق الخلاص. فهو لم يعنِ بقوله أنه من الممكن للإنسان أن يخلص بحفظه للوصايا، إنما كان يستخدم الناموس لمساعدة الشاب على إدراك خطيته القلبية. فالرجل كان ما يزال تحت الإعتقاد الخاطئ بأن الملكوت ميراث يُكتسب عن طريق الأعمال، فليعمل ما يقوله له الناموس إن كان الأمر كذلك.. عندئذ أسرع يسوع يكشف فشل ذلك الإنسان في محبته للقريب كالنفس إذ طلب منه أن يبيع كل ما عنده ويعطيه للفقراء، ومن ثم يأتي ليتبع المسيح. لكن الرب لم يعنِ بطلبه هذا أنه يمكن للإنسان أن يخلص عن طريق بيع مقتنياته وتوزيعها على الفقراء إحسانًا. فطريق الخلاص واحد وهو الإيمان بالمسيح" (1049). فالإيمان بالمسيح الفادي أولًا يتبعه المعمودية " مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر 16: 16) ثم تأتي الأعمال الصالحة تعبيرًا عن " الإيمان العامل بالمحبة ".

ويجب أن نلتفت إلى أن الوصايا الإلهيَّة مبنية على الخلاص بالدم، فيقول "الأخ وحيد": "إذًا فقد أكد المسيح على ذلك اليهودي الذي سأله، بأن عليه أن يتبع الوصايا الموجودة في عصره، المبنية أصلًا على الخلاص بالدم. ذلك الدم الذي كان رمزًا مُمهدًا لدماء المسيح الذي حلت مكانه، أي مكان دم الذبائح الحيوانية. وختم المسيح جوابه بعبارة: "اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ". كل هذه الآيات مجتمعة كشفت ما يقوم به ديدات من سرقة آيات وقص ولصق وتفسير مُغرِض لا علاقة له بسياق الآيات.. أكدت هذه الآيات أنه لا خلاص إلاَّ بدم المسيح المسفوك على الصليب لأجل خلاص العالم كله. هذا هو الإيمان المسيحي ومن حق أي شخص أن يرفضه. ولكن ليس من حقه أن يزوّر فيه" (1050).

وقد عرف فاحص القلوب والكُلى أن هذا الشاب الغني متمسك بمقتنيات العالم أكثر من حرصه على حفظ الوصايا، فأول الوصايا العشر " لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي" (خر 20: 3) لم يحفظها هذا الشاب بل تمكنت منه محبة المقتنيات أكثر من تبعيته لرب الوصايا: "فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت 19: 22). وأيضًا هذا الشاب ظن في نفسه أنه بار وكامل وقد حفظ وصايا الناموس، مع أنه لم يوجد إنسان على الأرض استطاع أن يحفظ جميع وصايا الناموس، وقال القديس يعقوب: "لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ" (يع 2: 10)، وقال بولس الرسول: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِه" (غل 3: 1).

 

5ــ ليس المفروض على كل غني أن يتخلى عن ممتلكاته ويعيش عيشة الفقر المدقع لينال الحياة الأبدية، وليس اللَّه إله الفقراء فقط وليس إله الأغنياء، وليس المال شرًا، فقد كان أيوب وإبراهيم وإسحق ويعقوب وداود وسليمان وحزقيال ويوشيا ونيقوديموس ويوسف الرامي وزكا العشار، ومتى العشار، وغيرهم الكثير والكثير من الأغنياء، ومع ذلك فأنهم أرضوا الرب، لأن محبتهم للَّه كانت أقوى من محبتهم لأي شيء آخر، فعندما خسر أيوب كل شيء بارك اللَّه: "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" (أي 1: 21)، واهتم إبراهيم بإضافة الغرباء وأظهر تسامحًا قويًا مع لوط، وعند عودته من حرب كدر لعومر رفض عرض ملك سدوم بأن يأخذ كل الممتلكات التي استردها، فهؤلاء القديسون الأغنياء عاشوا كأنهم لا يملكون شيئًا، فكان سعيهم نحو أورشليم السمائية، وكم من أُناس أغنياء يعيشون حياة التقوى والتخلي، وكم من أُناس فقراء سقطوا في محبة المال ولا يعرفون للتقوى والقداسة طريقًا، فهناك أغنياء يعيشون في حرية تامة يستخدمون أموالهم في عمل الرحمة، وهناك فقراء جشعون مستعبدون للمال وهم لا يملكونه إنما يشتهونه ويعبدونه من بُعد.. وعندما طلب السيد المسيح من هذا الشاب أن يتخلى عن جميع ممتلكاته ويتبعه حاملًا الصليب فقد رسم طريق الكمال الذي يسلكه الإنسان برغبته وليس لزامًا عليه: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا" (مت 19: 21). وما فشل فيه هذا الشاب الغني مع أنه سمع الوصية من فم السيد المسيح تبارك اسمه، نجح فيه شاب آخر في صعيد مصر، حيث سمع ذات الوصية من فم شماس وأسرع بتنفيذها فاستحق أن يكون كوكب البرية وأب الرهبان ومؤسس الرهبنة، تلك الطغمة التي تسند الكنيسة بصلواتها.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1046) المسيح في الإسلام ص90.

(1047) أورده المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية - دراسات أبائية ولاهوتية ــ يناير 2001م ص5.

(1048) شبهات وهمية حول الكتاب المقدَّس ص300، 301.

(1049) تفسير الكتاب المقدَّس للمؤمن - العهد الجديد جـ 1 ص131، 132.

(1050) المسيح اللوغوس كلمة اللَّه ص114، 115.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/378.html