St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 299- لماذا صدَّ السيد المسيح الكاتب الذي قال له أتبعك أينما تمضي: "وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت 8: 20)؟ وهل عندما قال السيد المسيح لشخص آخر من تلاميذه: "وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" (مت 8: 22) شتم بهذا أهل الميت، وكان فظًا في قوله هذا؟ وهل تصرفه هذا، سواء كان يعلم بموت الأب أو لم يعلم، ينفي عنه الألوهية؟

 

س299: لماذا صدَّ السيد المسيح الكاتب الذي قال له أتبعك أينما تمضي: "وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت 8: 20)؟ وهل عندما قال السيد المسيح لشخص آخر من تلاميذه: "وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" (مت 8: 22) شتم بهذا أهل الميت، وكان فظًا في قوله هذا؟ وهل تصرفه هذا، سواء كان يعلم بموت الأب أو لم يعلم، ينفي عنه الألوهية؟

 

يقول "علاء أبو بكر": "س148:.. والأغرب من ذلك الجملة التي تليها، فيقول له أحد الأتباع، الذي لم يُذكَر اسمه، مستأذنًا أن يذهب ويدفن أباه، ويرفض يسوع قائلًا: "اتْبَعْنِي وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ ".. ما هذا؟ والمدقق في فهم الجملة يجد أن من يدفن الميت هم أهله، وعلى ذلك فالموتى الذين سيدفنون أبا هذا التلميذ هم أخوته وأعمامه وأقربائه. وبالتالي فقد شتم يسوع أهل هذا التلميذ، الذين لم يؤمنوا به! ويستحيل على العقل أن يفهم جملة يسوع: "اتْبَعْنِي وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ " على حقيقة الأمر، حيث لا يدفن الميت ميتًا.

والأغرب من ذلك أن يترك هذا التلميذ من الأساس أباه وأسرته التي تحتاج في مثل هذا الوقت لمؤازرته!! فهل هذا من بر الإنسان بأبيه أو بباقي أسرته؟ هل الفظاظة في المعاملة هو طريق قويم للدعوة؟ والقارئ المتدبر هنا أمامه أحد هذه الاحتمالين:

1- إما أن يسوع كان يعرف (كإله) بموت أبى الرجل، وتركه يتبعه، ورفض أن يذهب ليدفنه، وهذا ينفي عنه الألوهية، إذ أن اللَّه تعالى يأمر بالعدل والإحسان والبر، ويأمر الشيطان بعكس كل هذه الفضائل.

2- وإما أنه لم يكن على علم بذلك، وهذا ينفي عنه الألوهية لجهله، فلا يجهل الإله شيئًا" (البهريز في الكلام اللي يغيظ جـ 5 من شبكة الانترنت).

ويقول "د. محمد توفيق صدقي": "إن أحد تلاميذه مات أبوه فأستأذنه في الإنصراف ليدفنه، فلم يقبل وقال له: "اتْبَعْنِي وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ "، والظاهر من هذا القول أن أبا هذا التلميذ لم يكن مؤمنًا به فلذا حقد عليه حتى بعد موته ومنع ابنه من الذهاب ليدفنه، ولا ندري ماذا كان يفعل لو قدر عليه وهو حي؟ فهل هذا خلق الرجل الذي أمر غيره بمحبة الأعداء؟! وقد داس بعمله هذا مع تلميذه على أمر التوراة بإكرام الوالدين" (753).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1ــ هل صدَّ السيد المسيح الشاب الذي قال له: "أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي

لم يصد السيد المسيح هذا الشاب عن تبعيته، ويبدو حسب الظاهر أن هذا الشاب قد عقد العزم على تبعية المسيح، فلم يقل أني أفكر في تبعيتك، بل قال " أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي"، وكان هذا الشاب كاتبًا أي له وظيفته فهو في نظر الكثيرين أفضل كثيرًا من صيادي الأسماك الذين تبعوا المسيح. هذه الصورة المشرقة هيَ بحسب الظاهر، ولكن السيد المسيح العارف بخبايا القلوب أدرك أن هذا الشاب جاء مدفوعًا بعاطفته بسبب إعجابه بالمعجزات، فأراد تبعية المسيح، متوقعًا أنه سيقيم مملكة فيكون له شأنًا في هذه المملكة، فهو أراد أن يتبع المسيح دون أن يحسب التكلفة، ولذلك وضعه السيد المسيح أمام الحقيقة وهيَ " لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِـدُ رَأْسَهُ" (مت 8: 20). وبعد أن علم هذا الشاب هذه الحقيقة، وأدرك أن الذي لا يملك بيتًا في هذه الأرض فبالتأكيد لن يكن له يومًا ما مملكة في هذا العالم، فمضى الشاب إلى حال سبيله، ولم يذكر الإنجيل أنه تبع المسيح.. لم يقل لابن الإنسان سأتبعك حتى لو عشت غريبًا معك بلا مأوى!!

