St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 346- لماذا كلم السيد المسيح الشعب بأمثال وميَّز تلاميذه بالتفسير (مت 12: 10، 11)؟ وهل قصد السيد المسيح من هذه الأمثال أن يخفي تعاليمه عن الأشرار؟

 

س346: لماذا كلم السيد المسيح الشعب بأمثال وميَّز تلاميذه بالتفسير (مت 12: 10، 11)؟ وهل قصد السيد المسيح من هذه الأمثال أن يخفي تعاليمه عن الأشرار؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ أمضى السيد المسيح سنتين من الكرازة بين الجليل واليهودية، وعندما رفض البعض تعاليمه وازدادت مقاومة الكتبة والفريسيين له بدأ يعلّمهم بأمثال حتى تعجّب التلاميذ وسألوه: "لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ.. مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَال لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ" (مت 13: 10 - 14)، فهناك معرفة الخير والشر هذه أُعطيت للشعب كله، أما معرفة أسرار الملكوت فاقتصرت على التلاميذ، وهذا ليس تحيُّز من اللَّه، إنما الأمر يتوقف على الاستعداد الروحي، وهؤلاء التلاميذ قد أحبوا المسيح أكثر من ذويهم فتركوا أسرهم وبيوتهم وأعمالهم وكل شيء وتبعوا المسيح، وهم أيضًا يمثلون أساسات كنيسة العهد الجديد، ولهذا أعطاهم اللَّه أن يدركوا أسرار الملكوت، وقال عنهم السيد المسيح: "أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ" (لو 10: 21).

ودارت الأمثال السبعة في هذا الأصحاح حول ملكوت السموات فأدركها البسطاء البعيدين عن روح العناد والمكابرة وفرحوا بها، فعندما واجه السيد المسيح انتقادات شديدة من الكتبة والفريسيين ورؤساء المجامع وظهر كأنه لا يوجد ثمر لخدمته الجبارة، بدأ يتسلَّل الإحباط إلى التلاميذ، فضرب لهم مَثَل الزارع وفسَّره لهم ليدركوا أنه إن كانت هناك نفوس كالطريق مباحة للجميع، وإن كانت هناك قلوب وعقول متحجرة، وإن كانت هناك أشواك تنمو وتخنق الكلمة، لكن بجوار كل هذا هناك أرض جيدة استقبلت كلمة اللَّه بفرح وأثمرت لحساب الملكوت ثلاثين وستين ومئة، فلا يجب الإستسلام لليأس والإحباط والكف عن الخدمة، لأن هذا سيحرم الأرض الجيدة من البذار، فمَثَل الزارع يمثل ضربة قوية ضد الفشل واليأس، وهو يشجع العاملين في مجال خدمة الكلمة، وهكذا بقية الأمثال السبعة، فالمَثَل الثاني الخاص بالزوان يوضح محاولات الشيطان في زرع الزوان وسط الحنطة، والمَثَل الثالث الخاص بحبة الخردل وكذلك الرابع الخاص بالخميرة يوضحان انتشار ملكوت السموات، والمَثَل الخامس الخاص بالكنز المخفي وكذلك السادس الخاص بتاجر اللآلئ يظهران عظمة الملكوت، والمَثَل السابع الخاص بالشبكة المطروحة في البحر تشير إلى فصل الصالحين عن الأردياء، فالملكوت للأبرار فقط.

 

2ــ لم يقصد السيد المسيح من الأمثال أن يخفي الحقيقة عن أحد، ولم يقصد أن يقدم رسالته بطريقة لا يستطيع السامعون أن يدركوها، فمثلًا عندما ضرب مَثَل الكرامين الأردياء أدرك الكتبة والفريسين أن هذا المَثَل ينطبق عليهم وأن الكرم سيُنزع منهم: "فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا حَاشَا" (لو 20: 16). وجميع الأمثال التي ضربها السيد المسيح من واقع البيئة والطبيعة، وأحيانًا كان يُسبق المَثَل أو يختمه بآية توضح الهدف منه، فمثلًا في مَثَل الفريسي والعشار (لو 18: 10 - 14) سبقه بالقول: "وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ" (لو 18: 9)، وفي مَثَل العشر عذارى (مت 25: 1 - 12) ختمه بقوله: "فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلاَ السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ" (مت 25: 13)، وكذلك مَثَل العبدين (مت 18: 23 - 34) ختمه بقوله: "فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِه" (مت 18: 35).

