St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 328- هل بعد أن عمَّد يوحنا المعمدان يسوع المسيح وشهد شهادة السماء له (مت 3: 16، 17)، وشهد أنه حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29) عاد وشك في هوية المسيح حتى أنه أرسل اثنين من تلاميذه يسأله: "أَنْتَ هُـوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ" (مت 11: 3)؟ وإن كان يوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء وأعظم من نبي شك في هوية المسيح فما بالك ببقية الأنبياء؟ وأي إله هذا الذي لا يعرفه أنبياؤه؟

 

س328: هل بعد أن عمَّد يوحنا المعمدان يسوع المسيح وشهد شهادة السماء له (مت 3: 16، 17)، وشهد أنه حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم (يو 1: 29) عاد وشك في هوية المسيح حتى أنه أرسل اثنين من تلاميذه يسأله: "أَنْتَ هُـوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ" (مت 11: 3)؟ وإن كان يوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء وأعظم من نبي شك في هوية المسيح فما بالك ببقية الأنبياء؟ وأي إله هذا الذي لا يعرفه أنبياؤه؟ (راجع علاء أبو بكر - البهريز جـ1 س99 ص81، جـ2 س420 ص407، جـ3 س455 ص267، جـ4 س172 ص133، س308 ص348، 349، جـ5 س69، ونبيل نيقولا جورج - الأناجيل الأربعة لماذا لا يُعوَل عليها ص137، 138).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: لك يا صديقي أن تلاحظ مدى ولع علاء أبو بكر بإعادة السؤال مرارًا وتكرارًا في مواضع مختلفة، فكرَّر هذا السؤال ست مرات إن لم يكن أكثر، وبعض الأسئلة كرَّرها عشر مرات.. فكل هدفه هو المبالغة في عدد الأسئلة المطروحة.

 

لقد عرف يوحنا المعمدان السيد المسيح معرفة يقينية وكشف له الروح القدس عن هويته، فلم يهتز إيمانه به، وما أكثر الأدلة على ذلك:

1ــ عندما كان يوحنا جنينًا في بطن أمه أليصابات، وزارت العذراء مريم أليصابات قالت أليصابات لها: "فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو 1: 44).

 

2ــ كان يوحنا المعمدان هو الملاك المُرسَل من اللَّه ليمهّد الطريق أمام المسيح: "هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (مر 1: 2).. لقد جاء هذا الملاك الأرضي ليشهد لسيده: "هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِه" (يو 1: 7).

 

3ــ عندما جاء يسوع ليعتمد من يوحنا عرفه يوحنا، وحاول أن يستعفي من عماده: "وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْــكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ" (مت 3: 14).

 

4ــ عند معمودية السيد المسيح شاهد يوحنا السماء وقد انشقت، وروح اللَّه نزل من السماء وحلَّ على المسيح على شكل حمامة، كما سمع صوت الآب السمائي: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (يو 3: 17)، وقال يوحنا المعمدان: "وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللَّه" (يو 1: 33، 34).

 

5ــ شهادات يوحنا المتكرّرة للسيد المسيح:

أ - عندما أرسل اليهود كهنة ولاويين يسألون يوحنا عما إذا كان هو المسيح قال: "لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ.. وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَه" (يو 1: 20 - 26).

ب - " وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ فَقَالَ هُوَذَا حَمَلُ اللَّه الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو 1: 29، 30).

جـ - شهد يوحنا للسيد المسيح بأنه سيعمد بالروح القدس: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت 3: 11).. " فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (يو 1: 33).

د - كان يوحنا واقفًا بين اثنين من تلاميذه منهما أندراوس: "فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا فَقَالَ هُوَذَا حَمَلُ اللَّه. فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ فَتَبِعَا يَسُوعَ" (يو 1: 36).

هـ - عندما جاء تلاميذ يوحنا وأخبروه بأن يسوع يعمد، فقال لهم: "أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ. مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ" (يو 3: 28، 29).

 

6ــ شهادة السيد المسيح القوية ليوحنا المعمدان: "مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا. أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ.. أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً.. أَنَبِيًّا. نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ. فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت 11: 7 - 11).