 

2ــ تقدم للسيد المسيح شخص آخر، وكان من الذين تبعوا المسيح ولذلك قال القديس متى: "وَقَالَ لَهُ آخَرُ.مِنْ تَلاَمِيذِهِ" (مت 8: 21)، وطلب الإذن لكيما يُدفن أبيه ويعود فيتبعه، وربما كان هذا الأب قد مات فعلًا، أو على فراش الموت، أو أنه طاعن في السن فطلب أن يظل معه حتى وفاته ودفنه. ومع أن هذا الطلب بحسب الظاهر طلب منطقي ومعقول ومقبول ومُلح وواجب، فالدافع إليه البنوة الصادقة الوفية والوفاء والولاء وإكرام الوالدين، إلاَّ أن السيد المسيح أراد أن يُعلّمه ويُعلم الأجيال الدرس الأهم، وهو أن الأولوية الأولى هيَ في تبعية المسيح، ومن يريد أن يتبع المسيح عليه أن يحسب التكلفة جيدًا، ويدرك أن من وضع يده على المحراث ونظر للخلف لا يصلح لملكوت السموات.. من يريد أن يتبع المسيح عليه بالتضحية بكل شيء حتى بالواجبات المفروضة، وكان اليهود ينظرون بكل تقدير وإحترام إلى مهمة دفن الآباء كمهمة مقدَّسة، فعندما مات يعقوب أبلغ يوسف فرعون مصر قائلًا: "أَبِي اسْتَحْلَفَنِي قَائِلًا هَا أَنَا أَمُوتُ. فِي قَبْرِيَ الَّذِي حَفَرْتُ لِنَفْسِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ هُنَاكَ تَدْفِنُنِي فَالآنَ أَصْعَدُ لأَدْفِنَ أَبِي وَأَرْجِعُ" (تك 50: 5). فمن الضروري أن يهتم الإنسان بدفن أبيه، ولكن من الخطورة أن يكون لهذا الأمر الأفضلية على تبعية المسيح، فيجب أن يكون اللَّه أول الكل، وبنفس المعنى قال السيد المسيح: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. وَمَنْ أَحَـبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت 10: 37)، فمحبة اللَّه أولًا والدعوة للملكوت أولًا، وهذا ما أوضحه القديس لوقا: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللَّه" (لو 9: 60).

وجاء في "التفسير التطبيقي" ص1896: "كان الرب يسوع على الدوام صريحًا مع الذين أرادوا أن يتبعوه، فكان يتأكد من أنهم قد حسبوا التكلفة. وتخلوا عن كل الشروط التي يمكن أن يضعوها لكي يتبعوه. ولم يتردَّد الرب يسوع، باعتباره ابن اللَّه، في أن يطلب الولاء الكامل، فحتى دفن الموتى لم يكن له الأولوية في نظر المسيح على مطالب الطاعة". ويقول "متى هنري": "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ "، وهذا تعبير مُستقى من الأمثال الجارية. دع ميتًا يدفن ميتًا، بل دع الاثنين بلا دفن فذلك أولى من أن تتعطل خدمة المسيح. دع الموتى روحيًا يدفنون موتى الجسد. دع خدمات العالم لأهل العالم، ولا تربك نفسك بها. أن دفن الموتى، وخاصة الوالد، عمل صالح، ولكن هذا ليس عملك الآن، فأنه يمكن أن يقوم به غيرك ممن لم يدعَ مثلك، ولم تتوفر فيه مؤهلاتك لخدمة المسيح. أن لك عملًا آخر يجب أن تقوم به، فلا تؤجله" (754).

