St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 367- هل تجلىَ السيد المسيح على جبل تابور أم على أحد قمم جبل حرمون؟ وهل تجلىَ نهارًا أم ليلًا؟ ولماذا خصَّ بطرس ويعقوب ويوحنا بهذا الحدث دون بقية التلاميذ؟ وهل تجلىَ بعد ستة أيام من حديثه عن كيفية تبعيته (مت 17: 1، مر 9: 1)، أم بعد ثمانية أيام (لو 9: 28)؟ وكيف عرف التلاميذ أن ذَلك الرجلين هما موسى وإيليا؟ وكيف انطلقت روح موسى من سجن الجحيم، وكيف عاد له جسده الذي بُلي وتحلّل؟ وهل كان بطرس لا يدري ماذا يقول (مر 9: 6)؟

 

س367: هل تجلىَ السيد المسيح على جبل تابور أم على أحد قمم جبل حرمون؟ وهل تجلىَ نهارًا أم ليلًا؟ ولماذا خصَّ بطرس ويعقوب ويوحنا بهذا الحدث دون بقية التلاميذ؟ وهل تجلىَ بعد ستة أيام من حديثه عن كيفية تبعيته (مت 17: 1، مر 9: 1)، أم بعد ثمانية أيام (لو 9: 28)؟ وكيف عرف التلاميذ أن ذَلك الرجلين هما موسى وإيليا؟ وكيف انطلقت روح موسى من سجن الجحيم، وكيف عاد له جسده الذي بُلي وتحلّل؟ وهل كان بطرس لا يدري ماذا يقول (مر 9: 6)؟ (راجع علاء أبو بكر - البهريز جـ2 س344 ص339، والسيد سلامة غنمي - التوراة والأناجيل بين التناقض والأساطير ص371).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ ذكر كل من القديسين متى ومرقس أن التجلي حدث على " جَبَل عَال" (مت 17: 1، مر 9: 1)، وذكر لوقا أنه حدث على " جَبَل"، ولم يذكر أي من الإنجيليين الثلاث اسم الجبل، ويوجد تقليد قديم يرجع للقرن الثاني الميلادي بأن التجلي حدث على جبل طابور، وهكذا جاء في صلوات "أمانة اللص" التي تُتلى في الجمعة العظيمة مخاطبة اللص اليمين: "لم تره متجليًا على طور طابور في مجد أبيه" وجبل تابور هذا في أرض الجليل في تخوم يساكر (يش 19: 12)، وقالت دبورة القاضية لباراق: "أَلَمْ يَأْمُرِ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: اِذْهَبْ وَازْحَفْ إِلَى جَبَلِ تَابُورَ وَخُذْ مَعَكَ عَشْرَةَ آلاَفِ رَجُل" (قض 4: 6)، وقال اللَّه: "حَيٌّ أَنَا يَقُولُ الْمَلِكُ رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ كَتَابُورٍ بَيْنَ الْجِبَالِ وَكَكَرْمَل عِنْدَ الْبَحْرِ يَأْتِي" (إر 46: 18)، وذكر هذا الجبل المؤرخ اليهودي يوسيفوس (جزء 5: 1: 22)، ويقع هذا الجبل على بُعد خمسة أميال ونصف جنوب شرقي الناصرة، واثني عشر ميلًا جنوب غربي بحيرة طبرية، وهذا الجبل يُمثل أحد الجبال الرائعة، وهو منفرد عن بقية جبال الجليل، ويبلغ ارتفاعه نحو 588 مترًا فوق مستوى سطح البحر المتوسط (راجع ويكيبيديا الموسوعة الحرة)، وتربة هذا الجبل خصبة حيث يرعى الرعاة قطعانهم من الأغنام، وأُقيمت قديمًا على هذا الجبل ثلاث كنائس صغيرة كقول بطرس الرسول للسيد المسيح نصنع ثلاث مظال، ودمرت هذه الكنائس وأُعيد بنائها عدة مرات، ثم أقام الآباء الفرنسيسكان سنة 1924م كنيسة كبيرة تحوي الكنائس الثلاث الصغار داخلها، وبها لوحة كبيرة من الفسيفساء عن حدث التجلي. وفي الطريق إلى الساحة أُقيم مكانًا صغيرًا للصلاة دُعي " وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ" ذكرى لقول الإنجيل: "وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلًا لاَ تُعْلِمُوا أَحَدًا بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (مت 17: 9).

