St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 332- كيف يقول السيد المسيح: "جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ" (مت 11: 18) بينما جاء في موضع آخر: "وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلًا بَرِّيًّا" (مت 3: 4) (وأيضًا مر 1: 6)؟ وكيف كان السيد المسيح وهو الإله المتجسّد: "إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْـرٍ" (مت 11: 19)؟ وما معنى قوله: "وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا" (مت 11: 19)؟

 

س332: كيف يقول السيد المسيح: "جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ" (مت 11: 18) بينما جاء في موضع آخر: "وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَادًا وَعَسَلًا بَرِّيًّا" (مت 3: 4) (وأيضًا مر 1: 6)؟ وكيف كان السيد المسيح وهو الإله المتجسّد: "إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْـرٍ" (مت 11: 19)؟ وما معنى قوله: "وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا" (مت 11: 19)؟ (راجع علاء أبو بكر جـ2 س212 ص188، س317 ص293).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ لا يوجد إنسان لا يأكل ولا يشرب ويعيش، وعندما قال السيد المسيح: "جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ"، قصد أنه لم يأكل الأطعمة المختلفة التي يأكلها الناس، ولم يبحث عما لذ وطاب، إنما كان إنسانًا ناسكًا زاهدًا متقشفًا، طعامه من الجراد والعسل البري، ولباسه من وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقوية، لم يعتاد الثياب الفاخرة الناعمة، يعيش منعزلًا في البراري، ولا يختلط بالناس، وجاء يبشر بملكوت السموات ويكرز بمن سيأتي بعده أي السيد المسيح، وبالرغم من أن أعدادًا ليست بقليلة خرجت إليه واعتمدت منه معمودية التوبة، إلاَّ أن الأكثرية رفضته، بل إدَّعوا أن به شيطان، لأن الشيطان لا يأكل ولا يشرب ويعيش في البراري.

وجاء السيد المسيح بعد يوحنا بستة أشهر يكرز ببشارة الملكوت، يتباسط مع الناس، ويدخل بيوتهم، ويلتقي مع الخطاة والعشارين، ويأكل مع الآخرين، فإذ بالذين رفضوا يوحنا يرفضون أيضًا السيد المسيح، ولم يرفضوه فقط، بل إدَّعوا عليه كذبًا أنه " إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ" (مت 11: 19) وهيَ تهمة باطلة، فلم يكن السيد المسيح يومًا مفرطًا في تناول الطعام، ولم يكن يومًا مدمنًا للخمر، ولم يسعى قط نحو المآدب والولائم، بل عندما اهتمت مرثا أكثر من اللازم بالطعام قال لها: "مَرْثَا مَرْثَا أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ. وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو 10: 41، 42) والحقيقة أنهم لم يكتفوا بهذا بل قالوا عن السيد المسيح: "أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو 8: 48).. " بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِيــنِ يُخْـرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لو 11: 15).. " تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ" (مت 27: 63).. أن هذا الجيل الشرير الذي لم يستفد من وجود يوحنا المعمدان والسيد المسيح الإله المتجسد في وسطهم، فقدوا أبديتهم وصارت دينونتهم أعظم لرفضهم بشارة الملكوت.. عجبًا لهذا الجيل!!

 

2ــ قد شبَّه السيد المسيح هؤلاء النُقَّاد من الكتبة والفريسيين بأولاد يلعبون في السوق، مع أن السوق للتجار والبيع والشراء وليس للعب والتسلية، والتشبيه مستمد من البيئة حيث يحاول الأطفال تقليد الكبار في تصرفاتهم إزاء مواقف معينة مثل الأفراح والأحزان والحروب، وأظهر المثل أن هؤلاء الأولاد غير ناضجين في أفكارهم ولا منطقيين في ألعابهم، قسَّموا أنفسهم فريقين، وقام الفريق الأول بتمثيل مشهد من مشاهد الفرح وزمروا بآلاتهم البدائية على أمل أن يبتهج الفريق الآخر ويفرح ويرقص، ولكنهم فوجئوا بعدم مبالاة رهيبة جعلتهم يكفوا عن تمثيل هذا المشهد، وانقلبوا للنقيض إذ قاموا بتمثيل مشهد من مشاهد الحزن والموت وأخذوا يبكون وينوحون، على أمل أن الفريق الثاني يُظهِر حزنه وإنفعالاته ويلطم الخدود، ولكنه صدموا بعدم مبالاة هذا الفريق الآخر أيضًا، وكأنهم صم لا يسمعون وعمي لا يبصرون، وهكذا كانت عقلية الكتبة والفريسيين في رفضهم للمعمدان وللمسيح، جاء يوحنا متقشفًا ناسكًا زاهدًا بروح إيليا النبي الناري فقالوا به شيطان، وجاءهم ابن الإنسان المنفتح على الجميع، وتلاميذه لا يصومون، فلم يرق لهم أيضًا، بل قالوا أنه " إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْر"، منتقدين محبته للجميع قائلين أنه " مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ، فهم لم يتجاوبوا مع رسالة يوحنا التي اتسمت بروح التوبة والندم والحزن، ولا تجاوبوا مع رسالة السيد المسيح التي اتسمت بروح الفرح وحضور الملكوت.. لم يهتزوا أمام ناسك البرية المتوحد الذي لا يخالط أحدًا، ولم تأثرهم محبة المسيح ووده وعطفه وشفقته.. لم يتأثروا من صرامة المعمدان وأقواله الصعبة: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي.. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت 3: 7، 10) ولم تأثرهم دعوة المسيح: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28).