وقد قصد السيد المسيح من الأمثال أن لا يُلقي الدرر أمام من لا يستحقون، ويقدم الحق لمن يقبله ويسعى إليه، فمثل هذا الإنسان الأمين المُخلص المُجد والمُجتهد يدرك المعنى والمغزى، فيفهم ويعمل، أما الناس المعاندون المتكبرون الذين أصيبوا بالبلادة الروحية فتُخفى عنهم أبسط المبادئ الروحية، لأنهم مبصرين لا يبصرون، وسامعين لا يسمعون، رفضوا النور فأسلمهم اللَّه إلى ذهن مرفوض وأغلق عليهم في الظلمة فلا يعاينون النور.. صدقوا الكذب وسلكوا بالخداع، وسخروا بنعمة اللَّه فحجب اللَّه نعمته عنهم. ويقول "القمص تادرس يعقوب": "وبحديثه خلال الأمثال لا يُلقي السيد بمقدساته للجميع لئلا يحتقرها غير راغبي الحق ويدوسونها بأقدامهم" (915).

 

3ــ لم يضرب السيد المسيح أمثالًا غير عملية، كالتي تتكلم فيها الحيوانات العجماوات، أو التي تحوي أساطير وخرافات. وعن "المَثَل" يقول "القس سمعان كلهون" أنه: "لغة من الشبَّه والنظير والصفة "، واصطلاحًا: قول سائر يشبَّه به حال الثاني بالأول "، وقيل: "قصة وهمية يُقصد بها إيضاح حقائق سامية بواسطة القياس"، ويجتمع في المَثَل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام:

إيجاز اللفظ، واصابة المعنى، وحُسن التشبيه، وجودة الكناية، وأما أمثال المسيح فهيَ تشبيهات وتمثيلات مأخوذة من الطبيعة أو من الأمور اليومية، لإيضاح حقائق روحية ولا سيما طبيعة ملكوت اللَّه. وكان من عادة العبرانيين وغيرهم من الشرقيين استعمال الأمثال في تعليمهم، كما هو جارٍ عند العرب إلى يومنا هذا. فالأنبياء كناثان وإشعياء، والحكماء كسليمان وغيره قدموا بعض حقائق تعاليمهم بصورة الأمثال (2 صم 12: 1 - 7، جا 9: 14 - 16، إش 5: 1 - 7) وقيل عن سليمان أنه نطق بثلاثة آلاف مثل (1 مل 4: 32)، فلا عجب أن المسيح اختار هذه الطريقة لتعليمه" (916).

ويقول "الأب متى المسكين": "ونسأل أولًا: ما هو المَثَل؟ والرد هو أن المسيح جعل معلومتين متماثلتين بجوار بعضهما، وبدأ يقارن بينهما بقصد شرح الواحد الغامض بالآخر الواضح، والواضح أرضي والثاني سمائي روحي، أو واحد منظور ومعروف جيدًا والآخر غير منظور ومطلوب أن نعرفه. فلو تأملنا السبعة أمثال للملكوت هنا نجد أن المسيح استشهد بأمور بسيطة نراها كل يوم أيام أعيننا، وانطلق بها ليشرح ملكوت السموات، كمَثَل الزارع وهو يزرع، وامرأة تخمّر العجين، وكنز وُجِد في حقل، وصيَّاد يُلقي شبكة، وهكذا.

ولكن لماذا المَثَل؟

هل كما يظن بعض الشرَّاح أنه لإخفاء الحقيقة عن الآخرين؟ مع أن الحقيقة هيَ أن المَثَل يحاول أن يشرح ويوضح القصد من ملكوت اللَّه، ليساعد السامع على الفهم وليس ليُخفي عنه الحقيقة. لأن إخفاء الحقيقة ليس من عمل المسيح على الإطلاق ومهما كان السبب. فالمَثَل في شكله الظاهري كالنظارة السوداء التي نلبسها لكي نرى الشمس، فهيَ سوداء ليس لإخفاء الشمس بل لإظهارها أكثر" (917).