 

3ــ عندما قال السيد المسيح لهذا التلميذ: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" لم يشتم أهل الميت، ولم يذمهم ولم يتحدث عنهم بكلمات بذيئة لا تليق، ولا وصفهم بأوصاف رديئة. ولم يكن مسيحنا شتَّامًا، بل قال: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت 12: 36)، والمقصود بالكلمة البطالة ليس كلمة سفيهة ولا كلمة بذيئة، إنما أي كلمة بلا فائدة. عندما قال السيد المسيح " دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ " أي دع الموتى روحيًا يدفنون الموتى جسديًا، ولا سيما أن دفن الموتى عمل سهل يقوى عليه الأحياء جسديًا وإن كانوا أمواتًا بالذنوب والخطايا. ولا يُفهم من معنى العبارة أن اللَّه يُنهي عن دفن الموتى، وأنه ضد هذا العمل، ففي العهد القديم سمح للكاهن بلمس جثة أبيه (لا 21: 1 - 3)، وكرَّم اللَّه طوبيا الذي إهتم بدفن الموتى.

ويقول "مارديوناسيوس يعقوب ابن الصليبي": "إن المسيح بجوابه له قائلًا: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ " لا يُراد به الاستخفاف بآبائنا. وعدم إحترامنا لهم، لكنه يعلمنا أنه واجب علينا أن نحب اللَّه أكثر من الآباء.. وقال آخرون لأن أباه ما كان مات بعد، فلذلك لم يأذن له بالذهاب. وقوله " ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلًا وَأَدْفِنَ أَبِي " معناه لأمضي أخدمه ما دام حيًا وبعدما يموت فأدفنه وآتي" (755).

 

4ــ قال الناقد " والأغرب من ذلك أن يترك هذا التلميذ من الأساس أباه وأسرته" وقوله هذا يُعبر عن نظرته، وهذا ما رفضه السيد المسيح، فتبعية المسيح تأتي قبل كل شيء. وأيضًا تساؤل الناقد: "هل الفظاظة في المعاملة هو طريق قويم للدعوة" تساؤل جانبه الصواب، لأن السيد المسيح لم يدعو هذا التلميذ لبغضة أبيه، ولا للتنكر له، إنما دعاه لتحمل شرف الخدمة معه، ولا يهتم بدفن أبيه لأنه بكل تأكيد يوجد من يقوم بهذا العمل، فلا بد أن لهذا التلميذ أخوة أو أقرباء لن يتوانوا في دفن الأب.

 

5ــ وضع الناقد احتمالين ينتهي كل منهما بنفي الألوهية عن السيد المسيح، فهذا هو مبتغاه ومناه، فقال إما أن السيد المسيح يعرف أن هذا الأب قد مات وقد نهى التلميذ عن الذهاب لدفن أبيه، والإله لا يفعل هذا بل يدعو للعدل والإحسان والبر، وإما أنه لا يعلم أن هذا الأب قد مات، والإله لا يجهل شيئًا، ففي كلتا الحالتين خلص إلى نتيجة ترضيه وتفرحه وهيَ أن السيد المسيح ليس هو الإله، وغض البصر عن أن ألوهية المسيح لا تعتمد على هذين الاحتمالين لا غير، بل أنها أمر واضح وعميق في الكتاب المقدَّس بعهديه، وما أكثر الأدلة على ألوهية السيد المسيح، فمثلًا:

السيد المسيح له الصفات الإلهيَّة: مثل السرمدية، والمساواة للآب، وأنه مالئ كل مكان وزمان، ولا يتغيَّر، له القداسة الفائقة، والقدرة الكلية، والمعرفة الكاملة.

والسيد المسيح له الألقاب الإلهيَّة: مثل اللَّه، وابن اللَّه، وكلمة اللَّه، والرب، وعمانوئيل، وملك الملوك ورب الأرباب، والطريق والحق والحياة، ونور العالم، وهو الطريق والحق والحياة، ونور العالم ونور الحياة، وهو القيامة والحياة.

والسيد المسيح له الأعمال الإلهيَّة: مثل الخلقة، والخلاص، وغفران الخطايا، وقبول الإكرام الإلهي، والدينونة.

وقد أقرّ القرآن الميلاد المعجزي للسيد المسيح، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وأنه مولود من عذراء، وهو الوحيد كلمة اللَّه، وهو القدوس الذي لم يُنسب له أي خطأ، وهو الخالق، وهو واهب الحياة، وهو علام الغيوب، وهو الشفيع، وهو الديان. (راجع كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(753) نظرة في كتب العهد الجديد وعقائد النصرانية ص142.

(754) ترجمة القمص مرقس داود - تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ 1 ص266.

(755) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ص223.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/299.html