 

3ــ ظن هؤلاء الكتبة والفريسيون أنهم علماء ومتفقهين في أمور الدين، وأنهم أبناء الحكمة، ولكن برفضهم يوحنا المعمدان والسيد المسيح أثبتوا أنهم ليسوا أبناء الحكمة، فالحكمة هيَ كلمة اللَّه ووصاياه، والذين يطيعون الكلمة هم أبناء الحكمة، أما الذين رفضوها من الكتبة والفريسيين والصدوقيين والناموسيين، فقد أبعدوا أنفسهم عن وصايا اللَّه ونواميسه وأحكامه. أن كلمة اللَّه قد تبرّرت منهم. والعجيب ليس في الحكمة ولكن في هؤلاء الذين لم يسلكوا بروح الحكمة، رفضوا يوحنا المعمدان " السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ" (يو 5: 35)، ولم يقبلوا السيد المسيح " النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ" (يو 1: 9).. فماذا تبقى لهم؟!! لم يتبقَ لهم غير الجهل وعدم المعرفة التي قادتهم للهلاك. هؤلاء ظنوا في أنفسهم أنهم حكماء وأنهم أبناء الحكمة، وهم في حقيقتهم غرباء تمامًا عن أقنوم الحكمة " الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو 2: 3). لأنهم رفضوا دعوته، فالحكمة تبرَّرت منهم، في الوقت الذي سبقهم للملكوت الخطاة والعشارين والبسطاء من عامة الناس: "وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللَّه مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا" (لو 7: 29) ومعنى " بَرَّرُوا اللَّه" أي اعترفوا أن اللَّه هو البار الذي لا يخطئ في أحكامه، وأنهم هم الخطاة الذين يستحقون الهلاك، ولذلك أسرعوا بالتوبة ونالوا المعمودية على يد المعمدان، وقبلوا السيد المسيح فتبدَّلت حياتهم وصاروا قديسين.

وأوضح هامش الترجمة البيروتية أن عبارة: "مِنْ بَنِيهَا" قُرئت: "من أعمالها" وهو ما أخذت به ترجمة كتاب الحياة: "ولكن تختبر الحكمة بأعمالها"، فالحكمة هيَ التدبير الإلهي الذي دبر إرسال يوحنا المعمدان، وتجسُّد السيد المسيح في زمن واحد، وجاء في "الكتاب المقدَّس الدراسي": "تختبر الحكمة بأعمالها من الواضح أن العبارة تعني أن اللَّه (الحكمة) وقد أرسل كلا من يوحنا والرب يسوع للقيام بمهام محددة، وستثبت صحة مهامها من خلال أعمالها التي تدوم أثارها" (860).

ويقول "دكتور وليم إدي": "وترجمة أخرى تقول: والحكمة تبرَّرت بأعمالها، أي لا شيء يحقَّق الحكمة ويبرَّرها إلاَّ بتطبيقها على الحياة والسلوك. فإذا لام الفريسيون يسوع لاختلاطه بالعشارين والخطاة فإن لومهم في غير محله لأن غرض يسوع هو الخلاص لجميع الناس، لذلك فإن الحكمة في تصرفه تحقَّقت بأن أظهر هذا الحب العظيم المسيحي حتى لأشقى الناس" (861).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(860) الكتاب المقدَّس الدراسي ص2280.

(861) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل جـ1 شرح بشارة متى ص173.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/332.html