 

4ــ من فوائد استخدام الأمثال في التعليم:

أ - يجعل المَثَل الحق ملموسًا مرئيًا، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. فمثلًا عوض الحديث عن الصلاح نضرب مثلًا برجل صالح معروف، فيصل المعنى بأكثر وضوح، فالأمثال تعتبر تجسيد للحقائق العظيمة.

ب - عن طريق الأمثال ينزل المعلم إلى مستوى المبتدئين وينقلهم إلى مستوى أعلى، فيبدأ المَثَل بأمور معروفة لدى الجميع، ويقود الإنسان إلى حقائق لا يعرفها، وقد بدأ السيد المسيح خدمته بالتعاليم مثل الموعظة على الجبل، ثم استخدم الأمثال في خدمته، ومن المُلاحظ أن التعاليم تختص بالزمن الحاضر، وكيف يسلك بنو الملكوت في هذا العالم، أما الأمثال فاستخدمها السيد المسيح بالأكثر للتعبير عن أمور مستقبلية. ويقول "متى هنري": "يعبّر المَثَل أحيانًا عن أقوال حكيمة مأثورة بقصد التعليم. أما في الأناجيل فأنه بصفة عامة يعبّر عن تشبيه أو مقارنة بقصد توضيح بعض الحقائق الروحية السماوية بعبارات مستقاة من الأمور العالمية. كانت طريقة التعليم هذه كثيرة الاستعمال لا بواسطة معلمي اليهود فحسب بل أيضًا بواسطة العرب وسائر حكماء المشرق. وكانت نافعة جدًا لأنها كانت مقبولة، استعملها مخلصنا كثيرًا، ونزل بها إلى مستوى تفكير الشعب وقوة إدراكهم" (918).

جـ - تجذب الأمثال، مثلها مثل القصص، الأنظار وتثير الإنتباه، وتطرح تساؤلات تحتاج لإجابات، فيكتشف الإنسان الحقائق بنفسه، وقال أحد الحكماء: "أنك لا تستطيع أن تذكر الحق للناس، بل عليك أن تضعهم في موقف يمكنهم أن يكتشفوه بأنفسهم، لأن الإنسان ما لم يكتشف الحق بنفسه لا يصير الحق راسخًا في ذهنه وقلبه، بل يكون مجرد معلومات منقولة، قد ننساها وقد نفقد إيماننا بها" (919). ويرى البعض أن الأمثال أسهل من القصة الرمزية، لأن المَثَل يركز على فكرة رئيسية واحدة، بينما كل عبارة في القصص الرمزية لها مغزى ومعنى.

د - نطق السيد المسيح بالأمثال، والنطق يتميَّز عن الأمور المكتوبة، لأن الناطق يوضح ويبرز معاني معينة، فالمستمع يدرك معاني الكلمات عند سماعها أكثر مما لو قرأها.

هـ - في الأمثال تَخِفْ حدة التوبيخ، فمثلًا في مَثَل الكرامين الأردياء جعلهم يصدرون الحكم بأنفسهم: "قَالُوا لَهُ أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاَكًا رَدِيًّا وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا" (مت 21: 41). ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "إذ لم يُرد أن يوبخهم بعنف (مباشرة) حتى لا يسقطوا في اليأس" (920).

وفي تفسير الأمثال ركز بعض الآباء على المعنى الرئيسي الجوهري من المَثَل حتى أن "القديس يوحنا الذهبي الفم" قال: "لا تتعبوا لأجل الباقي" (921). بينما اهتم بعض الآباء الآخرين مثل العلامة أوريجانوس والقديس أغسطينوس بكل جوانب المَثَل وجميع تفصيلاته.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(915) تفسير إنجيل متى ص302.

(916) إتفاق البشيرين ص216، 217.

(917) الإنجيل بحسب القديس متى ص421.

(918) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 1 ص430.

(919) أورده وليم باركلي - تفسير العهد الجديد جـ 1 ص266.

(920) تفسير إنجيل متى ص302.

(921) أورده القس سمعان كلهون - إتفاق البشيرين ص224.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/346.html