 ولأن منطقة جبل تابور كانت عامرة بالسكان في القرن الأول الميلادي وكان على قمة الجبل قلعة رومانية حصينة، وأيضًا لأن السيد المسيح كان مع تلاميذه في قيصرية فيلبس، لذلك قال البعض أنه من الأرجح أن التجلي حدث على أحد قمم جبل حرمون (جبل الشيخ) الشامخ. فما يهمنا بالأكثر تجلي السيد المسيح أمام عدد قليل من تلاميذه ليكونوا شهود على ذلك، ليروا مجده، حتى متى ألقى الصليب بظلاله الثقيلة عليهم لا يشكون في ألوهيته. ويقول "الأب متى المسكين": "كانت رحلة المسيح مع تلاميذه الثلاثة إلى جبل حرمون، وهو المتاخم لقيصرية فيلبس، وحدوث التجلي الذي جازه المسيح واستعلان مجده بالعين الناظرة أمرًا مُذهلًا للتلاميذ، رفع معنوياتهم إلى القمة بعد زلة بطرس بسبب رعبته من فكرة موت المسيح. وهكذا انقلب اليأس الذي فيه إلى بأس أسد يحكي عن تجربته الإلهيَّة على جبل التجلي واثقًا من المجد الذي للمسيح" (1009).

 

2ــ صعد السيد المسيح إلى الجبل ليصلي كعادته، حيث كثيرًا ما كان يقضي الليل كله في الصلاة منفردًا، وفي هذه المرة اصطحب معه بطرس ويعقوب ويوحنا، وحدث التجلي ليلًا بدليل:

أ ــ قول الإنجيل: "وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ" (لو 9: 32)، فلو كان الوقت نهارًا ما تثقلوا جميعًا بالنوم.

ب - أمضوا الليل بالجبل: "وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي إِذْ نَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ" (لو 9: 37)، وخلال هذه الليلة التي أمضوها بالجبل حدث التجلي بينما كان يسوع يُصلي في هدوء الليل.

 

3ــ يتساءل البعض: لماذا ميَّز السيد المسيح بطرس ويعقوب ويوحنا عن بقية التلاميذ؟ ربما لأن حالتهم الروحية كانت متقدمة عن حالة أقرانهم من بقية التلاميذ، فعندما ذكر الإنجيل مرارًا وتكرارًا عن يوحنا أنه " التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ" لم يكن هذا تحيُّزًا من السيد المسيح ليوحنا، إنما كان إنعكاس لمحبة يوحنا العظيمة لسيده أكثر من أقرانه. وأيضًا هؤلاء هم الذين سيحفظون سر التجلي حتى القيامة من الأموات، وقد اصطحبهم السيد المسيح أيضًا في إقامة ابنة يايرس، وفي صلاة البستان، وهم عينة من التلاميذ شهود للأحداث، كان بينهم بطرس الذي يشير للإيمان فهو الذي اعترف الاعتراف الحسن بألوهية المسيح، وبينهم يعقوب الذي يشير للأعمال، ويوحنا المحبة، ولا غنى للمسيحي السالك في دروب الملكوت عن " الإيمان العامل بالمحبة".

وكان لا بد من وجود شهود للتجلي الذي احتوى رسالة عظيمة للبشرية " تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَة" (مت 18: 16)، ولربما تساءل أحد: ما ضرورة هذا الحدث؟

أ - أعلن السيد المسيح عن مجد ألوهيته حتى لا يهتز إيمان التلاميذ متى دخل في عاصفة الصلب ودوامة الموت.

ب- أعلن السيد المسيح الصلة القائمة بين العهدين القديم والجديد، فالشريعة ممثلة في موسى والأنبياء ممثلين في إيليا بمثابة تمهيد للعهد الجديد، والعهد الجديد مُكمّل وليس مناقضًا لهما.

جـ- أعلن السيد المسيح حقيقة القيامة العامة، فهوذا موسى لم يفنَ بعد موته، بل ظهر مع إيليا الذي صعد للسماء حيًّا.

