St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 371- في قصة من هو أعظم في ملكوت السموات لماذا نجد تباينات، فلوقا يذكر أنه مجرد فكر خطر على قلوبهم (لو 9: 46، 47)، بينما يقول مرقس أنهم تحاجوا في الطريق فيمن هو أعظم (مر 9: 33، 34)، أما متى فيذكر أن التلاميذ تقدموا وسألوا يسوع عمن هو أعظم في ملكوت السموات (مت 18: 1، 2)؟ وكيف للإنسان أن يرجع ويصير ولد (مت 18: 3)؟ وما معنى أن الإنسان عندما يقبل ولدًا بِاسم المسيح فأنه يعني قبول المسيح نفسه (مت 18: 5)؟

 

س371: في قصة من هو أعظم في ملكوت السموات لماذا نجد تباينات، فلوقا يذكر أنه مجرد فكر خطر على قلوبهم (لو 9: 46، 47)، بينما يقول مرقس أنهم تحاجوا في الطريق فيمن هو أعظم (مر 9: 33، 34)، أما متى فيذكر أن التلاميذ تقدموا وسألوا يسوع عمن هو أعظم في ملكوت السموات (مت 18: 1، 2)؟ وكيف للإنسان أن يرجع ويصير ولد (مت 18: 3)؟ وما معنى أن الإنسان عندما يقبل ولدًا بِاسم المسيح فأنه يعني قبول المسيح نفسه (مت 18: 5)؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ قلنا مرارًا وتكرارًا أن الأناجيل ولا سيما الثلاث الأول الأزائية تتكامل فيما بينها ولا تتناقض، فكل منهم رسم إنجيله على لوح شفاف وعندما توضع اللوحات فوق بعضها تظهر الصورة متكاملة بأجلى بيان، فأحد الإنجيليين يختصر الحدث والآخر يفيض فيه، أحدهم يركز على جانب والآخر على جانب آخر، ولذلك عند دراستتا لحدث إنجيلي لا يصح إغفال ما كُتب عن هذا الحدث في الأناجيل، فمثلًا في قصة: "مَنْ هُوَ أَعْظَمُ؟ " نجد القديس لوقا يذكر الحدث في بدايته عندما زرع عدو الخير زوانًا في قلوبهم وزيَّن العظمة الأرضية أمام أعينهم ظانين أن مُلك المسيح مُلك أرضي، فيذكر الحدث كفكر متغاضيًا عن تطوَّر الفكر إلى حوار وجدال: "وَدَاخَلَهُمْ فِكْرٌ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ فِيهِمْ. فَعَلِمَ يَسُوعُ فِكْرَ قَلْبِهِمْ وَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ" (لو 9: 46، 47). ومما ذكره القديس مرقس نعلم أن هذا الفكر الذي دخلهم قد تحوَّل إلى جدال ومحاججة، وعندما التقوا بمعلمهم العالِم بكل شيء سألهم: "بِمَاذَا كُنْتُمْ تَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الطَّرِيقِ. فَسَكَتُوا لأَنَّهُمْ تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ" (مر 9: 33، 34). وعندما نقرأ إنجيل متى نعلم أن التلاميذ احتكموا للسيد المسيح: "تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَدًا وَأَقَامَهُ.." (مت 18: 1، 2). إذًا من خلال الأناجيل نرى الصورة كيف تتحرك من بداية زرع عدو الخير لفكر العظمة في قلوب التلاميذ وهذا نجده في إنجيل لوقا، وتحوُّل الفكر إلى جدال ومجادلة وهذا نجده في إنجيل مرقس، واحتكام التلاميذ للسيد المسيح وهذا نجده في إنجيل متى، فما أبدع هذه الأمور الخفية التي لا يلمسها إلآَّ الذي فيه روح اللَّه؟!!

هذا من جانب، ومن جانب آخر لنا أن نتساءل: هل ذكر أي إنجيلي ما يتناقض مع ما ذكره الإنجيليين الآخرين؟! هذا لم يحدث، لا في هذا الحدث، ولا في أي حدث آخر. فعندما ذكر القديس لوقا أنه دخلهم فكر غريب لم ينفي هذا لا القديس مرقس ولا القديس متى، وعندما ذكر القديس مرقس أنهم تحاجُّوا في الطريق لم يُنفي هذا لا القديس متى ولا القديس لوقا، وعندما ذكر القديس متى سؤال التلاميذ للمسيح لم يُنفي هذا لا القديس مرقس ولا القديس لوقا.

ولعل الذي أشعل هذا الفكر داخلهم ظهور بطرس الرسول كثيرًا على الشاشة في أحداث متتالية، فقد طلب من السيد المسيح أن يأمره بأن يسير على الماء وفعلًا سار على الماء (مت 14: 19)، وقد سأل السيد المسيح عن تفسير المَثَل (مت 15: 15)، وأعلن إيمانه بلاهوت المسيح، وقد طوَّبه السيد المسيح على هذا (مت 16: 16 - 18)، وعلى جبل التجلي اقترح صنع ثلاث مظال (مت 17: 4)، وتحدث معه جامعوا الضرائب وأرسله الرب يسوع ليصطاد السمكة (مت 17: 24 - 27). ومن جانب آخر يرى يهوذا نفسه أحق بهذه الزعامة لأن معه الصندوق، وقد طلبت أم ابني زبدي يعقوب ويوحنا من السيد المسيح أن يقيم أحد أبنيها على اليمن والآخر على اليسار، وسمعان ويهوذا هم أقرب التلاميذ صلة بالمسيح.