والقصب نبات أسطواني مجوَّف ينبت على شواطئ نهر الأردن، وهو يهتز بحركة الريح، أما يوحنا المعمدان فلم يكن قط شخصية مهزوزة تحركها الرياح. فلا المديح يقوده للغرور ولا الذم يقهره، لا النجاح مبعث سروره ولا المحنة تقوى على تحطيمه، أنه ثابت على المبدأ. إذًا إيمان يوحنا المعمدان بالسيد المسيح هو إيمان ثابت كالجبل، وعندما قبض الملك هيرودس على يوحنا أودعه سجن قلعة ماخيروس شرق البحر الميت بنحو خمسة أميال، وكانت القلعة تُستخدم كقصر للملك هيرودس، وكم كان السجن قاسيًا جدًا على نفس يوحنا الذي تربى في البراري حيث السموات المفتوحة بعيدًا عن الأسوار، فإذ به في سجن كريه بين أربعة جدران، وبالرغم من أن يوحنا كان قد وبخ هيرودس بسبب زواجه من هيروديا زوجة أخيه فيلبس وهو على قيد الحياة، إلاَّ أن هيرودس كان يعرف مهابة يوحنا ومحبة الشعب له كنبي عظيم، فسمح لتلاميذه بزيارته في السجن. وطال إنتظار تلاميذ يوحنا على استعلان ملكوت المسيح كما تصوَّروه ملكوتًا أرضيًا. انتظروه أن يحمل رفشه في يده وينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخازن ويحرق التبن بالنار كما أخبرهم معلمهم يوحنا عنه، وإذ به يأتي وديعًا متواضعًا، مُحبًا للخطاة، يأكل مع العشارين، ويصفح عن الزناة وينادي بمحبة الأعداء، فكيف سيحرّر البلاد وينقذ معلمهم من بطش هيرودس، وبدأ الشك يدب في قلوبهم، ولاحظ معلمهم هذا من خلال أسئلتهم: أين هو يسوع؟ لماذا لم يتدخل بقوته لينقذ معلمهم، ولماذا لم يزره في سجنه، وكان تلاميذ يوحنا يتحزبون لمعلمهم، حتى بدأ وكأنهم يرفضون الاعتراف بيسوع المسيا، وقد جاءوا ليسوع من قبل يسألونه أو يحتجون عليه: "لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ" (مت 9: 14).

وقد لاحظ المعمدان كل هذا، وهو يدرك أن رسالته قد انتهت ووقت إنحلاله قد اقترب، وهو كأستاذ ماهر أراد أن يرتقي بتلاميذه، فلم يشأ أن يكلمهم عن يسوع المسيح المسيا ابن اللَّه، إنما أرسل اثنين إليه يسألانه: "أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ" (مت 11: 3). من جهته هو لم يكن محتاجًا لإجابة لأنه يعرف يقينًا من هو يسوع، ولكنه أرسلهما إلى يسوع وهو واثق أنهما سيعودان بروح جديد، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وإلتقى التلميذان بيسوع وسألانه، والأمر العجيب أنه لم يجبهم لا بالإيجاب، ولا بالنفي، إنما: "قَالَ لَهُمَا اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ. اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" (مت 11: 4، 5)، ولا بد أن هذين التلميذين سعيدا الحظ قد رأيا ما لم يروه من قبل، فاندهشوا وتعجبوا مع الجموع: "فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللَّه" (مت 9: 8).. " فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ" (مت 9: 33). فالرسالة التي أرسلها السيد المسيح ليوحنا " اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا.." هيَ في حقيقتها لتلاميذ يوحنا وليست ليوحنا، وعندما قال الرب يسوع: "وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" كان توبيخًا لطيفًا لهما دون أن يجرح مشاعرهما، فعمَّم القول ولم يخصهما به.

ويقول "القمص تادرس يعقوب": "لقد أدرك القديس يوحنا المعمدان أن انتقاله قد اقترب جدًا، وأن رسالته أوشكت أن تنتهي تمامًا، فبعث باثنين من تلاميذه للسيد يسألانه ليس عن تشكك في أمره وإنما ليقدم لتلميذيه الفرصة أن يلمسا بنفسيهما عمل السيد المسيح ويتعلقا به. فينجذبا إليه ويجذبا بقية أخوتهم تلاميذ يوحنا ليسيروا وراءه. لا يمكن للقديس يوحنا أن يشك فيه.." (845).

ويقول "القديس كيرلس الكبير" عن يوحنا: "تظاهر عمدًا بالجهل لا ليتعلم فقد كان واقفًا على أسرار التجسد، وإنما تجاهل ليحدّث تلاميذه عن تفوق السيد عليه ويقنعهم بما ورد في الكتاب المقدَّس أنه هو اللَّه قد آتى متجسدًا وأن جميع الناس خدام له يمهدون الطريق لقدومه كقول المُرتل: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ ".." (846).

ويقول "القديس أغسطينوس": "وإذ اقترب موت يوحنا أراد تثبيتهم في الإيمان بالمسيح نفسه.. فقال لتلميذين منهم: "اذهبا وأسألاه ".. لا لأنني أشك فيه، وإنما لأجل تعليمكما. اذهبا وأسألاه، اسمعوا منه ما أخبرتكما به عنه، لقد سمعتما مني أنا الرسول، فلتثبّتا ما سمعتماه مني بواسطة الديان.." (847).

ويقول "مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي": "إن المسيح لعلمه أن الأعمال لهيَ أكثر تأثيرًا وأصدق شاهدًا من الأقوال، لذلك صنع العجائب ليزيل الخلاف الواقع بين تلاميذ يوحنا، لا ليقنع يوحنا أنه هو المسيح، لأن يوحنا كان يعلم من الروح القدس وهو في بطن أمه، وكان يعرف أنه مزمع أن يُقتَل، وكان يريد تثبيت تلاميذه في الإيمان بالمسيح أنه المخلص وأنه تظاهر بعدم معرفته إياه. أما المسيح كإله علم ما في قلبهما فلم يرد عليهما جوابًا لكنه صنع أمامهما قوات كثيرة وقال اذهبا وأعلما يوحنا" (848).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(845) تفسير إنجيل متى ص248.

(846) المرجع السابق ص248.

(847) المرجع السابق متى ص248، 249.

(848) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ص265.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/328.html