د - أعلن السيد المسيح أننا في القيامة العامة سنلبس الأجساد النورانية: "وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ" (1 كو 15: 49)، ومع أننا سنلبس الأجساد النورانية إلاَّ أننا سنظل محتفظين بملامحنا، ونستطيع التعرف بعضنا على بعض.

 

4ــ كل من أقوال متى ومرقس صحيح أن التجلي حدث بعد ستة أيام (مت 17: 1، 9: 1)، وأيضًا قول لوقا أن التجلي حدث بعد نحو ثمانية أيام (لو 9: 28) صحيح أيضًا.. كيف؟ فقد احتسب كل من متى ومرقس الأيام الفاصلة بين اليوم الذي تحدث فيه السيد المسيح عن تبعيته وحمل الصليب، واليوم الذي حدث فيه التجلي، بينما احتسب لوقا المدة شاملة اليوم الذي تحدث فيه السيد المسيح عن تبعيته وأيضًا يوم التجلي، ولذلك قال " نحو" (لو 9: 28)، وإن كان رقم ستة يرمز لعمر الإنسان على الأرض وبعد ستة أيام يعاين الإنسان المؤمن أمجاد ربه، فإن رقم ثمانية يشير للحياة الأبدية، فاستخدم متى ومرقس رقم " 6 " واستخدم لوقا رقم " 8 " في تكامل عجيب.

 

5ــ كيف عرف التلاميذ موسى وإيليا؟ سمع التلاميذ الثلاث الرب يسوع وهو يتحدث مع موسى وإيليا " وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ" (مت 17: 3) فأدركوا أنهم أمام موسى رئيس الأنبياء وإيليا النبي الناري، وقد ظهر إيليا بجسده الذي صعد به إلى السماء، ومنح اللَّه موسى جسدًا مؤقتًا مرئيًا ليبصره التلاميذ، وكل منهما إنعكس عليهما مجد المسيح المتجلي: "اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ" (لو 9: 31). وقبل الفداء الإلهي على الصليب كانت جميع أرواح البشر منذ آدم وبلا استثناء، أشرار وأبرار، في سجن الجحيم تحت سلطة الشيطان، لأن الخطية سكنت الإنسان فأصبح الإنسان مبيعًا للشيطان من قبَل الخطية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. ومع هذا فإن الشيطان ملك الجحيم كان داخل دائرة الضبط الإلهي، فليس من العسير أن يستدعي الإله المتجسد روح موسى من سجن الجحيم عدة ساعات، فقد اشتهى موسى أن يدخل أرض الموعد ولم يدخلها في حياته، فلبى اللَّه له اشتياقه بعد موته، فجاء إلى أرض الموعد ورأى إلهه الذي ظهر له على جبل سيناء متجليًا على جبل تابور، ليس في ثورة الطبيعة بل في هدوء الليل. ولا يفوت علينا أن استدعاء موسى من سجن الجحيم ليس حالة فريدة، إنما جميع الذين أقامهم الرب يسوع من بعد موتهم والذين سجلت الأناجيل لنا منهم ثلاث حالات فقط، هؤلاء كانت أرواحهم قد سكنت سجن الجحيم والإله المتجسّد استدعاها بسلطان لاهوته.

 

6ــ في هذا المشهد العجيب اجتمعت الكنيسة بعهديها القديم والجديد، فموسى يمثل شريعة العهد القديم وإيليا يمثل أنبياء العهد القديم، والتلاميذ الثلاث يمثلون كنيسة العهد الجديد، ومن المُلاحظ أن موسى وإيليا صام كل منهما أربعين يومًا وهكذا صام السيد المسيح أربعين يومًا. وإن كانت الرهبة قد منعت التلاميذ من الحديث لكن بطرس كعادته تكلم وهو لا يعرف ماذا يقول: "لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ" (مر 9: 6)، فعندما رأى بطرس أن موسى وإيليا مزمعان أن ينصرفا، وهو يريد أن يبقيا في هذا المشهد الرهيب نطق بما نطق به: "وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ يَا مُعَلِّمُ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً. وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ" (لو 9: 33). لكن لك يا صديقي أن تُلاحظ إتضاع بطرس الذي لم يطلب مظلة لنفسه.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1009) الإنجيل بحسب القديس متى ص499.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/367.html