 

2ــ في علاج السيد المسيح لهذه المشكلة لم يراجع تلاميذه في جدالهم حول من هو الأعظم؟ لم يلمهم ولم يوبخهم ولم يبكتهم، إنما تجاوز هذه الأزمة بدرس لن ينسونه طوال حياتهم، درس لهم ولجميع الأجيال، إذ أقام أمامهم ولدًا وقال لهم: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت 18: 3). لقد هدم السيد المسيح المقاييس البشرية القائمة، فلا الرومان ولا اليهود كانوا يولون اهتمامًا كافيًا بالأولاد الصغار. وبالطبع ليس المقصود أن التلاميذ أو غيرهم يرجعون لمرحلة الطفولة أو الصبوة كما ظن نيقوديموس وتساءل: "كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ. أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ" (يو 3: 4) وليس المقصود أن يماثل التلاميذ الأولاد في لعبهم مثل: "أَوْلاَدًا جَالِسِينَ فِي الأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ. وَيَقُولُونَ زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا" (مت 11: 16، 17)، وليس المقصود أن يكون التلاميذ قليلي المعرفة لأنه مكتوب: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ" (1 كو 14: 20)، وليس المقصود أن يكون الإنسان متقلب الرأي لأنه مكتوب: "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالًا مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ" (أف 4: 14)، وليس المقصود أن يماثل الإنسان الأطفال في العناد.

وإنما المقصود أن يعيش الإنسان حياة البساطة التي يعيشها الأطفال، فقد يختلفون وسريعًا ما يصفون، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فيقول "القديس أمبروسيوس": "إن كان الأطفال سرعان ما يتشاجرون معًا لكنهم أيضًا سرعان ما يعودون ليجتمعوا معًا بصداقة عظيمة، إذ هم لا يعرفون السلوك بمُكر وخداع"(1018)، كما يتميَّز الأطفال بحياة التواضع: "فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ" (مت 18: 4) فالأطفال لا يسعون نحو العظمة والكرامة، فتجد الطفل الغني يلعب ويلهو مع الطفل الفقير المُعدم، ولا يسعى الأطفال نحو المناصب العالية ولا يهتمون بالأمور العالية، ويعيش الأطفال حياة التسليم الكامل فلا يهتم الطفل بماذا يأكل أو يشرب أو يلبس، والطفل يرى أن أبيه مهما كان بسيطًا هو أعظم أب في الوجود كله، وأنه قادر على تلبية جميع رغباته، وإن سار معه في الزحام الشديد لا يهتم لئلا يتوه بل يمسك بيد أبيه يلهو ولا يعبأ بشيء، والأطفال بعيدون عن حياة المُكر والخُبث والدهاء يعيشون حياة الطاعة: "كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ" (1 بط 1: 14) وحياة التلمذة: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِـيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِه" (1 بط 2: 2).

ويقول "دكتور وليم إدي": "تَرْجِعُوا: أي تتغيَّروا حتى لا يبقى فيكم شيء من حُب الرئاسة وحُب الذات والكبرياء، والكلمة اليونانية المُترجمة بلفظ " تَرْجِعُوا" تشير إلى الاستمرار في إصلاح السيرة. أنه هيّن على الإنسان أن ينتقل من طائفة إلى أخرى، ولكن التغيُّر المُشار إليه هنا، أي العودة من الكبرياء إلى التواضع ومن الاهتمام بأمور هذا العالم إلى الاهتمام " بما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللَّه "صعب"(1019).

 

3ــ قال السيد المسيح: "وَمَنْ قَبِلَ وَلَدًا وَاحِدًا مِثْلَ هذَا بِاسْمِي فَقَدْ قَبِلَنِي" (مت 18: 5) أي إهتمامنا بإنسان بسيط يحتاج للمعرفة والحكمة والمودة أو بإنسان فقير يحتاج العطف والحنان والموآزرة بدافع محبتنا للمسيح الذي اهتم بنا ونحن خطاة وبذل ذاته عنا، فهذا يُحتسب محبة وخدمة مقدمة للمسيح ذاته كقوله أيضًا: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمُ الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي وَالَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (بو 13: 20)، وفي اليوم الأخير سنسمع صوت المسيح قائلًا: "لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي.. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ.. فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت 25: 35 - 40)، وقال بولس الرسول لأهل غلاطية: "وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا بَلْ كَمَلاَكٍ مِنَ اللَّه قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غل 4: 14).

ويقول "الأب متى المسكين": "قَبِلَ.. بمعنى استقبل أو عطف أو ساعد أو تبنى أو علم أو أطعم أو استمع إلى شكواه أو طلبه أو مرضه. وبالاختصار كل ما يمكن أن يُضحي به الإنسان ويبذل في سبيل راحة أو فرح أو شفاء ولد صغير من أجل اسمي، أي ليس بدافع المعونة الاجتماعية أو المساعدة للفقراء أو العطف الجسدي ولكن "من أجل اسمي". وهنا يختبئ سر المسيح، حيث يعتبر المسيح أن الولد المتواضع والطائع للمسيح يحمل المسيح، فأصبح أي عمل يُعمل لأي ولد واحد، كأنه يعمل للمسيح نفسه!" (1020).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1019) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ 1 شرح بشارة متى ص297.

(1020) تفسير الإنجيل بحسب القديس متى ص526.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/371.html